نقد سينمائي

"أبناء الذئب" وعوالم الياباني "هوسودا"

"أبناء الذئب"
 
محمد موسى 
 
استعادت الدورة التاسعة والعشرين لمهرجان طوكيو السينمائي في برنامج خاص أفلام مخرج التحريك الياباني "مامورو هوسودا" Mamoru Hosoda، فعرضت أفلامه القصيرة من بداياته، وأفلامه الطويلة حسب تسلسلها الزمني، ومن ضمنها فيلمه الروائي الطويل الأخير "الصبي والوحش"، والذي كان أحد النجاحات التجارية المدويّة في اليابان وحول العالم في عام 2015. 
 
اختار المهرجان السينمائي الياباني هذه المرة أن يُسلّط الأضواء في برنامجه الاستعادي على مخرج لا يزال في قمة توهجه وعطائه (مواليد عام 1967)، فهو يُحضر حالياً لمشروع روائي كبير يحيطه بالكتمان، لكن المعلومات القليلة المتسربة عن الفيلم تقول بأنه يستعين بآخر ما توصلت إليه تكنولوجيا الرسوم المتحركة، وسيكون نقلة نوعية حقيقية.
 
يُعد "هوسودا" واحدا من الأسماء الإخراجية الأساسية في سينما التحريك في اليابان اليوم (يطلق عليها أنيمي)، والتي تمثل بشعبيتها الجارفة في اليابان ودول عديدة حول العالم، النظير والمنافس الأهم لأفلام الرسوم المتحركة التي تنتجها استديوهات "ديزني" الأمريكية، مع احتفاظ كل من الاتجاهين بهوية وروح خاصتين، وعلاقات مختلفة مع الجمهور، من حيث أن سينما أفلام التحريك اليابانية تتجه إلى جمهور البالغين والأطفال على حد سواء، فيما يشَّكل الأطفال الجمهور الأهم لما تنتجه "ديزني"، هذا رغم أن الأخيرة بدأت في العقد الأخير في وضع جمهوراً مختلفاً في حساباتها وتحاول التواصل معه بطرق متعددة، غالباً عبر الكوميديا متعددة الطبقات التي تقدمها في أعمالها، فهي ولغرض تسلية "الكبار" الذين يرافقون أبنائهم إلى الصالات السينمائية، صارت تُضمّن أفلامها بتفاصيل ومزحات وإشارات تغمز للبالغين.
 
"هوسودا"
 
بعد أن فَصَلت استديوهات "غيبلي" اليابانية الشهيرة لسينما التحريك (أُغلقت العام الماضي في خطوة أحزنت جمهوراً كبيراً حول العالم)، المخرج "هوسودا" من الفيلم الذي كان يخرجه لصالحها قبل عقد من السنوات تقريباً، وعندما كان في منتصف مراحل تصويره إثر خلاف في الرؤية وعناد كلا الطرفين في موقفه، اتجه المخرج الياباني للعمل خارج استديو الرسوم المتحركة الأهم في بلاده، وستزيد الحادثة تلك والتي أثرت فيه كثيراً، من إصراره على الاستمرار، ليقدم بعدها خمسة أفلام طويلة طبعها بهويته الفنيّة والأسلوبية الخاصة، إذ أنه لا يكتفي بالإخراج، بل يقوم بكتابة القصة والسيناريو ويشترك في الإنتاج، وله يد في كل العمليات التقنية والشكل العام للفيلم. 
 
تُتيح مشاهدة الأفلام القصيرة والطويلة للمخرج الياباني الفرصة لتتبع تتطور سينماه على صعيد الرسوم المتحركة، والانتقالات التي حدثت خلال فترة زمنية قصيرة في أسلوبه، فبعد أن كانت أفلامه القصيرة الأولى لا تتميز على صعيد التحريك نفسه عدا في ألوانها الصارخة، وازدحامها بالتفاصيل، واستلهامها لمفردات من الحياة المعاصرة، وحركة الشخصيات التي لا تتوقف في مشاهدها، ستتجه أفلامه الطويلة إلى التبسيط والاقتراب من المدرسة اليابانية الشائعة للرسوم المتحركة، من حيث الشكل الخارجي للشخصيات وخاصة عيونها الواسعة والشعر الذي يخفي الملامح أحياناً والذي يزيد من غموضها وشاعريتها، والحركة القليلة للشخصيات، والخلفيات الساكنة أو شبه الساكنة لمشاهدها. كما سيهتم "هوسودا" كثيراً بتركيبة مشاهد الحركة السريعة التي تضمّها أفلامه، وسيمنحها حيوية وتدفّق خاص.
 
على صعيد الموضوعات، يبدو المخرج مفتوناً في أفلامه بالعلاقة بين الواقع المألوف الذي يعيش فيه أبطاله وعالم خيالي غير طبيعي تتعثر به الشخصيات ليغير بعدها حياتها للأبد. هذه التيمة تظهر في جميع أفلامه حتى القصيرة منها، وشخصياته في العادة هي من المتوحدّين العنيدين، والذين لسبب أو لآخر سيتقبلون حضور الكائنات أو الظواهر غير الطبيعية التي تحدث في حياتهم ويؤمنون بما تحمله من مفآجات ويسلمّون لما تحمله من عاطفة صادقة. 
فطالبة فيلم "أبناء الذئب"، تقع في حب الزميل الغامض الذي تقابله في الجامعة، وعندما تعرف أنه في الحقيقة ذئباً يستطيع بسبب قوة خارقة التحول إلى شكل بشري عندما يشاء، لا تتخلى عنه، بل تدافع باستماته عن علاقتها به، وعندما يموت، تحمل أبنائها الذين أنجبتهم منه وتتجه إلى تربيتهم في مكان ريفي معزول. في حين سيجد الصبي في علاقته مع الوحش في فيلم "الصبي والوحش"، ما يخفف عنه ألمّ موت الأُمّ وغياب الأب. 
أما بطلة فيلم " الفتاة التي قفزت عبر الزمن" (2006) فإنها تُسخر مقدرتها بالعودة في الزمن وتغيير تفاصيل منه والتي تكتشفها فجأة، لمساعدة الناس الذين تحبهم في حياتها.
 
"الصبي والوحش"
 
أبناء الذئب
يُشَّكل فيلم "أبناء الذئب" (2012) نقطة تحول على أكثر من صعيد في مسيرة المخرج الياباني، فالفيلم الذي نجح في السوق المحلية سيعرض في مهرجانات عالمية وفي دول عديدة ويكرس كمخرج قادر على تقديم الفيلم الشعبي الملحمي دون أن يتخلى عن مفردات الفيلم الفنيّ الجمالية وحس الابتكار. وعلى صعيد السيناريو، يميل المخرج بفيلمه هذا إلى التبسيط على خلاف أفلامه السابقة التي كان بعضها معقداً في حبكته، ويقدم شخصيات واضحة المعالم، وقصة شديدة العاطفية، كما يتميز الفيلم بتمثيله الرائع، وهو الأمر الذي يتم تناسيه أحياناً عند الحديث عن سينما الرسوم المتحركة. كما سيكون للموسيقى في الفيلم دوراً مهماً في تكثيف مأساوية حكاية العائلة التي يقدمها الفيلم.
ولأن أحداث الفيلم تبدأ في العاصمة طوكيو وتنتقل بعدها إلى قرية صغيرة في الريف، هذا سيمنح المخرج الفرصة للتجريب على صعيد المشهديات، التي تنسجم مع المناخات النفسية للأحداث في الفيلم، فطوكيو تبدو حيّة متألقة وأنوارها مشعّة في بداية قصة حب البطلة بالرجل الذئب، وسيغلفها الشحوب بعد أن يُقتل الذئب وتبقى البطلة وحيدة مع ولديها. 
 
وعندما تنتقل العائلة إلى الريف تتغير روح الفيلم وتتسّع مشهدياته، وخاصة تلك التي تقدم الجبل القريب الذي تعيش قربه العائلة، والذي سيتحول إلى رمز للمجهول الذي يواجه العائلة الصغيرة. يبلغ هذا الفيلم عاطفية لم تصلها أفلام المخرج السابقة، وسيكون لبعض المشاهد التي قُدّمت دون حوارات تأثيراتها القوية، مثل ذلك الذي يُظهر حيرة الأطفال بين البقاء كبشر أو التحول إلى ذئاب. فيما ستتحول الأُمّ إلى أمثولة للأُمّهات اللواتي عليهن أن يشاهدن أبنائهن يكبرون ويغادروا البيوت التي نشأوا فيها.
 
صديق الوحش
في فيلمه الأخير "الصبي والوحش"، يجرب المخرج "هوسودا" على أكثر من صعيد، إذ أنه يقدم وحوشاً من كل الأنواع والأشكال كل منها يملك حركاته خاصة، وسيختار الفيلم المشاهد العريضة الواسعة التي تضمّ جموعاً يتحرك كل واحد من أفرادها على حدة، وعلى خلاف السائد في التحريك الياباني، والذي يميل إلى الحركة القليلة في المشاهد والبقاء على الخلفيات ساكنة في كثير من الأحيان. يبدأ الفيلم بالبطل الصبي الذي سيهرب من العائلة التي تريد أن تتبناه بعد وفاة الأُمّ، ويَعثر في أثناء تشرده على عالم غريب موازي لعالمنا سكانه من الوحوش، وهناك سيصادق أحد هؤلاء الوحوش، ولتستمر تلك الصداقة لسنوات عديدة.
 
يزيد "هوسودا" من جرعة الكوميديا في فيلمه " الصبي والوحش"، والكوميديا كانت حاضرة دائماً في أفلامه السابقة وبمستويات مختلفة، كما سيتجه الانتباه في الفيلم للمعارك بين البطل الوحش ومنافسيه من الوحوش الآخرين، والتي ستقدم بمشاهد طويلة وبكثير من التفاصيل. وعندما يكبر الصبي ويترك عالم الوحوش الذي عاش فيه لسنوات عائداً إلى المكان الذي جاء منه، سيتطور اتجاهاً مأساوياً في الحكاية الملحمية، لكنه ينتهي وكما هو الحال في أفلام المخرج السابقة بنهاية مرضية، بعد أن يتبدّى للشخصيات أن الخيارات التي صادفتها أو التي أُجبرت على أخذها، فتحت حياتها على عوالم جديدة وتجارب مثيرة ومنحتها السعادة والسلام مع النفس.
 
 
 
 

قد ينال إعجابكم