نقد سينمائي

أخوات السجن.. العالم السفلي في أفغانستان

محمد موسى

المخرج الإيراني جعل من شخصيتيه أمثولة قوية عن حال المرأة في المجتمعات الشرقية اليوم

بعد أن قدم في فيلمه "لا نقاب خلف القضبان" (2012) يوميات سجينات أفغانيات من خلفيات اجتماعية متنوعة كن يقضين معا عقوبات في واحد من سجون النساء في البلد المُتداعي، يعود المخرج التسجيلي الإيراني المقيم في السويد نيما سروستاني في فيلمه الجديد "أخوات السجن" إلى شخصيتين من عمله ذاك ليتتبع حياتهما بعد إطلاق سراحهما.

يتوزع زمن الفيلم الجديد بين "سارة" التي وصلت إلى السويد وطلبت اللجوء هناك، وصديقتها "نجيبة" التي اختفت في أفغانستان بعد نهاية فترة سجنها وقيل إن حركة طالبان قتلتها رجما بعد ذلك. بيد أن الفيلم سينتهي وشخصيتاه عالقتان في أزمات كبيرة، والسجن الذي تشاركتا العيش فيه لسنوات هو اليوم يُطبق بأشكال مختلفة على حياتهما في خارجه.

تسبق "سارة" زميلتها إلى الحرية، وعندما رتب المخرج دعوة لها لحضور عرض فيلم "لا نقاب خلف القضبان" في السويد، تتشبث بفرصة العيش خارج بلدها التي فُتحت لها، وتقرر طلب اللجوء في البلد الإسكندنافي. في المقابل يضيع أثر "نجيبة" بعد إطلاق سراحها، وتساهم الروايات التي شاعت عن حياتها بعد السجن إلى تحولها إلى ما يقترب من أسطورة شعبية مُحرمة، ذلك أن نجيبة ستختفي فجأة لتنطلق بعدها الحكايات عما حدث لها، والتي كانت تنتهي النهاية نفسها بالمرأة الشابة وهي تُقتل على يد رجال من عائلتها أو حركة طالبان. لا يقبل المخرج تصديق القصص عن "نجيبة"، ويقرر أن يتوجه بنفسه إلى أفغانستان للتحقيق في مصير شخصيته، فيما يتواصل تسجيل يوميات "سارة" في السويد.

 

بين السويد وأفغانستان.. البحث عن سارة ونجيبة
يبدأ الفيلم بمشاهد تملك دلالاتها المهمة عن الحالة النفسية لـ"سارة"، حيث تصور المشاهد الافتتاحية المرأة الأفغانية الجميلة تقف حائرة أمام بحر أمواجه عالية، حيث إن حياتها ما زالت مثل البحر ذاك بعيدة كثيراً عن الاستقرار، فطلبها للجوء ما زال قيد البحث وزوجها في أفغانستان (والذي كان زواجها منه دون موافقة أهلها مما أدخلها السجن) يضغط عليها ويحاول أن يتحكم بها عن بعد، في حين كانت المرأة الشابة قد بدأت تكتشف ماذا تعنيه الحياة خارج بلدها، بلدها الذي منحها الكثير من الألم كما وصفت. وفي الوقت ذاته، كانت سارة تستعيد باضطراب حياتها في السجن، حيث شكلت صداقتها مع "نجيبة" إحدى المحطات المهمة فيها إن لم تكن أهمها.

يستعيد النصف الأول من فيلم "أخوات السجن" مشاهد من الفيلم السابق، حين تذكر حالات نفسية خاصة عاشتها الشخصيتان، وأحيانا أخرى لإضاءة بعض المسكوت عنه في قصتيهما. وبالخصوص في حكاية "نجيبة" التي لم تظهر كثيراً في الفيلم الجديد، على عكس "سارة" التي توفَر لها ومن محل إقامتها في السويد زمن كاف للحديث دون ضغوط. وحتى في الفيلم السابق، كانت مشاهد "نجيبة" أقل بالمقارنة  لصديقتها، وكانت دائما تظهر باكية نادبة حظها الذي قادها إلى السجن، ومتحسرة على ابنها الصغير الذي حرمها زوجها السابق من رؤيته، وعائلتها المشتتة التي خذلتها المرة تلو الأخرى.

عندما يصل المخرج إلى أفغانستان ينتظم إيقاع الفيلم، إذ ينقسم زمنه وعبر مونتاج متواز بين يوميات "سارة" في السويد والبحث عن "نجيبة" في أفغانستان. يتطور البحث عن الأفغانية الشابة في أفغانستان إلى رحلة يغلب عليها القنوط، كاشفة عن تفاصيل صادمة عن العالم السفلي في أفغانستان، وعن العنف المجاني والشائع كثيرا ضد النساء هناك. يتتبع الفيلم كل شائعة سمعها عن مصير "نجيبة"، ويكتشف كل مرة أن هناك أفغانية قتلت بطرق وحشية لكنها لم تكن المرأة التي كان يبحث عنها، بيد أن الفيلم كان يترك مع كل قصة حقق فيها طعماً مراً، وأحياناً الكثير من الرعب كالذي ضمه فيديو عُثر عليه في هاتف عضو من حركة طالبان لرجم امرأة لم يظهر وجهها وكان يعتقد أنها "نجيبة"، حيث يقطع الفيلم الفيديو ذاك على صرخة رجل طلب من زميله ضرب رأس المرأة التي كانت تنزف بسلاح ناري للإجهاز عليها.

المخرج حين وصوله إلى أفغانستان ينتظم إيقاع الفيلم، إذ ينقسم زمنه وعبر مونتاج متواز بين يوميات "سارة" في السويد والبحث عن "نجيبة" في أفغانستان

سارة ونجيبة.. أمثولة المرأة الشرقية

عرضت عائلة المخرج على سارة أن تبقى في بيتهم بانتظار قرار لجوئها وبدل الإقامة في مركز اللاجئين. هذا القرار سينتفع منه فيلم "أخوات السجن" كثيرا بسبب الثقة والأمان الذي بدا واضحا على الأفغانية، والذي قاد إلى لحظات حميمة وتقاطعات مهمة بينها وبين المخرج وزوجته وأولاده.

لم تنته أزمة "سارة" بوصولها إلى السويد، فكوابيس الماضي وعلاقتها مع زوجها في أفغانستان أبقتها في مزاج متقلب وعدم استقرار واضحين، كما خيّم مصير صديقتها المجهول على حياتها الجديدة وجعلها لا تتوقف عن المراجعات الذاتية، طارحة أسئلة عن الدين والوطن والالتزام والحريات.

على رغم أن القتامة غلفت يوميات البحث عن "نجيبة"، وكان يبدو أن الفيلم في طريقه لكشف نهاية حياتها العنيفة، فإنه وخلافا لكل التوقعات عثر عليها حيّة، وسيجمعها مع صديقتها "سارة" عن طريق أحد برامج المحادثة الإلكترونية. عندما وصل المخرج إلى نجيبة وجدها غاطسة أكثر من أي وقت مضى في متاعب حياتها، فأسرتها طردتها بعد اعتداء شقيقها جنسيا عليها، وكانت تعيش حينذاك في بيت للبغاء، وقريبة كثيراً من مصير يشبه مصير النساء اللواتي مررن في الفيلم. فيرتب المخرج منزلاً أميناً لسكن "نجيبة" ويعطيها هاتفاً جوالاً حتى يحافظ على اتصال دائم معها، لكنها وقبل أن يغادر المخرج أفغانستان ستترك البيت ذاك دون سبب واضح، وستذهب إلى وجهة مجهولة.

تعامل المخرج الإيراني بحرفية عالية مع شخصيتيه والأهوال التي شهدتها كل واحدة منها، ووسّع كثيراً من معالجته وأفقه، وجعل من حياة شخصيتيه أمثولة قوية عن حال المرأة في المجتمعات الشرقية اليوم، والذي شَكَّل البحث فيه وكشف قساوته جوهر هذا الفيلم والمحرك له، في حين بدا الفيلم وهو يتنقل بين "سارة" و"نجيبة" وكأنه يتحدث عن المرأة المسلوبة القوى والحائرة ذاتها. هذا سهّل كثيرا من الانتقالات الجغرافية بين مشاهده التي صُورت في السويد وأفغانستان.

كما احتفظ كل جزء من الفيلم بقوته الخاصة بما يكشفه من جوانب مختلفة عن الأزمات المتواصلة لشخصيتيه، والتي اختزلتها نهايته الصادمة، فـ"سارة" وبعد مجيء زوجها إلى السويد قطعت علاقتها بعائلة المخرج وبجميع الأصدقاء الذين تعرفت عليهم في العامين اللذين قضتهما في السويد وحدها، وانعزلت في حياة غريبة على نقيض أفكارها الحرة الجديدة، في الوقت الذي يتواصل هرب "نجيبة" من الجميع، والتي تعيش اليوم في مكان غير معروف.

قد ينال إعجابكم