نقد سينمائي

"أرواح متمردة".. شاعرية الوثائقي وسينمائيته

د. أمــل الجمل

"هُناك من يُعطي ولا يعرف في عطائه حسرة، ولا يطلب الفرح، ولا يُعطي من أجل الفضيلة.. بل يُعطي كما ترسم ريحانة الوادي عبيرها في الهواء. على أيدي أمثال هؤلاء يتكلم الله، ومن وراء وجوههم ينتشر على وجه الأرض.".. الكلمات السابقة هي بعض من أفكار الشاعر والكاتب اللبناني الأمريكي جبران خليل جبران والتي يُتاح للمتلقي تأملها أثناء مشاهدة الفيلم الوثائقي الشاعري "أرواح متمردة" من إنتاج قناة الجزيرة الوثائقية وإخراج السوري مرهف الإحساس الفوز طنجور الذي وُلد بمدينة السلمية عام 1975، وحصل على دبلوم في الإخراج السينمائي من أكاديمية الموسيقى والمسرح والفنون التشكيلية قسم الفنون البصرية والدرامية بجمهورية مولدوفا سنة 2004، وقدم مجموعة من الأفلام السينمائية القصيرة، منها: "نهاية بالون أحمر" سنة 2004، و"شمس صغيرة" سنة 2008 الحائز على جائزة التانيت البرونزي بمهرجان قرطاج السينمائي، ثم قدم الفوز طنجور مجموعة من الأفلام من إنتاج قناة الجزيرة الوثائقية منها "دمشق سيمفونية مدينة" - "حجر أسود"، و"خارج أسوار المدينة"، و"بارودة خشب" الحاصل على جائزة الحريات العامة وحقوق الإنسان في مهرجان الجزيرة الدولي التاسع للأفلام التسجيلية 2013.

شاعرية فيلم الفوز طنجور لم تفقد واقعية جبران

يتميز فيلم "أرواح متمردة" بأن صانعه اختار أسلوباً فنياً يتسق وشخصية بطله الرئيسي جبران خليل جبران الشاعر والفيلسوف الثائر على مجتمعه وتقاليده، وهو أسلوب يُؤكد على وعي المخرج وفهمه لكتابات جبران التي لا تخلو من الرومانسية والمهتمة بالطبيعة والإنسان، تلك الكتابات الزاخرة بكم هائل من العواطف والأحـاسيس الشعورية، المتحررة من الأعراف والقيود الاجتمـاعية البغيضة والأحكام الشكلية الظالمة، تلك الكتابات المشحونة بالعاطفة الحزينة وبالمعاناة والألم، الثائرة على رجال الدين ومنظومة الإقطاع، والتي لم تكتف بالتحليق في رحاب الخيال والصور والأحلام لكن مبدعها جبران كان من خلالها يعرف جيدا كيف يربط بين العاطفة القوية وبين الإرادة الواعية الناقدة المتمردة في وحدة فكرية وعاطفية متجانسة.

لكأنك ترى جبران في شخوص رواياته وأشعاره متمردة على واقعها

ينتمي شريط الفوز طنجور إلى الواقعية الشاعرية إذ تتضح به عدة خطوط منها: إدانة النظام الاجتماعي، والتلميح للعادات والتقاليد بشكل تهكمي واع، إلى جانب الغنائية الواضحة في التصوير والإيقاع ويُؤكدها الانسجام والهارموني بين الصوت والصورة، وهو أيضاً في نصه التحتي – من خلال كلمات ضيوفه المنتقاة والمقاطع المختارة من أفكار جبران – يشي بمشاعر القلق وإحساس بالإحباط، والمعاناة والتوق إلى التطهر والرغبة في التحرر. كان الفوز يُراكم تلك الأفكار من خلال عشرات اللقطات القريبة والقريبة جداً – في الأغلب - التي يتم تنسيقها في نظام وترتيب معين يخلق مزيداً من العاطفة والانفعـالات الشعورية، وذلك عن طريق تكثيف صور ممتدة للطبيعة بكافة تفاصيلها ومفرداتها المتحركة النابضة بالحياة، وهو في ذلك كان يُحاكي جبران تماما فقد كان يدعو للاهتمام بالطبيعة، والرجوع إليها حيث الصفاء والفطرة السليمة، فقد كان صاحب "النبي" ضد المدنية وضد الحضارة اللتين اعتبرهما قد شٌيدتا على الجماجم وأنهما ليستا سوى ركض وراء المال ووراء السلطة، ومن هنا كانت الطبيعة هي البديل في نظر الثائر المتمرد.

من خلال كتابات جبران تعرفت جاهدة وهبة على كينونتها الإنسانية واستطاعت أن تتلمس طريقها وماذا تريد أن تكون وكيف تكون

إضافة إلى ما سبق كان طنجور يهتم بلقطات أخرى شديدة القرب لوجوه البشر وملامحهم في علاقتها بالفراغ والتحامها مع الأشياء التي يحبون – كما في لقطات التحام وجه وكيان جاهدة أثناء العزف، أو رفعت طربيه أثناء إمساكه بأحد مؤلفات جبران الضخمة وقراءة أشعاره وكأنه جزء من هذا العالم الشعري والروحي لجبران، وكذلك مع لقطاته لمدير التصوير ميلاد طوق في علاقته بشريطه الفيلمي وبالكاميرا حيث تلتحم العيون بهما كأنهما جسد واحد نابض بالحب- ما أضفى قوة عـاطفية، وساعد على إشباع المَشاهد بالأحاسيس الشعـورية، وهو ما أنقذ الفيلم من الصبغة التليفزيونية، لأن اللقاءات والحوارات أغلبها في مكان ثابت، لكن المخرج بوعيه وذكائه وحسه الفني الذكي نجح في إكساب العمل صبغة وشحنة سينمائية قوية.

مع تماهيه مع جبران، كان ميلاد طوق فنانا مبدعا وثائرا على طريقته

أحد أهم أسباب قوة الفيلم أيضاً – من زاوية المضمون - أنه لا يحكي وفقط عن جبران باعتباره أحد أدباء المهجر الذين حافظوا على جذورهم المشرقية وحملوا بلدانهم معهم، فهو رغم أنه عاش بأمريكا لكنه لم يُصبح أمريكيا، بل حمل معه لبنان وظل لبنانيا شرقيا جبليا في قلب أمريكا. ولكن طنجور كان أثناء سرد قصة حياة جبران خليل جبران ومعاناته ومشروعه الفكري، وأثناء إلقاء الضوء على بعض الشخصيات التي ساندته كان يحكي أيضاً عنه من خلال آخرين تأثروا به وتمردوا على واقعهم وظروفهم، وأهمهم ثلاثة فنانين متمردين - فنيا وفكريا - ارتبطوا بجبران بشكل من الأشكال، وهم: الممثل المسرحي رفعت طربيه، والفنانة الموسيقية جاهدة وهبة، ومدير التصوير والمخرج ميلاد طوق الذي قام بإخراج أربعة أفلام عن جبران كان يرغب من خلالها التعبير عن فكرة اعتبرها تعبر بقوة عن جبران وهي الزمن من خلال الفصول الأربعة، فكأن المتلقي يرى جبران في مرآة الآخرين، وبعيونهم المحبة له.

احتفى الغرب بجبران أكثر مما احتفى به مشرقه الذي حمله معه إلى بلاد المهجر

طوال الفيلم يتنقل طنجور بأسلوب شاعري لا يخلو من الواقعية بين السرد المباشر لسيرة شاعر وأديب المهجر والتي يمر خلالها على محطات كثيرة من حياته منذ مولده ونشأته ومساندة ودعم أمه الكبير له، وكذلك الدور الذي لعبته السيدة ماري هاسكل، من دون أن يغفل تأثير قدومه من مجتمع شرقي روحاني موسوم بالتخلف ما خلق عند جبران الصراع بين المادة والروح، بين الواقع والمرتجى والذي كان يُعبر عنه بالصلب في لوحاته، وفي كتاباته. أثناء ذلك كان طنجور يتنقل بين السير الذاتية للمبدعين الثلاثة الذين تأثروا به وبمشروعه، فمثلاً رفعت طربيه وُلد لأسرة بها 17 ولدا وفتاة كان هو رقم 16، وفي أسرة طربيه كان للتراتبية بالغ الأهمية فكان رفعت يأتمر من خمسة عشر من أخوته الأكبر منه، بينما يأمر هو أخاه رقم 17، ومع ذلك تجاوز رفعت كل هذا وتمرد على واقعه ومحيطه ورفض أسرته واستنكارها، وقرر دراسة المسرح في وقت كان يُعتبر فيه العمل بالمسرح عارا وإهانة، ولم تُعجزه صعوبات مثل تدبير الأموال التي بلغت 40 ليرة عام 1973 للدراسة بخلاف السكن والطعام فقد أصر وفعل ما أراد، وها هو يتألق في الشريط الفيلمي لطنجور بأداء وحضور مميز، وبقدرة على عزف موسيقاه الخاصة التي منحت الفيلم مزيدا من الخصوصية والشاعرية.

لوحات جبران عبّرت عن توق شديد للتحرر من أغلال المادية والمدنية

بأسلوب بسيط ينتمي للسهل الممتنع قدم المخرج بعفوية ورقة لضيوفه المتمردين، فبينما أتاح لرفعت أن يقرأ سيرته الذاتية من أوراق مكتوبة أمامه، وكأنه يُراجع نصاً مسرحياً يُؤديه على خشبته، قدم جاهدة وهبة من زاوية أعلى الكتف قليلا والكاميرا ترصد إلى أي حد كانت هي مستغرقة تماما في تأليف النوتة لإحدى أغانيها وتختبر الحروف الموسيقية التي اختارتها. ثم بعدها نسمعها تحكي مباشرة عن مبررات اتجاهها لدراسة الموسيقى، ودراسة النفس البشرية، فهي ابنة سهل البقاع، كما أن كتابات جبران أيضاً التي كانت تقرأها منذ صغرها شجعتها على ذلك، فدرست علم النفس والموسيقى في نفس الوقت. إنها لا تتردد في التحدث عن أخلاقيات ومثالية جبران التي تأثرت بها والتناقض بين ما كان يحمل من مُثل وبين المجتمع، فمن خلال كتاباته تعرفت جاهدة وهبة على كينونتها الإنسانية واستطاعت أن تتلمس طريقها وماذا تريد أن تكون وكيف تكون؟ ثم تعود جاهدة لتتحدث عن دور الوجع والألم في تشكيل وعي وشخصية جبران خليل جبران، مؤكدة على أنه لا يمكن الفصل بين حياة جبران وكل المآسي التي عاشها وبين حياته الفكرية فالموت المتتالي في عائلته والظروف التي مر بها شكلت إنسانيته وفكره.

"أنا حي مثلك، وأنا واقف الآن إلى جانبك؛ فأغمض عينيك والتفت؛ تراني أمامك"

أما عندما ينتقل الفوز طنجور إلى شخصية ميلاد طوق فيقدمه من خلال أحد أفلامه الأربعة عن جبران خليل جبران، والذي يُعد نصا سينمائيا شديد الشاعرية – على المستوى البصري والسمعي - عن طبيعة المكان الذي ولد فيه جبران والدير الذي تعمد فيه، فكأنما أراد طنجور أن يخبرنا عمليا إلى أي حد كان ميلاد طوق فنانا مبدعا وثائرا على طريقته، ثم في مرحلة لاحقة يُتيح الفرصة مرة أخرى لميلاد كي يحكي عن فيلمه الأول الصوت Voice  والذي حصل به على جائزة برجمان، مستعيدا الرحلة الصعبة أثناء صناعة هذا الفيلم الذي صوره بكاميرا عتيقة مكسرة على شريط خام 35 مم لم يكن يعرف أوله من آخره، ولكنه قام بالتصوير عليه، وكانت وقتها الحرب تدق طبولها، ثم وضعه في أكياس وسافر به إلى موسكو للتحميض ثم المونتاج ليكتمل الفيلم ويُصبح كائنا مكتمل الهوية.

: "لا.. والحياة التي توجتك وتوجتني ملكيْن على نفسيْنا لن نستعبد بسلطان التقليد. لا.. والذي سيرنا حّريْن لن نسير مع القطيع ولن نتبع الرعاة".

بالطبع هناك شخصيات أخرى عديدة بالفيلم مثل شارلوت طوق المسئولة عن بيت جبران في بشرى، وهناك المحامي والكاتب الذي قام بترجمة مؤلفات جبران، ومدير متحف جبران الذي يتحدث عن أهمية لوحات جبران في مواجهة من يحصرون أهمية جبران في أشعاره في المرتبة الأولى لأنه في تقديرهم "كان الأول بانطلاق الشعر الحديث في الوطن العربي فلا يوجد ديوان له لا يحكي بغير الصورة، و"النبي" تحديدا لا يحكي إلا صورة، فالنص الأدبي عنده دائما مغلف بصورة". هناك أيضاً الطبيب طارق الشدياق الذي بدأت علاقته مع أفكار جبران بمأزق وإشكالية واختلاف بسبب قصة مارت البنية التي اضطرت أن تمارس الدعارة مع أحد البكوات لتربي ابنها وتقوم بتعليمه، هنا كانت الإشكالية أن جبران خلق من هذا "العمل اللاأخلاقي" والذي لا يجوز في نظر الكثيرين، لكن جبران خلق منه شيئا من القداسة ومن الطهارة. لكن الطبيب سرعان ما يعترف بأنه عندما قرأ مشروع جبران بعمق وأدرك مغزاه وأهدافه ودعوته للتسامح والحب، من هنا وقع الشدياق في غرام أدب ونصوص جبران.

"ويل لأمة فنها الترقيع والتقليد."

عنوان شريط الفوز طنجور "أرواح متمردة" مقتبس من مجموعة قصصية ألفها جبران تحكي عن أربع أرواح تمردت على التقاليد والشرائع القاسية، وشكلت ثورته على الزواج القهري والاستبداد الاقطاعي وذلك من خلال أربع حكايات اجتماعية هي: "وردة الهاني" - "صراخ القبور" - "مضجع العروس" و"خليل الكافر".

"هُناك من يُعطي ولا يعرف في عطائه حسرة، ولا يطلب الفرح، ولا يُعطي من أجل الفضيلة.. بل يُعطي كما ترسم ريحانة الوادي عبيرها في الهواء".

يبدأ الفيلم باقتباس قسم جبران الذي يقول فيه: "لا.. والحياة التي توجتك وتوجتني ملكين على نفسينا لن نستعبد بسلطان التقليد. لا.. والذي سيرنا حّريْن لن نسير مع القطيع ولن نتبع الرعاة.
يقول بعضهم إنك متمرد، وبعضهم يقول بل إنه قدري." ويختتم باقتباس آخر تحذيري: "ويل لأمة فنها الترقيع والتقليد." وما بين البداية والختام وعلى مدار الفيلم تُذكر اقتباسات من بينها ما أوصى جبران بكتابته على قبره بعد وفاته وهو ما صوره الفيلم محفورا على الحجارة ويقول: "أنا حي مثلك، وأنا واقف الآن إلى جانبك؛ فأغمض عينيك والتفت؛ تراني أمامك".

مرّ ستة وثمانون عاما على رحيل جبران فقد توفي عام 1931 أي في أوائل القرن العشرين. ستة وثمانون عاما على الرحيل ولاتزال نصوصه الأدبية وأشعاره تعبر عن أحوال العرب في القرن الحادي والعشرين، ولاتزال أفكاره تجد لها مريدين يسيرون على دربه المتمرد. لكن المثير للدهشة أنه لايزال يحتل أهمية أكبر في أمريكا ودول الغرب أكثر مما يشغل في العالم العربي.

 

 

 

قد ينال إعجابكم

أخبار

فيلمان لكيدمان في "كان"

قالت النجمة السينمائية نيكول كيدمان إنها تنافس بفيلمين على السعفة الذهبية لمهرجان كان المنعقد حاليًا جنوبي فرنسا...