نقد سينمائي

أكل الحشرات.. هل يُنقذ عالمنا؟! 

بعد "السوشي" (أكل الحشرات) اتجاه جديد لـ "عشاق الطعام" في الغرب

قيس قاسم

 الغذاء والخوف من شح موارده.. أراده المخرج الدنماركي "أندرياس يوهنسن" مدخلاً لعرض رؤيته المستقبلية لمصير كوكبنا، ومناقشة الحلول المطروحة والتحديات التي تواجه سكانها ومن بينها؛ تأمين وتوفير مصادر غذاء إضافية وتعوض في الوقت نفسه جزئياً المصادر الناضبة أو التي في طريقها للانقراض سريعاً، وعليه وجد في مقترح طباخين شابين، ومعهما باحث علمي اسمه "جوش ايفانز"، إضافة الديدان والحشرات إلى قائمة وجباتهم، بوصفها مكملات لا بدائل عن المتوفر عندنا اليوم من خامات غذائية، ما أضفى على نصه السينمائي، بعداً ذاتياً باندماجه مع بقية مفردات السرد الحكائي، وفر له ما يَكفي لتشييد معمار فيلم مستقبلي الروح لا يتردد في خوض تحديات جمع العلمي بالفردي/الذاتي والذهاب إلى تخوم عوالم جديدة نكتشف من خلالها جهل شعوب الأرض بثقافات بعضها، وإهمال معارفها الفطرية بتأثير هيمنة الثقافة الغربية، التي اعتبرتها غطرسةً، متخلفة فيما اليوم ومن خلال فيلم Bugs ندرك لهاثها للعودة إليها ثانية، ففكرة البحث عن بدائل للمصادر الغذائية "المقبولة" بأخرى "منفرة" مثل أكل ديدان الأرض والحشرات ليس في حقيقتها ابتكاراً غربياً جديداً ولا توجهاً استباقياً لدرء المجاعات المحتملة، بل يحمل في طياته ميلاً للسيطرة ثانية على مصادر الغذاء والطاقة المتبقية في العالم، لكن هل بدون أثمان؟ هذا السؤال سيبرز في مسار وثائقي مختلف رائع، أبطاله فكروا بمشروع "مطبخ متعدد الثقافات" قبل كل شيء ثم تطور ليصبح واحداً من المباحث المهمة في مجال توفير مصادر جديدة مكملة لما عند البشرية من غلات غذائية.  

في مطبخمها كان الطباخان يعدان وجبات مكوناتها بالأساس"؛ دهن حشرات برية وجراد في مرحلة نموه الثالثة، أي قبل ظهور أجنحتها. النتيجة النهائية لها كما قدماها بأسلوبهما كمحترفين، وجبة طيبة. اعترفا بعدها بأنهم يحذرون الزبون قبل أكلها لأن خاماتها مازالت غير مرخصة رسمياً، لكنهم جربوها بأنفسهم أثناء رحلاتهم حول العالم بحثاً عن مصادر جديدة تعزز ما هو موجود في المطبخ الغربي. تجريبهما قادهما للعمل على مشروع متكامل تشرف عليه منظمة (نورد فود لاب) الدنماركية المستقلة والمختصة بالتنوع الثقافي الغذائي، يتعاون معها خبراء تغذية على رأسهم الهولندي، الطبيب النفساني "بول" أو كما يسمى في حقل التجارب الغذائية "العراب القبيح" لعدم تردده في تذوق أغرب الحشرات والديدان وإبداء الرأي بطعمها نيئاً وبمذاقها بعد الطهي.

فريق الفيلم يعرض بعض من الحشرات التي تستخدم في المأكولات، بما في ذلك الديدان البيضاء، في الدنمارك

الطباخان "بِن ريده" و"روبرتو فلور" أعدا تطبيقياً وجبات طعام لرحلات طيران تجارية، محتوياتها كما قُدمت بكاميرا متحركة سريعة ومقربة عدستها أغلب الوقت إلى قلب الصحن توحي للمشاهد بلذة ما طبخوه، لكن الشعور بالنفور لا يزول بسهولة رغم كل جمالية مشاهد إعدادها، وهذا ما أدركاه جيداً، لأنهما وبعد دراسة ميدانية في بقاع كثيرة من العالم توصلا إلى حقيقة؛ أن الإقبال على أي نوع من الطعام يعتمد أساساً على الاستعداد النفسي وقوة الموروث الثقافي، فما هو مقبول عند شعب مكروه عند آخر، فكان لهذا عليهما الانتباه لربط فكرتهما بحاجة البشرية الملحة لتغيير عادتها من خلال فهمها المعطيات والتحديات التي أوجزتها منظمة الزراعة والتغذية العالمية "فاو" بتحذير من زيادة متوقعة في عدد نفوس العالم واحتمال بلوغ عددهم عام 2050 أكثر من تسعة مليارات، زيادتهم تتطلب رفع إنتاج الغذاء بما يعادل 70% من حجم ما هو متوفر اليوم، وأن "الديدان" ستصبح مصدراً غذائياً في المستقبل!. ليس مفتتحاً كل ما عرض في العشر دقائق الأولى منه بل متناً حكائياً مباشراً استمر به صانع الوثائقي ومضى في رحلته نحو العالم لاستكشاف ثقافات غذائية مجهولة بالنسبة لأجزاء كبيرة منه.

في أستراليا وغيرها من المناطق كان الطباخان والباحث العلمي في قلب المشهد دائماً، يعبرون عن أفكارهم ومشاعرهم ويسجلون انطباعاتهم بعد كل تجربة يخوضونها، ومن هنا جاء جانبه الذاتي المهم، فيما كانت بقية العناصر تُكمل المشهد العام وتلونه بلون القارات التي كانت الكاميرا تحل عليها ضيفاً. فالوثائقي الدنماركي ليس سجالياً بالمعنى المتعارف عليه بل تنويرياً، ليناً في ظاهرة مع خطورة ما يكمن في متنه، لا يخلو من ميل نحو "أنثروبولوجية" ناعمة، تحيل تقبلنا الطعام أو رفضه إلى الحاجة والسلوك الغذائي النابع منها. فسكان أستراليا الأصليون وحتى اللحظة يأكلون الديدان المستوطنة جذور نوع خاص من الأشجار. حين جربوها بمساعدة امرأة مسنة حفرت بنفسها تحت جذورها واستخرجت ديداناً كبيرة الحجم نسبياً منها، اندهشوا لحلاوة طعمها ووصفوه بأنه بين؛ طعم الجوز وخليط الصويا والعسل والفلفل الحار. لطهيها اعتاد الأستراليون طمرها بين رماد النار، حتى لا تجف وتفقد طعمها. ما شاهدوه في تلك البلاد عزز قناعتهم بوجود أطعمة طبيعية غير التي نعرفها كالأسماك واللحوم، ربما هي أطيب منها وأنفع، فقط لو تجرأ المرء وتذوقها كما يتذوقها أهل تلك البلاد.

الطباخ "بِن ريده" مع يرقات سوسة النخيل، في منطقة الأمازون في بيرو

في كلية العلوم والتكنولوجيا الكينية واجه الوثائقي منطقاً قوياً وفهماً لسر اهتمام الغرب اليوم بالطعام الأفريقي، وكيف لعبت سياسته الغذائية في إبعاد الناس عنه، من خلال إغراق أسواقها لعقود بالأطعمة الجاهزة والمواد الخام المستوردة. بعد جولات في أسواقها، حيث باعة الحشرات والديدان الجافة يعرضون بضاعتهم، جرى حوار عميق  حول "كذبة" التنويع الغذائي التي أشاعها الغرب في القارة وكان الهدف الأخير منها إخضاع الحقل الزراعي وجعله معتمداً على البذور المحسنة الرخصية التي ستكبل الفلاح ًوتجبره على شرائها بكل ما فيها من أضرار للبيئة والانسان، أما الحشرات فظلت بالنسبة للكثير من الكينيين دواءً، توصلوا إلى خلطاته عبر الزمن واكتشفوا توفر لحومها على عنصر "الزنك"، المساعد كثيراً في تجنب الإصابة بأمراض الإسهال الحادة وبسببها يموت آلاف من الأطفال سنويا، فيما ظلت مصدراً رخيصاً بل مجانياً للـ"بروتين". تلك الكلمة السحرية التي تمكنت بها شركات صناعة الأغذية من قلب التوازن الغذائي لصالحها. فكلما استثمروا مادة أو محصولاً جديداً أشاعوا عنه توفره على كمية كبيرة من البروتين، وحين يقبل الناس عليها يصبح الأمر بالنسبة إليهم مكسباً.

الخوف من استغلال نتائج البحث لصالح الشركات التجارية أخذ جزءا لا بأس به من زمن الوثائقي (76 دقيقة)، ودفعه للعودة إلى أدارجه للتحقق من ذلك الاحتمال البشع. في هولندا زار شركة صغيرة تقوم بتكثير الحشرات وبشكل خاص الجراد وبيعه بأسعار غالية. كم المباع منه يشجعهم للمضي في عملية التكثير أما مذاقه وبعد تجربته على يد الطباخين فلا يمكن مقارنته بالأصلي. غلب عليه طعم الطين، ومع هذا فأرباحه كثيرة زادت من مخاوف تحويل صناعتهم إلى تجارة لا تحرص على البشرية ولا توفر البروتين الرخيص لها.

للكشف عن الجانب الربحي أعلن "العراب" الهولندي مفاجأة؛ مفادها وصول شركات المشروبات الغازية العملاقة من بينها "كوكا كولا" مبكراً إلى الديدان واستغلال مذاقها الطيب في صناعة بعض مشروباتهم وذلك بإضافة نسبة عشرة بالمائة من طحينها إلى المنتج. إذن فقد وصلت الشركات الرأسمالية الكبيرة قبل الطباخين إلى الحشرات واستخدمتها سراً؟!. من مشاركاتهم في مؤتمرات كُرست لبحث مستقبل الغذاء العالمي تأكد لهم دور الشركات العملاقة في تحويل وجهتها نحو ترسيخ فكرة "البديل" عما هو موجود في الأرض من لحوم حيوانية، بعد أن أفسدوها صناعياً وجففت سفنهم أسماك المحيطات والبحار جشعاً، ما سيخلق دائرة إنتاج جديدة تنتهي لصالح الرأسمالي وعلى حساب الفقراء في الأرض كالعادة.

مخرج الفيلم، الدنماركي "أندرياس يوهنسن"

يذهب الوثائقي للتأكد من أخبار تسربت عن إنتاج شركة "نستلة" لأطعمة مادتها الخام الحشرات المأخوذة من أفريقيا ليتم فيما بعد تصنيعها وتصديرها لبقية العالم. تأكدا من صحة المعلومة أثناء زيارتهم لأوغندا وتأكدا من أن النوع "الأحلى" للنمل قد استحوذت عليه الشركة، أما المكلفين بجَنْيِه وجمعه فلا يحصلون إلا على القليل جداً. قررا بعد صدمتهما الأفريقية الذهاب إلى المكسيك فهناك مشروع مقارب لمشروعهم يعمل المشرفون عليه على تشجيع الناس وبخاصة الفقراء على أكل نوع من النمل كان في الماضي من المصادر الأساسية لغذاء سكانها الأوائل. العجيب في الأمر أن شركات بيع اللحوم الكبرى لا تكتفي هناك بمحاربة المشروع بل تكلف عصابات لسرقة النمل المفيد لتحرم بالتالي الفقراء من مصدر تزويدهم بالـ"بروتين" مجاناً.

يعتني الوثائقي كثيراً بموضوع البدائل وخذلان منطقها ويدعو من خلال زيارته إلى عديد البلدان؛ منها اليابان، التي طورت بدورها مشاريع "تكبير وتسمين" الزنابير لا تكثيرها صناعياً، واستخدامها كخامات طبيعية، مقتدين بفكرة "السوشي". فقبل عقود قليلة كانت فكرة أكل السمك نيئاً غير مقبولة في العالم وبخاصة في أوروبا أما اليوم فيُعد من بين أشهر الأكلات والإقبال عليه متزايد. المؤسف وبسبب خوفه من استثمار مشروعهم الإنساني المدفوع برغبات "مطبخية" بحتة، إلى مصدر ينتفع منه أصحاب شركات إنتاج المواد الغذائية العملاقة انسحب الأسكتلندي "جون إفانز" منه، فيما واصل زميله "بِن ريد" العمل فيه وقاده إلى تقديم بحث دكتواره، ليتمكن عبرها من عرض أفكاره وتثبيت مخاوفه من التوجه الغذائي الجديد وتأكيده وجود تناقض بين مواقف منظمة "فاو" العالمية وبين منظمة برنامج الغذاء العالمي "دبليو أف بي" بخصوص ما متوفر من غلات نباتية وحيوانية، تعتقد الأخيرة أنها تكفي لاشباع أكثر من 12 مليار إنسان وبالتالي ففكرة البديل المُروج لها لا تصب في صالح الكوكب بل ستزيد معاناته. إذن إلى أين تسير الأمور؟ سؤال تفرضه مشاهدة وثائقي متميز في كل جوانبه: الصورة والتعليق. العمق والتحليل والذهاب بجرأة إلى عوالم مستقبلية غير مرئية للجميع وبذلك يكون توعوياً، طليعياً، الطعام وطريقة إعداده أضفى عليه لمسة رفاهية، بالرغم من أن خاماتها الأولية قد تكون مقرفة للبعض فليس جميع الناس يحبون أكل الديدان والحشرات!.

 

 

قد ينال إعجابكم

متابعات

سهم في وجه العرب

كل عمل فني غربي لتنميط العرب يؤكد أنّ الكتّاب مهما كانوا بارعين في الفن فإنّهم فقراء في الفكر، لكن اللوم الأكبر يقع...