نقد سينمائي

أمريكا: بين العنصرية والتحول الجنسي!

أمير العمري

يتناول فيلم "strong island" قضية التمييز العنصري في الولايات المتحدة.

مرة أخرى يأتي فيلم وثائقي جديد عن التمييز العنصري في الولايات المتحدة وما يمكن أن ينتج عنه من أخطاء وجرائم تؤدي إلى مآس تستقر طويلا في العقول والقلوب. 

الفيلم يحمل عنوان "جزيرة قوية (2017) Strong Island"، ومخرجه الأفرو- أمريكي يانسي فورد، يقف هنا وراء الكاميرا وأمامها للمرة الأولى، أما الفيلم فينتقل من الشخصي إلى العام، ومن العام إلى الخاص، يستعيد من الذاكرة، ليس بغرض العودة المنتشية إلى الماضي، بل للبحث فيما وقع من قبل، وترك تأثيراً مدمراً على من تبقى من أفراد أسرة فورد، أي أسرة المخرج نفسه.

ولكن ما العلاقة المباشرة التي تربط بين مخرج الفيلم وموضوعه؟

يانسي فورد هو الشقيق الأصغر لوليم فورد الذي قتل بطريقة عبثية تماما عام 1992. وقد قضى يانسي الذي كان وقت الحادثة التراجيدية "فتاة" قبل أن يجري عملية تحول جنسي ويصبح ذكرا، عشر سنوات في إعداد مادة فيلمه الذي يتكون أساساً من مختارات هائلة من الصور الفوتوغرافية التي تروي بشكل نادر تاريخ العائلة، كيف وأين التقى والدا يانسي ووليم وتعرفا قبل أن يتزوجا، ثم كيف نشأ الأطفال الثلاثة الذين أنجبوهما نشأة جيدة بعيدة تماما عن العبث والعنف، وهم إضافة إلى كل من وليم (الذي لقي حتفه في الحادثة المشؤومة) ويانسي- المخرج- الذي يروي بصوته قصة فيلمه كما يظهر بصورته أيضا أمام الكاميرا مباشرة في لقطات كثيرة، ولورين شقيقتهما.

وإضافة إلى الصور الفوتوغرافية المرتبة ترتيباً فنياً، يتضمن الفيلم مقابلات عديدة مقطعة على مدار الفيلم تظهر فيها الشخصيات المختلفة التي يتحدث إليها المخرج في لقطات قريبة، يواجهون الكاميرا مباشرة في اقتباس واضح لأسلوب المخرج الوثائقي الشهير "إيرول موريس". ولدينا هنا خمس شخصيات لعبت دوراً أساسياً في القصة، أولها الأم باربره التي تروي عن حياتها وحياة أسرتها، وكيف أنها وزوجها فرا من الجنوب العنصري، من ولاية جنوب كارولينا، إلى حي بروكلين في نيويورك أولا ثم انتقلت إلى "لونج ايلاند" (أي الجزيرة الطويلة) الواقعة في جنوب شرقي نيويورك.

مخرج فيلم " strong island " وأحد أبطال الفيلم.

وقد يكون عنوان الفيلم (سترونج أيلاند أو الجزيرة القوية) تنويعة ساخرة على هذا الاسم. وتروي الأم كيف أنها لم تكن سعيدة على الإطلاق بالعيش في هذه الجزيرة، فقد كان كل من حولها من البيض، وسرعان ما انعزلت مع زوجها في ضاحية مخصصة للسود لتجنب المضايقات العديدة التي كانت تتعرض لها يومياً.

باربره تتمتع بقوة الشخصية والذكاء والذاكرة المدهشة والحضور الطاغي، فقد كانت لسنوات عديدة تعمل كمعلمة قامت بتعليم السجينات من السود الأفارقة، ونجحت فيما بعد في الحاق ابنها "وليم" بالتدريس أيضاً لكنه كان يتطلع للعمل كضابط في شرطة السجون، وسنعرف قرب نهاية الفيلم الذي يستغرق 107 دقائق، أنه نجح في اجتياز اختبارات القبول بعد أن بذل جهداً كبيراً في إنقاص وزنه وكان يسجل أفكاره وما يحققه من تقدم في دفتر يومياته، لكن سوء حظ وليم- وكان في الرابعة والعشرين من عمره- قاده في السابع من أبريل 1992 خلال قيادة سيارته مع شقيقته لورين وصديقها وصديقتها للاصطدام بشاحنة صغيرة كان يقودها شاب (أبيض) في التاسعة عشرة من عمره يدعى مارك ريلي كان هو المخطئ، ولذلك فقد تعهد بإصلاح السيارة على نفقته، خاصة وأنه يعمل في جراج للسيارات.

سيكتشف وليم بعد بمرور الوقت أن الجراج الذي يعمل فيه ريلي يمارس أعمالاً غير قانونية، فصاحبه خصصه لتفكيك السيارات المسروقة وبيع أجزائها كقطع غيار، وكان يدفع لبعض الصبية لكي يسرقوا السيارات ويجلبوها إليه. وكانت لصاحب هذا المكان الغريب الذي نراه مرات عدة في الفيلم من الخارج ومن الداخل (بعد أن تمت تصفيته) مشاكل عديدة مع الشرطة. وبعد مرور فترة طويلة دون إصلاح السيارة بدأ وليم يعبر عن غضبه في أكثر من مواجهة مع ريلي وصاحب الجراج. وفي إحدى تلك المواجهات، ولم يكن وليم مسلحا ولم يعتد أو يلجأ إلى العنف بأي وسيلة من الوسائل، أطلق ريلي النار عليه داخل الجراج فأرداه قتيلاً.

تروي باربره كيف استقبلت الخبر المأساوي، وكيف تعاملت مع الشرطة بل وكيف أدركت على الفور ومن طريقة تعامل الشرطة معها ومع زوجها (الذي فارق الحياة ولم يظهر في الفيلم سوى من خلال بضع صور) أن الشرطة لن تتعامل مع القضية كما يتوقع. وهي تقول في أحد المشاهد: إنهم لم يتعاملوا معنا كوالدين لضحية جريمة قتل.. بل بطريقة آلية باردة، وأخبرونا أنهم سيتحرون الأمر وأن علينا أن ننصرف الآن.."!

عائلة "وليم" ضحية التمييزالعنصري والذي قتله أحد الأمريكين البيض وتجاهلت الشرطة الأمر .

من الشخصيات الأخرى التي تظهر في الفيلم كيفن صديق وليم الذي كان يرافقه في تلك الليلة لكنه لم يدخل معه إلى الجراج، وهو يروي كيف أنه سمع صوت وليم في الداخل وهو يتساءل عن السيارة، وكان قد شاهده من قبل في مواجهة سابقة، يجذب باب سيارة من السيارات المفككة لكنه أسقطه كما رفع آلة تنظيف ملوحاً بها ثم تركها. أما في ليلة الحادث فلم يقع أي استفزاز مباشر ولذلك لم يصدق حينما سمع صوت طلقة ودخل ليجد صديقه يترنح ولم يستطع أن يسنده بسبب ضخامة بنيانه، فسقط على الأرض.  سنعرف من خلال رواية الأم وما يقوله ضابط التحقيقات الذي تولى التحقيق في الجريمة، أن لجنة المحلفين المكونة من 23 شخصاً، رأت أن إطلاق النار جاء دفاعاً عن النفس. وتقول الأم أن اللجنة كانت بكاملها مكونة من البيض الأمريكيين ولم يكن فيها عنصر واحد ملون. وتضيف أنها أدركت من نظراتهم إليها التي كانت تحمل نوعا من الازدراء باعتبارها من "بيئة مختلفة" أن دم ابنها سيذهب هباء. وبعدما أبلغها الضابط الذي حضر إلى منزلها فيما بعد بالحكم انهارت. كما تتحدث الأم عن المضايقات العديدة التي تعرضت لها خلال نظر القضية، ويقول يانسي إنه اضطر لنزع أسلاك التليفون لوقف سيل مكالمات التهديد الغامضة التي كانوا يتلقونها في منتصف الليل.

يبدأ الفيلم بداية قوية بمشهد للمخرج نفسه يانسي فورد، وهو يتصل هاتفيأً بمساعدة المدعي العام في الولاية التي حققت في القضية، يطلب منها معرفة رأيها فيما توصل إليه المحلفون وأن تسلط الاضواء على القضية، لكن القاضية ترفض الإدلاء بأي تعليق أو توضيح أو شرح سواء من خلال الهاتف أو أمام الكاميرا وتغلق الهاتف.

من الشخصيات التي تظهر في الفيلم أيضاً  "لورين" شقيقة القتيل- والمخرج، التي تصف بالتفصيل تأثير الحادث على الأسرة، وكيف أن ما وقع ظل محفوراً في الذاكرة لمدة 25 عاماً، وأنها لم تستطع أن تتكيف مع المكان من بعدما وقع فغادرت.

يتذكر يانسي أن وليم اتصل به ذات مرة (أو بها في تلك الفترة قبل التحول الجنسي) وأخبره بأنه واجه الشاب المتعصب الذي يتلاعب به ويتهرب من إصلاح السيارة كما وعد، وأنه قام بتوبيخه بشدة وكيف أن يانسي هنأه وأثنى عليه وعلى تصرفه هذا. ولكن هذا الموقف تحديداً ظل يؤرق يانسي حتى يومنا هذا بعدما شعر بأنه ربما يكون السبب الذي دفع وليم إلى المواجهة التي انتهت بمقتله في حين لم يكن الموضوع بأكمله يستحق أن يفقد إنسان حياته.

تتكرر أحداث الاعتداءات العنصرية علي السود في الولايات المتحدة حتي اليوم وهو ما يحاول الفيلم تسليط الضوء عليه.

هناك جانب يظل غامضاً في الفيلم يتعلق بموضوع الاتجاه الجنسي لمخرجه. إنه يطرقه حيناً، ولكن على استحياء، مبدياً ندمه الشديد على أنه لم يطلع وليم وقتذاك على حقيقة مشاعره وما كان يؤرقه، أي على رغباته وتوجهاته الجنسية الحقيقية (قبل التحول الفعلي). ولكن فيما عدا ذلك يبتعد يانسي عن الموضوع فيصبح الفيلم مصاباً بالخلل عند هذه النقطة. من جهة أخرى يصطبغ الفيلم بطابع شخصي يرتبط برغبة "يانسي" في مواجهة الماضي، واستعادة كل تفاصيل الفترة والحادث من زوايا مختلفة، والعودة إلى الأماكن التي وقعت فيها حادث السيارة أولاً، ثم الجراج الذي شهد جريمة القتل، والاستعانة بالصور والتقارير الصحفية من  هذه الفترة. وقد يكون الهدف من هذه الاستعادة بل والظهور أمام الكاميرا في لقطات طويلة مباشرة تصل أحيانا إلى درجة الانهيار في البكاء أمام الكاميرا دون قطع، كلها عناصر تشي بالرغبة في أن يلعب الفيلم دوراً "علاجياً".. أي يساهم عبر مواجهة الذات والماضي، في وصول صانع الفيلم- وهو ليس محايداً أي لا ينتهج أسلوب التحقيق المحايد في الحادث- إلى نوع من التصالح مع النفس، والتخلي عن الشعور المعذب بالندم وبالذنب.

رغم كل هذه الإشارات الكامنة في نسيجه يبقى فيلم "جزيرة قوية"، عملاً جيداً، جديداً ومبتكراً، يضاف إلى سلسلة من الأفلام الوثائقية المعاصرة التي تكشف التناقضات الكامنة والتي لاتزال قائمة في المجتمع الأمريكي. ولا يجب أن ننسى أنه في نفس العام أي 1992 اندلعت أكبر اضطرابات عنصرية شهدتها الولايات المتحدة حتى ذلك التاريخ، وراح ضحيتها 55 شخصا من السود الأمريكيين بعد أن خرج الآلاف منهم للاحتجاج على تبرئة أربعة من ضباط الشرطة الذين اعتدوا في العام السابق (1991) - حتى الموت- على الشاب الأسود رودني كنج وسجلت الحادثة على شريط فيديو التقطه رجل كان يقيم في مبنى مواجه للمنطقة التي وقع فيها العتداء. وكان جميع أعضاء لجنة المحلفين التي حكمت بإطلاق سراح الضباط المتورطين، من البيض. ومازالت أحداث العنف العنصري تتوالى يوماً بعد يوم.

 

 

 

 

 

 

قد ينال إعجابكم