نقد سينمائي

أن أصبح ما كنته

أمير العمري

حصل الفيلم الوثائقي الكوري البديع "أن أصبح ما كنته" Becoming Who I was على جائزة أحسن فيلم وثائقي في مهرجانات برلين وموسكو وسياتل. وهي جوائز يستحقها هذا الفيلم الذي أخرجه مخرجان كوريان هما مون تشانغ يونغ، وجيون جن. إنه يروي قصة رحلة روحانية خلابة في جبال الهميلايا وجنوب شرق آسيا في الطريق من شمال الهند إلى التيبت.هذا فيلم طريق بامتياز، لكنه أساسًا يصور رحلة روحانية نحو العثور على الذات، على التوحد مع الروح الكامنة داخل طفل من أصول صينية ولد في منطقة "لاداك" في شمال الهند بالقرب من الحدود الصينية، لكنه يشعر بأنه ولد في المكان الخطأ، فهو يعتقد أنه "لاما" أي معلم مختار من معلمي البوذيين، أي أن روح الإله بوذا تتجسد فيه وتدفعه دفعًا لكي يقوم بدوره الحقيقي في الحياة كرجل دين مقدس، يجمع بين الإله والبشر. 

استغرق تصوير هذا الفيلم ثمانية أعوام، وهو يمر بأماكن عديدة خلال الرحلة الطويلة التي يقطعها طفل يتيم مع طبيب قريته العجوز الذي آمن بطبيعته المقدسة، فقرر أن يساعده ويصحبه من أجل الوصول إلى بلده الأصلي في هضبة التبت لكي يتولى مسؤولياته الروحانية.

الفكرة غريبة، والأكثر غرابة أن يتمكن المخرجان من التقاط الخيط الرفيع الأول من هذه القصة، ويتابعانها عبر ثماني سنوات، يكبر خلالها الطفل وينمو وعيه بما يدور حوله، لكنه لايزال يحتفظ ببرائته ونقائه وقدرته على المشاغبة واللهو الضحك ومعابثة رفيقه العجوز الذي ربما سيأتي وقت في النهاية، لن يستطيع أن يجاري الصبي في عبثه، والأهم لن يتمكن من استكمال الرحلة معه بسبب تقدمه في العمر.

الطفل "بادام أنغودا" يروي لنا بصوته قصته لكن القصة لا تسير في اتجاه واحد دائمًا ولا في زمن واحد، بل ينتقل الفيلم بين الأزمنة، وبين البشر والأماكن، فبعد أن يبدأ بطلنا الصغير في رواية قصته ونحن نراه وسط جبال الهميلايا التي تغطيها الثلوج في مشاهد ساحرة تخطف الأبصار، يعود الفيلم أربع سنوات إلى الوراء، إلى عام 2009 عندما كان "بادام" في الخامسة من عمره، وكيف أنه يخبر والده الروحي بأنه ولد وعاش في التبت في حياته الماضية، فيأخذه أبوه ويقوم بتعميده على الطريقة البوذية، حيث يتم إعداده لكي يصبح "رابينوش" أو "لاما" مقدسا تحل فيه روح الآلهة، لكنه في الوقت نفسه يتناول الكتب المدرسية ويهرع إلى المدرسة لتلقي العلوم الدنيوية الطبيعية التي يتلقاها الأطفال جميعًا، خاصة دروس اللغة الانجليزية.

بعد أن يتم تنصيبه في القرية الهندية- البوذية، يقام حفل للرقص والغناء وتولم الولائم ويستمتع الجميع بالطعام والشراب في مشاهد تفيض بالألوان الدافئة المتنوعة. ينتقل "بادام" من تلقي الدروس واللهو مع زملائه الصغار في المدرسة كأي تلميذ صغير برئ، لكي يتقمص دوره كزعيم روحي، فنشاهد كيف يأتي الناس يصطفون ويركعون أمامه وهو يباركهم. هنا تغلب اللقطات القريبة التي ترصد ملامح السعادة والتطهر والانغماس في الدور على وجه "بادام".

"بادام" يشرح كيف أنه يرى في أحلامه أنه ينتمي إلى دير بوذي يعتقد حسب إيمانه بنظرية تناسخ الأرواح، أنه ولد فيه هناك كـ"لاما"، ثم يتعلم النفخ في المزمار الخشبي لكي يتمكن من استدعاء الرهبان، لكن أحدًا لا يستجيب له، فهم لا يعترفون به كاهنًا بوذيًا، ويأخذه معلمه وربيبه إلى دير بوذي محلي لكن الكهنة يطردونه شر طردة، ونراه وهو يبكي بكاء طفل برئ حُرم من اللعب، فيقرر معلمه أن يأخذه ويرحل معه إلى التبت رغم مشقة الرحلة أولاً ثم الظروف والمعوقات السياسية التي كانت قائمة هناك في ذلك الوقت، حيث كانت الطائفة البوذية عرضة لاضطهاد السلطات الصينية.

قضى "بادام" عدة سنوات في انتظار أن يأتي أفراد أسلافه لكي يعترفوا به ويأخذونه معهم إلى التبت ولكن دون جدوى.من هذه اللحظة يصبح الفيلم الذي يقع في تسعين دقيقة، رحلة ممتعة وسط الطبيعة، من بلد إلى آخر، سيرًا على الأقدام معظم الوقت، يلتقي الاثنان: "بادام" ومعلمه وهو والده الروحي، الكثير من الناس الذين يقدمون يد المساعدة، سواء باستضافتهما أو بإرشادهما إلى الطريق الصحيح نحو التبت. يقفز الفيلم إلى الحاضر في 2015 بعدما أصبح "بادام" في الحادية عشرة من عمره. لقد عانى هذا الفتى كثيرًا لكي يوازن بين تعلم الدروس الدنيوية التي يتعلمها جميع الأطفال، وبين محاولته الشاقة الإلمام بالمراجع البوذية التي يتعلم منها الطقوس والعادات والقواعد الدينية. من المدهش كثيرًا أن نرى الفتى أمام الكاميرا، لا يبدي أدني شعور بالوجل أو التردد بل إنه يتعايش مع دوره "الحقيقي" دون أن يجعله وجود الكاميرا يتلعثم أو يتردد، فهو يعيش في عالمه، داخل حلمه الخاص الكبير.

يجعل مخرجا الفيلم من هذه المادة ملحمة بصرية هائلة، من خلال تلك العلاقة البديعة التي يخلقانها بين الإنسان والطبيعة، بين الصبي والعجوز، وبينهما وبين البشر من حولهما.. لدينا هنا قصة وان كانت لا تتفرع كثيرا- لكنها بقدر ما هي رحلة مادية في عالمنا هذا، تمر عبر بوابات وبلدات ومقاطعات مختلفة، تصل بنا إلى التبت في ظروف طقس شديدة التوحش، بقدر ما هي في الوقت نفسه، رحلة روحانية، نحو اليقين، ونحو التوحد مع الدور المقدر والمكتوب حسبما يعتقده "بادام" ويصر إصرارًا يقينيًا مدهشًا على الوصول إليه.

من أهم عناصر الفيلم إلى جانب التصوير المذهل في مواقع وعرة ومن زوايا صعبة، ووسط طبيعة شرسة خاصة في المشاهد التي تدور في فصل الشتاء، عنصر المونتاج الذي يكفل تعاقبًا سلسًا وانتقالاً رقيقًا بين المشاهد والمقاطع المختلفة التي يميزها مخرجا الفيلم بكتابة أسمائها على الشاشة. ولعل من أجمل ما يصوره الفيلم أيضًا ذلك التنوع الثقافي المثير الذي يمكن للمشاهد أن يلمحه خلال الرحلة، بينما تتغير اللغات والعادات والملابس والتقاليد والأديان، في منطقة من أقدم مناطق العالم، لا يبدو أنها قد تغيرت كثيرًا عما كانت عليه في الماضي السحيق. ولذلك ففيلمنا هذا بكل غرابته وموضوعه الفريد، هو أيضًا صورة مكثفة للروحانيات التي تسكن البشر في تلك المنطقة من العالم.

 

 

قد ينال إعجابكم

متابعات

"نتفليكس" تتصدر السباق

محمد موسى في طلة إعلامية نادرة، كشف الأمريكي “ريد هوستنغ “مؤسس موقع "نتفليكس" قبل أشهر أن اتجاه شركته لإنتاج المواد...