نقد سينمائي

"أوكلاهوما سيتي" العنف الأمريكي

أمير العمري

رغم مضي أكثر من 22 عاما على الأحداث التي يتناولها الفيلم الوثائقي الأمريكي "أوكلاهوما سيتي" Oklahoma City (2017)- إخراج باراك جودمان Goodman- إلا أن موضوعه يبدو شديد المعاصرة، فما يصوره الفيلم أو يوثق له، مازالت أصداؤه تتردد في الولايات المتحدة، وتتمثل في تصاعد العنصرية والعداء للأجانب وتنامي قوة جماعات "التفوق العنصري" و"النقاء الأبيض"، و"ميليشيات الدفاع عن القيم المسيحية البيضاء" بعد صعود الرئيس دونالد ترامب إلى الرئاسة بما يروج له من دعاوى ومزاعم موجهة لغير الأمريكيين، بما يهدد بتجدد موجات العنف العنصري.

هذا من ناحية "معاصرة" الفيلم، أما من الزاوية الفنية، فالفيلم يتضمن الكثير من الوثائق  البصرية والصوتية النادرة من داخل اجتماعات جماعات العنصرية والنازية الجديدة الأمريكية وتصريحات زعمائها وتظاهرات أعضائها، نشاهدها للمرة الأولى في السينما، كما يعيد مخرج الفيلم بناء الأحداث بطريقة درامية مشوقة، ويتيح الفرصة لمعرفة القصة من جميع جوانبها، من خلال شهادات كثير من رجال المباحث الفيدرالية والشرطة، والمؤلفين والصحفيين، وشهود العيان وآباء وأقارب الضحايا.

نحن نتابع التفاصيل من بدايتها من خلال ما يرويه هؤلاء، مدعومة بالصور واللقطات، من الأرشيف ومما عرض على شاشة التليفزيون، من الصور الفوتوغرافية الثابتة، ومن قصاصات الصحف وما نشرته عن الموضوع، ومن صفحات الكتب التي تركت أثرها على بطل قصتنا هذه ثم ما وضعه من رسوم تخطيطية بالقلم في سياق تخطيطه لارتكاب جريمته، ومن اللقطات التي صورها رجال المباحث الفيدرالية، وغير ذلك.

قتل في التفجير 168 شخصا بينهم 19 طفلا، و98 موظفا من موظفي الحكومة الاتحادية

الانفجار

في 19 أبريل عام 1995 وفي الدقيقة الثانية بعد التاسعة صباحا وقع انفجار هائل دمر مجمعا فيدراليا يضم الكثير من الخدمات، في مدينة أوكلاهوما. وقد قتل في التفجير 168 شخصا بينهم 19 طفلا، و98 موظفا من موظفي الحكومة الاتحادية، وأصيب عدد كبير بجروح وحروق. وقد اعتبر هذا التفجير أكبر حادث إرهابي يقع على الأراضي الأمريكية قبل أحداث 11 سبتمبر 2001، واعتبر وقتها تحديا كبيرا أمام رجال الشرطة والمباحث والمخابرات الأمريكية، واقتضى الأمر بحثا مكثفا في عموم الولايات المتحدة للكشف عمن يقف وراء التفجير.

على الرغم من معرفة المشاهدين بالحادث، ورغم أن الفيلم يبدأ في لقطاته الأولى بهذا الحدث الذي مثل صدمة كبيرة للرأي العام الأمريكي، إلا أن مخرج الفيلم، وهو متمرس في إخراج الأفلام الوثائقية، ينجح من خلال شكل السرد والبناء الذي اختاره، في جذب انتباه المشاهدين وإثارة شوقهم لمتابعة تطور الأحداث. إنه يقسم فيلمه إلى ثلاثة أقسام، يطلق على كل منها اسما محددا هي: الشرارة، اللهيب، والجحيم، ولا يعرض لموضوع الفيلم على نحو مجرد أو منفصل كحدث خارق في التاريخ، بل يربطه على نحو جيد وموثق وموضوعي ومقنع، بنمو حركات النازيين ودعاة التفوق العنصري في الولايات المتحدة، ويبحث في الأيديولوجية التي تكمن وراء العنف ولاشك أنها كانت الدافع الحقيقي وراء تفجير أوكلاهوما.

اعتبر هذا التفجير أكبر حادث إرهابي يقع على الأراضي الأمريكية قبل أحداث 11 سبتمبر 2001

البدايات

يتوقف الفيلم أولا أمام جماعة "الأمة الآرية" Aryan Nation ومؤسسها ريتشارد باتلر وخطاباته في أعضاء الجماعة، ودعوته إلى ضرورة التسلح، وتحريضه العلني ضد الحكومة الأمريكية التي يتهمها بالتقاعس عن عمل شئ لوقف "انقراض الجنس الأمريكي الأبيض" أمام زحف الأجناس الأخرى، ثم ينتقل إلى رواية "يوميات تيرنر" (1978) وهو كتاب مزين بالرسوم، من تأليف وليم بيرس مؤسس "التحالف الوطني" إحدى الجماعات اليمينية الراديكالية. وفي رواية بيرس يدعو لانتهاج العنف ضد الحكومة، كما كان يرسم ويوضح ويشرح عملية تفجير مبنى فيدارالي كبير في واشنطن. يعلق أحد رجال المباحث الفيدرالية في الفيلم على ما جاء في تلك الرواية، بالقول إن هذا بالضبط ما حدث، ولكن بدلا من وقوع التفجير في واشنطن وقع بالضبط وعلى نحو ما رسمه المؤلف، في أوكلاهوما.

أعضاء عصبة "النظام" The Order اليمينية العنصرية التي تعادي الملونين واليهود، دعوا إلى التسلح، وقاموا كما نرى من خلال ما نشرته الصحف ومانشاهده من لقطات، بنسف معابد يهودية، كما شنوا عمليات لسرقة البنوك، وسرقوا ملايين الدولارات من شاحنة لنقل الأموال، والأخطر من هذا أنهم شكلوا فريق اغتيالات لترويع خصومهم ومنهم مذيع تليفزيوني (يهودي) كان يسخر منهم، قتلوه في عرض الطريق وهو يعتزم ركوب سيارته.

بعد هذه الخلفية العامة التي تقدم صورة تفصيلية من الداخل لجماعات العنف اليمينية العنصرية، يتوقف الفيلم أمام حادثة "راندي ويفر" (1992) الذي كان وزوجته من المتشددين من أتباع جماعة "الأمة الآرية" المسيحية المؤمنة بالنقاء العرقي، وبأن نهاية العالم قد اقتربت، وقد استطاع شراء وتهريب الكثير من الأسلحة لصالح هذه الجماعة. وبعد أن ضيق رجال الشرطة الخناق من حوله، انتقل مع زوجته وأبنائه إلى بلدة نائية تقع على بعد 60 ميلا من الحدود الكندية هي "روبي ريدج" بولاية إيداهو. وصدر أمر للمباحث الفيدرالية بالقبض عليه لكنه رفض وتحصن مع شقيقه وأحد أتباعه وزوجته وأبنائه داخل منزله، وبعد 11 يوما من الحصار نشبت اشتباكات بين الطرفين قتلت خلالها زوجته وإحدى بناته ثم استسلم للشرطة.

هذه الحادثة التي نراها بالتفصيل في هذا الفيلم: المنزل، الحصار، اللقطات الليلية لتحركات زميل راندي وولده، بداية إطلاق النار.. الخ، اعتبرت من جانب أعضاء الجماعات اليمينية العنصرية اعتداء آثما من جانب الشرطة الفيدرالية على الأمريكيين البيض، وصورت باعتبارها قتلا متعمدا كان يمكن تفاديه، خاصة وأن راندي كان قد عرض التوصل لتسوية لكن القاضي رفضها، وأن الرصاصة التي قتلت زوجته أطلقت دون وجود خطر حقيقي. نشاهد مظاهرات الجماعات العنصرية، وكان وسطها هناك من يراقب ويتابع جيدا ويشحن نفسه بالغضب ويتعهد بالانتقام.

يعود الفيلم إلى ما أعقب انفجار أوكلاهوما حيث نرى طبيبا يروي كيف اضطر إلى بتر ساق فتاة لم يتمكن رجال الانقاذ من انتشالها من تحت الأنقاض وكانت تنزف، وكيف أجرى العملية داخل الموقع مع كل الانهيارات المرتقبة حتى أمكن سحب الفتاة وإنقاذ حياتها. وقد حصل المخرج على لقطات تفصيلية لهذه العملية وما أعقبها.

بعد تفجير أوكلاهوما كانت هناك قنوات تليفزيونية وتقارير صحفية عديدة تنقل تكهنات باحتمال أن يكون وراء عملية التفجير "إرهاب قادم من الشرق الأوسط". وهو احتمال لم تستبعده حينئذ المباحث الفيدرالية. لكن سرعان ما سيتبين الخيط الأصلي.

يبحث الفيلم في الأيديولوجية التي تكمن وراء العنف وكانت الدافع الحقيقي وراء تفجير أوكلاهوما

اللهيب

في القسم الثاني من الفيلم: "اللهيب"، يتوقف المخرج أمام الحادث الثاني الشهير الذي سيلهب مشاعر الشخص الذي سيخطط وينفذ تفجير أوكلاهوما، والمقصود الانفجار الانتحاري الذي وقع عام 1993 في مجمع واكو بولاية تكساس. كانت أيضا هناك جماعة يمينية مسيحية متطرفة تحلقت حول شاب يدعى ديفيد كوريش داخل مجمع معزول من المباني، وتسلحت وقاومت القبض على أفرادها فحوصرت من قبل المباحث الفيدرالية لأكثر من خمسين يوما، جرت خلالها كما نرى، محاولة اقتحام فشلت وخلفت خمسة قتلى من بين رجال الشرطة، وتمت المحاولة الثانية والأخيرة ولكن لم يستسلم "الديفيديون" الذين ينتمون إلى طائفة مسيحية حديثة متشددة، كانت تضم البيض والسود فلم تكن عنصرية لكنها كانت تؤمن بالعنف في مواجهة الدولة وكانت مدججة بالسلاح، وقد خرج منهم من خرج، وظل في الداخل عدد يربو على الثمانين شخصا مع زعيم الطائفة ديفيد كوريش، أشعلوا النار وفجروا المبنى وماتوا جميعا مع زعيمهم.

بطل القصة

كانت أقوال كثيرة ترددت حول قيام رجال الشرطة باشعال الحريق عمدا في المبنى والتسبب في قتل الكثير من الأبرياء، لكن الصورة التي نراها بوضوح في الفيلم تبين أن جرافات ودبابات الشرطة عجزت عن اختراق المبنى وتراجعت بعد أن استمع رجال الشرطة من خلال ميكروفونات سرية إلى ما يدور داخل المبنى، ومنها أوامر صدرت عن ديفيد كوريش بنشر مادة سريعة الاشتعال واشعال النار في المبنى كله وهو ما حدث وانتهى إلى ما أصبح معروفا. لكن كان هناك أيضا خارج الحصار ضمن جماعات التطرف المسيحي والعنصرية اليمنية، شاب يدعى "تيموثي ماكفي"، كان منذ طفولته كما نرى، مغرما بالأسلحة، وقد تطوع في الجيش ومارس القتل في العراق كقناص لكنه لم يشعر بالانسجام مع السياسة الأمريكية فعاد لكي يوجه غضبه إلى الحكومة ويسعى إلى إشعال ثورة "بيضاء" عنيفة داخل البلاد، وهذا هو المخطط والمنفذ الحقيقي لعملية تفجير المبنى الفيدرالي في أوكلاهوما (بمساعدة اثنين من زملائه السابقين في الجيش).

يصور الفيلم على خلفية الاعترافات التفصيلية من طرف ماكفي بصوته، تداعيات الأحداث: كيف تأثر كثيرا بما وقع في "روبي ريدج"، وكيف كان يخشى أن يؤدي التعديل القانوني الذي أدخله الرئيس كلينتون على حمل الأسحلة اليدوية من مصادرة لحق حمل السلاح في أمريكا، ثم كيف كان يلتقي بالعنصريين والنازيين وكيف أصبح على قناعة بأن العدو الأساسي هو رجال المباحث الفيدرالية (إف بي أي) وكان يعرف أن العملية ستؤدي إلى مقتل الكثير من الأشخاص بما في ذلك الأطفال لكنه لم يكترث.

ويتابع الفيلم كيف ظل ماكفي ورفيقاه يسعيان لأشهر من أجل الحصول على كميات كبيرة من المواد الكيميائية التي تستخدم كسماد زراعي، وتدبير كميات كبيرة من المسامير والمواد الصلبة، ودراسة عمل قنبلة ضخمة، ثم تأجير شاحنة وقيادتها وتفجيرها، ثم الخطأ الذي ارتكبه فيما بعد عندما وقع باسمه الحقيقي في سجلات فندق صغير قضى فيه ليلته بعد التفجير، وكيف تمكن رجال الشرطة بعد ذلك من القبض عليه وعلى رفيقيه، إلى أن تم إعدامه عام 2001.

Timothy McVeigh تيموثي ماكفي تطوع في الجيش ومارس القتل في العراق كقناص لكنه لم يشعر بالانسجام مع السياسة الأمريكية فعاد لكي يوجه غضبه إلى الحكومة ويسعى إلى إشعال ثورة "بيضاء" عنيفة داخل البلاد.

يربط الفيلم على نحو جيد ومن خلال مونتاج جدلي، بين الحادث ومنفذه، ويصور ببراعة المناخ الذي أحاط بالعملية، كما ينتقل طوال الوقت، إلى ضحايا الحادث وأقاربهم الذين يتحدثون أمام الكاميرا عن تجاربهم المأساوية ومنهم سيدة سوداء فقدت ابنتها وكانت شاهدة في المحكمة ضد ماكفي لكنها تؤكد أنها لم تكن مدفوعة في شهادتها بالحقد أو الكراهية، بل أرادت فقط ألا يتكرر مثل هذا الحاث البشع. ويروي رجل وزوجته كيف أصيبت ابنتهما بجروح خطيرة ولم تكن أمامها فرصة كبيرة للنجاة لكنها نجت، ولعل الفضل في تصوير تلك القصص الإنسانية ودمجها في الفيلم، يعود إلى فريق البحث الذي تمكن من العثور على لقطات من زمن الحادث، للأب والأم والطفلة بعد الحادث وداخل المستشفى.

ورغم أن ماكفي لم يكن عضوا في تنظيم ما، أي لم يكن ينفذ خطة وضعتها إحدى الجماعات العنصرية المتطرفة، إلا أن الفيلم يؤكد من خلال ما نشاهده عبر أجزائه المختلفة ومن أسلوب مخرجه في السرد، أن ماكفي كان مدفوعا بالأيديولوجية العنصرية ودعاوى العنف، وأنه كان قريبا من تلك الجماعات وتأثر بأفكارها، ولم يكن بالتالي قاتلا سيكوباتيا فرديا بل كان ابنا شرعيا لفكر هذه الجماعات.

قد ينال إعجابكم

متابعات

المخرج الخفيّ

في كل كارثة إنسانيّة، ما عليهم إلا أخذ تصريحات المسئولين قولًا واحدًا وفردها بنشابة مناسبة لتصير فيلمًا وطنيًّا يلعب...