نقد سينمائي

إيران: "لاتاريخ..لاتوقيع"

أمير العمري

حصل فيلم " لاتاريخ.. لا توقيع" على جائزة أفضل مخرج وأفضل ممثل في مسابقة "آفاق"، بعد عرضه مؤخراً في مهرجان روتردام السينمائي .

على درب أفلام الموجة الجديدة في السينما الإيرانية، أي تحديداً- التيار الذي يمكن أن نطلق عليه سينما "ما بعد كياروستامي" الذي يمثله  المخرج أصغر فرهادي (صاحب "انفصال"، و"الماضي"، و"البائع") يأتي فيلم جديد من إيران، حقق أصداء إيجابية عند عرضه في مهرجان فينيسيا السينمائي حيث حصل على جائزة أفضل مخرج وأفضل ممثل في مسابقة "آفاق"، بعد عرضه مؤخراً في مهرجان روتردام السينمائي (24 يناير- 4 فبراير).

الفيلم هو "لا تاريخ.. لا توقيع" No Date, No Signature للمخرج وحيد جليلفاند  Vahid Jalilvand وهذا هو فيلمه الثاني بعد "الأربعاء، 9 مايو" (2015). من ناحية الأسلوب يتراوح الفيلم ما بين الدراما الاجتماعية والدراما النفسية، وهو يكشف من خلال حبكته عن الخلل القائم في العلاقات الطبقية، وكذلك عن فكرة الخطيئة والشعور بالذنب والرغبة في "التكفير" المتأصلة في الفكر الديني في إيران. لدينا أولاً الخلفية الطبقية القوية التي تلقي بظلالها على العلاقة بين شخصيات الفيلم الرئيسية وهي أربع شخصيات تحديداً: هناك أولاً أخصائي الطب الشرعي "الدكتور ناريمان" الذي ينتمي إلى الطبقة الوسطى، ويتمتع بمستوى جيد من العيش مع زوجته "سايه" وهي أيضاً طبيبة في مجاله، تشاركه العمل في نفس المستشفى الحكومي الرسمية. وهناك من جهة أخرى رجل فقير يعاني شظف العيش هو "موسى" وزوجته "ليلى". يحدث التقاطع بين هاتين العائلتين المتناقضتين، ذات ليلة قاتمة من ليالي الشتاء في طهران.

الفيلم من إخراج وحيد جليلفاند Vahid Jalilvand وهذا هو فيلمه الثاني بعد "الأربعاء، 9 مايو" (2015).

يقود الدكتور ناريمان وحده سيارته أثناء عودته من المستشفى إلى منزله ليلاً. يحاول أن يتفادى سيارة تتجاوزه من الجهة الأخرى على الطريق. انحرافه قليلا لتفادي الاصطدام بالسيارة المجاورة التي يقودها سائق متهور، يجعله يحتك بدراجة نارية كانت تعبر إلى جواره. يتوقف، يهبط من السيارة، يجد نفسه أمام موسى الذي كان يقود الدراجة، وزوجته ليلى، وابنته الرضيعة، وابنه "أمير" البالغ من العمر ثماني سنوات. الجميع يبدون بخير. لا توجد إصابات ظاهرة، إلا أن الصبي "أمير" يشعر بآلم بسيط في رقبته. لا يستطيع الطبيب أن يتصل ليطلب الإسعاف فهو يقود السيارة بعد أن انتهت وثيقة التأمين التي معه، لكنه يعرض مبلغاً كبيراً من المال على "موسى" الذي يتردد في البداية في قبوله ثم يقبله لحاجته الماسة الواضحة إلى المال. ينصحه الطبيب بضرورة التوجه بابنه إلى عيادة طبية قريبة للاطمئنان على ابنه وأن ما يعاني منه من ألم بسيط ليس نتيجة الارتجاج. لكن موسى الذي يتبعه ناريمان بسيارته ويشير إليه إلى مكان العيادة الطبية، يتجاوز ويمضي في حال سبيله. لقد فضل على ما يبدو أن يحتفظ بالمال الذي يحتاجه، طالما أن ابنه لم يصب بجروح واضحة.

تمر أيام. وفي المستشفى يكتشف ناريمان وجود الصبي "أمير" ولكن كجثة هامدة. كيف توفي؟ ما الذي حدث؟ هل كان هو السبب؟ كيف يمكنه مواجهة والديه اللذين يجلسان في غرفة الانتظار في انتظار نتيجة تشريح الجثة وهما في حالة غم شديد؟

تلمح الطبيبة "سايه" التوتر الشديد الذي ينضح به وجه زوجها الدكتور ناريمان. يسألها بلهفة عن الصبي.. وعن أهله.. تسأله: هل تعرفه؟ يجيبها: نعم أعرفه وأعرف والده ولكنها معرفة عابرة. لا يخبرها بالحادث الذي وقع. سايه هي التي ستتولى تشريج جثة الصبي. وبعد أن تنتهي من عملها ترفع تقريرها إليه باعتباره الطبيب المسؤول لكي يعتمده. ولكن ما هو سبب الوفاة؟ السبب الذي تتوصل إليه هو التسمم الغذائي. واضح من الفحص والتحليل أن الصبي تعرض لتسمم نتيجة تناوله طعام فاسد.. كان يمكن أن يكتفي ناريمان بهذا وينصرف إلى عمله وينسى الأمر. لكن ليس هذا طابع السينما الإيرانية الحديثة، فمن هذا المدخل تحديدا يبدأ الشك والتشكك، تتعقد الحبكة أكثر فأكثر، وتتصاعد أزمة الشخصية الرئيسية.

يتراوح الفيلم ما بين الدراما الاجتماعية والدراما النفسية، وهو يكشف من خلال حبكته عن الخلل القائم في العلاقات الطبقية في إيران.

الدكتور ليس مقتنعاً بأن هذا هو السبب الحقيقي. ربما يرجع الأمر إلى كسر وقع في فقرات العنق فهل تم فحص هذا الجزء بعناية كما ينبغي؟ في حواره المتوتر الطويل مع سايه، تصر هي على أنها بخبرتها الطويلة في العمل، على ثقة من أن سبب وفاة الصبي هو التسمم الغذائي. وعندما تجلس لتسر الخبر إلى والدي الطفل الميت، تلمح بوضوح أن لدى الأب "موسى" ما يخفيه. لقد كانت زوجته "ليلى" على وشك أن تكشف لسايه أمراً ما إلا أنها تراجعت فجأة بعد أن قاطعها موسى للتغطية على الموضوع. إنهما ببساطة يقبلان السبب المعلن للوفاة، لكنهما- رغم ذلك- ينفيان الإصابة بأي من أعراض التسمم الغذائي المعروفة في الرد على أسئلة الدكتورة سايه.

هنا أيضاً كان من الممكن أن يكتفي الدكتور ناريمان بهذا القدر وهو يتطلع من وراء حاجز زجاجي، إلى كل من موسى وليلى في حوارهما مع سايه، لكن من دون أن يدركا وجوده. لكنه لا يهدأ ولا يقتنع بذلك اليقين الطبي. إنه يضطر لأن يروي لسايه تفاصيل الحادث، فتلومه على عدم إبلاغه الإسعاف، ثم على عدم نقل الرجل وعائلته بنفسه إلى العيادة الطبية، ثم على عدم لفت نظرها قبل قيامها بتشريح الجثة إلى حقيقة ما وقع فربما كانت قد أولت اهتماماً أكبر إلى فحص فقرات الرقبة وهو ما لن تفعله. لكنه يكون قد نجح في هز قناعة سايه لتقر له في نهاية الأمر بأن السبب الذي توصلت إليه لوفاة "أمير" ليس سبباً قاطعاً، لكنها أيضا تضيف أنه حتى لو لم يكن الحادث قد وقع، لكان الصبي قد لقي مصيره بعد أيام معدودة بسبب تغلغل بكتيريا التسمم الغذائي في الدم وهو أمر ثابت يقيناً.

ينتقل الفيلم من حالة الشعور بالشك إلى الشعور بالذنب. وهو شعور على الجانبين. من ناحية ناريمان فهو يشعر بالذنب كونه تقاعس عن نقل الطفل بنفسه إلى العيادة الطبية في الليل والتأكد من أن إصابته بسيطة. وهو الآن يصر على استصدار تصريح باستخراج الجثة وإعادة تشريحها بنفسه لكي يعرف الحقيقة. ومن جهة أخرى فموسى، والد الصبي المتوفي، أصيب بصدمة عنيفة بعد أن أصبح يعتبر نفسه- تماما كما تعتبره زوجته- المسؤول الأول عن موت ابنه. والسبب: أنه كان قد اشترى دجاجة من الدجاج الرخيص المنتهي الصلاحية الذي يبيعه رجل يعرفه يعمل في مستودع للذبح، من الواضح أنها كانت تحمل بكتيريا التسمم. وهو يعود ليواجه هذا الرجل أمام زملائه في المسلخ ويعتدي عليه، ويتطور الأمر بينهما لينتهي إلى سقوط الرجل وإصابته إصابة إصابة خطيرة تدخله في غيبوبة ثم القبض على موسى. ورغم أننا نشاهد جانباً من المشاجرة بينهما في مشهد من أفضل مشاهد الفيلم يدور داخل مستودع ذبح الدجاج وتخزينه (في مقابلة واضحة ومفزعة مع قاعة تشريح الجثث في المستشفى بأجوائها الكئيبة) إلا أننا لا نشاهد ما يحدث في الاعتداء الثاني من جانب موسى على الرجل، التزاما بقواعد الرقابة على الأفلام في إيران التي تحظر تصوير مشاهد العنف والقتل وسفك الدماء.

تتألق في الفيلم الممثلة "هدية طهراني" في دور "سايه" ويبرع الممثل أمير أغايي في دور "ناريمان".

لن يؤدي استخراج الجثة وإعادة تشريحها إلى نتيجة قاطعة أيضاً، لكن شعور ناريمان بالمسؤولية الأخلاقية عن حبس رجل قد يكون بريئاً وتدمير علاقته بزوجته، مع رغبة ناريمان المستبدة بأن يدفع الثمن والتكفير عن ما يعتقد أنه "ذنبه"، ستدفعه إلى الاعتراف بمسؤوليته أمام المحكمة لكي ينقذ موسى من السجن، ويدفع هو الثمن تدمير مستقبله الوظيفي. ما الذي يمكن أن يكون وراء هذه الرغبة في تدمير الذات؟ هنا يكتفي الفيلم بأن يعرض الحالة بحيث يجعل التضحية بالذات ثمنا للتقاعس عن مواجهة الحقيقة، وعن القيام بما كان يتعين القيام به، إلى جانب الشعور "الطبقي" بالذنب عندما يرى ناريمان أن موسى الفقير وعائلته هم الذين سيدفعون الثمن.

تذكرنا أجواء الفيلم بأجواء الفيلم الروماني "التخرج" (2016) لكريستيان مونغيو، أولاً من ناحية بروز الجانب النفسي، إلى جانب التساؤلات الأخلاقية العديدة الكامنة تحت جلد الدراما، وكذلك أسلوب التصوير الذي يستخدم الإضاءة الخافتة لتجعل الصورة أقرب من الأبيض والأسود، وبالإضافة إلى المشاهد الطويلة، وحركة الكاميرا المحدودةـ واللقطات الثابتة، والحوار، والاعتماد كثيرا على أداء الممثلين.

يتمتع الفيلم بأفضل مستويات الأداء في السينما من جانب مجموعة الممثلين الأربعة الذين قاموا بالأدوار الرئيسية وعلى رأسهم بالطبع الممثل الفذ "نافيد محمد زاده" في دور "موسى" بحزنه الدفين، وانكساره أمام زوجته، ثم انفجاره في الغضب، وهو يبلغ ذروة الأداء في المشهد الذي يجمعه مع الطبيب عندما يزوره في السجن ليبلغه بأن ابنه ربما يكون قد مات نتيجة الحادث لا نتيجة التسمم. "لماذا تأتي لتخبرني بذلك؟ هل تريد استعادة المال الذي أخذته منك؟ ما فائدة هذا الآن؟ ولماذا لم تتكلم من قبل؟ تأخر الأمر يادكتور.. لم يعد الشأن شأنك.

تتألق في الفيلم أيضا الممثلة "هدية طهراني" في دور "سايه" التي تبدو متماثلة مع الدور بحيث تصبح بمحاوراتها المرهقة، مع ناريمان، مفجرا لأزمته أكثر مما تساعده على القبول بالأمر الواقع والاستسلام. إنها من جهة تريده أن يحافظ على مستقبله المهني، ولكنها ترغب- في الوقت نفسه- في الدفاع عن استقامتها المهنية أمام إصراره على إعادة التشريح.

ويبرع الممثل أمير أغايي في دور "ناريمان"، ذلك الهاملتي المتردد، المتشكك، المؤرق بفعل الحادثة، الذي يبدو مدفوعاً برغبة تستبد به، في التطهر عن طريق مواجهة الذات والاعتراف بالخطيئة، كما لو كان الدافع الديني الأخلاقي هو المحرك له في سياق الثقافة الشعبية الدينية السائدة في إيران.

 

 

قد ينال إعجابكم