نقد سينمائي

"إيكاروس" .. عن احتراق روح الرياضة!

قيس قاسم

 ثمة احساس خاص، يصعب وصفه، ينتاب غالباً المتلقي حين يُشاهد فيلماً وثائقياً بخاصة أحداثه تدور حول موضوع تجري وقائعه على الأرض بالفعل لحظة عرضه، ما يستدعي منا معاينة الحدث/الموضوع بتأثير ما جاء في الفيلم وقد "تُفسد" أحياناً الحقائق الفيلمية متعة متابعة الوقائع ب"تكاسل" لذيذ وتُجبرنا على النظر اليها بعين مختلفة؛ نقدية واعية. فيلم Icarus الأمريكي، الذي زامنت شركة "نِتفليكس" المنتجة، عرضه مع انطلاق بطولة ألعاب القوى المقامة في لندن الآن، مثال تطبيقي لما ورد ذكره. مشاهدة الأبطال وهم يحطمون الأرقام القياسية لم يعد لها نفس الطعم، الذي سبق مشاهدة الفيلم، لأنه أماط اللثام عن جوانب خطيرة من ظاهرة انتشار تعاطي المنشطات بين الرياضيين المحترفين، والأدهى تطبيقها عملياً على مخرج الفيلم نفسه، الذي اقترح الخضوع لتجربة "تنشيط" ممنهجة لم تمضِ الى نهايتها لأن مسار الفيلم نفسه انحرف نحو جانب لم يكن محسوباً وبالتالي توزع متنه الحكائي بين قصتين؛ الأولى شديدة الخصوصية خاض فيها المخرج "بريان فوغل" تجربة تشبه إلى حد كبير تجربة المخرج "مورغان سبورلوك" في فيلم  Super Size Me  والثانية مغامرة استقصائية حول مصير واحد من العلماء الروس المسؤولين عن برنامج حقن أجسام الرياضيين المتنافسين في بطولات عالمية بمنشطات كيمياوية محظورة، ثم محاولة هروبه من بلاده بعد كشفه تورط الدولة في عمليات التنشيط، تذكرنا بتجربة المُسرب المعلوماتي الأمريكي "أدوارد سنودن" كما وردت في فيلم "Citizenfour".

بوستر فيلم ( super size me) للمخرج (مورغان سبورلوك)

"بريان فوغل" المخرج وكاتب السيناريو، هو أيضاً دراج هاو، شارك في العديد من السباقات العالمية، لكنه لم يحترف الرياضة وظل مأخوذاً بقوة تحمل أبطالها. صدمته الأكبر فيها كانت يوم سماعه اعتراف البطل العالمي "لانس أرمتسرونغ"، زميل فريقه السابق، بتعاطيه المنشطات المحظورة وانهيار سمعته وتاريخه الحافل بالانتصارات إلى درجة رفعته إلى مصاف الأسطورة في عالم الدراجات الهوائية بخاصة بعد انتصاره على مرض السرطان وتفوقه المذهل في أصعب البطولات. تلك الصدمة لم تزل آثارها باقية في نفس المخرج لدرجة أنه لم يرد أن يصدقها غير أنه وخلال محادثاته مع عدد من المشرفين على المؤسسات الخاصة بمكافحة تعاطي المنشطات بين الرياضيين قرر عام 2014 خوض التجربة بنفسه، بعد سماعه تأكيداً من المسؤول السابق للمنظمة أن بطله ومثله الأعلى قد تجاوز دون مشاكل أكثر من 500 فحص لعينات أخذت من بوله لم يكتشف الأطباء والكيميائيون أثراً لوجود مواد منشطة فيها ما أثار حفيظته على نظام المراقبة فقرر المشاركة ثانية في واحد من أكبر سباقات الدراجات الهوائية للهواة في فرنسا ليرى بنفسه كيف يعمل نظام المراقبة والتفتيش وهل ينجح في عبوره بعد أن يتناول منشطات قوية. 

يبدو الجانب الشخصي في تجربة المخرج والهاو واضحاً لا لبس فيه، واقدامه على المغامرة لا يخلو من غضب ورغبة في إدانة النظام المعمول به وكشف عيوبه أكثر منه محاولة أخلاقية لعرض مخاطر المنشطات على الروح الرياضية وقيّمها. من ميزات اشتغال صاحب "ايكاروس" عدم ميله لملامسة الموضوعات الاشكالية بحدة كالفساد الموجود داخل اللجنة الأولمبية الدولية وحجم التدخل السياسي في قراراتها، وغيرها من أمور سترد كلها في متنه السردي لكنه فَضَل تركها للمشاهد ليحكم بنفسه ويُقوم مقدار ما فيها من خلل! فتراه  لهذا عامل موضوع المنشطات من زاوية شخصية ـ على الأقل في أول الأمر ـ مع أنه سمع أكثر من مرة ومن أكثر من مسؤول كبير في اللجنة وفروعها عن وجود خلل هيكيلي يسمح لأغلبية الرياضيين بتناول المنشطات والهرومونات الممنوعة دون خوف من كشف أمرهم.

من بين الذين قَبلوا الاشراف على تجربته الشخصية الدكتور "دون كاتلين" الرئيس السابق لمنظمة مكافحة المنشطات وتسمى اختصار (وادا). كان الرجل على يقين من أن "فوغل" قادر على تجاوز "الاختبارات" والحصول على "جواز فيزيولوجي" سليم رغم تناوله المنشطات وأخذه العقاقير المقوية والهرمونات المكبرة للعضلات. بعد مدة من العمل على التجربة شعر الدكتور "كاتلين" بالاحراج والخوف على سمعته ونظافة اسمه فقرر الانسحاب وحتى يستمر المخرج بتجربته رشح له صديقه الروسي "غريغوري رودتشينكوف" المسؤول عن مختبرات موسكو لفحص الرياضيين والخاضع إدارياً لمركز "وادا" الدولي. قَبَل الدكتور الكيماوي الروسي بالمهمة وراح بحماسة وبمزاج متهكم يتابع عملية تنشيط جسم المخرج بالمواد المحظورة عبر نظام "سكايب". وضع له جدولاً دقيقاً لتناولها وحفظ عينات من البول المحتوي على نسب منها في درجات حرارة منخفضة. كل شيء كان يسير بيُسر حتى مجيئه الى الولايات المتحدة وأخذه العينات معه الى مختبره في موسكو مرت دون مشاكل. كانت الخطة تقتضي بأن تدرج فحصوات المتسابق الأمريكي وتأخذ طريقها الى مختبر موسكو وحينها يقوم الدكتور الروسي بكتابة تقرير يزكي سلامتها!. وصل العداء الهاوي الى فرنسا ودون مشاكل شارك في السباق بعد ارتفاع في مستوى قدراته الجسدية تجاوز العشرين بالمئة عما كان عليه قبل تناوله المنشطات. عند هذا الحد تبدو الأمور سهلة وتبدو كل الوثائق والتسجيلات لعملية الفحص والمراقبة والمؤتمرات الصحفية للمشرفين عليها مدعاة للسخرية، لأنه تجاوز كل تلك "الحواجز" بسلام، أما فشله في الفوز فيعود الى سوء الحظ الى دقة الفحوصات. لقد تعطل نظام تغيير السرعات في دراجته الهوائية فتراجع بسبب بطئه عن المراكز المتقدمة التي وصلها.

مشهد من الفيلم أثناء قيامه بالركض

 سينعطف الوثائقي كثيراً عن مساره "التجريبي" دون ارادة منه وسيتحول فجأة الى فيلم مطاردة واستقصاء نكتشف من خلالها حقائق مرعبة عن حجم الغش والتلاعب اللاخلاقي الذي تقوم به المؤسسات الرياضية الروسية وبما يتعارض كلياً مع قيّم الرياضية وروح الألعاب الأولمبية. لقد ربط الروس وزعيمهم بوتين بقوة بين نيل الأوسمة والميداليات الذهبية وبين مكانة روسيا وأهميتها على الخارطة السياسية العالمية، فتدخلت الدولة مباشرة وأشرفت على عمليات تزوير فحوصات لاعبيها ورياضيها، وهنا يكمن الفرق الذي حرص الوثائقي على تثبيته، بين الغش والتنشيط الفرداني وبين المؤسساتي. ف"أرمسترونغ" ومدربوه تحملوا مسؤولية عملهم لا دولتهم، في حين تلعب الحكومات الروسية دور المشجع والمُسهل لتناول المنشطات واخفائها عن أعين الرقابة الدولية بدهاء يندر وجوده ولولا تجربة الدكتور "غريغوري" المشرف على برنامج التنشيط المركزي لما أكتشف العالم الحقيقة ولا عرف ما كان يجري خلال عقود في السر.

مشهد من الفيلم للبطل وهو يتعاطى المنشطات

الفصل الثاني من الوثائقي كله اثارة وشَد. لعبة القط والفار بين مؤسسات الدولة الروسية وبين المجتمع الرياضي العالمي تظهر بوضوح وعلى المستوى الداخلي كانت تجري عمليات تصفية جسدية ووظيفية لمسؤولين كبار أشرفوا على برنامج المنشطات، ولحظة اكتشاف أمرهم أمام العالم رقامت أجهزة المخابرات (كي جي بس) بازالة كل مخلفاتهم وقذاراتهم. اثرها خاف الدكتور على حياته وحياة عائلته فطلب من مخرج الفيلم مساعدته في الخروج من موسكو الى الولايات المتحدة الأمريكية. الالتزام الاخلاقي من قبل منتج الفيلم ومخرجه يُحيلنا الى أسئلة تتعلق بأخلاقية المهنة ومقدار التزام صانع الفيلم ومنتجيه بالأشخاص المتعاونيين معهم حين يتعرضون للمخاطر بسبب تعاونهم. لقد وجد فريق العمل نفسه أمام موقف لا يمكنهم فيه ترك الرجل دون حماية، فساعدوه وأوصلوه الى بلادهم وهناك كشف لوسائل الاعلام والجهات القضائية أسرار مذهلة عن عمليات تزوير العينات المختبرية، وكان هو بخبرته ودوره واطلاعه على كل التفاصيل والخفايا من أعطاها مصداقية وقوة وبالتالي ساعد الوثائقي دون دراية منه ليظهر متماسكاً وموضوعياً. لقد تولى الدكتور الموهوب في مهنته وفي "مخادعته" بنفسه كتابة التقارير الكاذبة الى المنظمة الدولية للحد من المنشطات وله الفضل الأكبر كما يدعي ساخراً؛ في نيل عشرات الرياضيين الروس الميداليات الذهبية!. كل الرياضيين الروس تقريباً وبانتظام تناولوا المنشطات قبل كل دورة من الدورات الأولمبية شتوية كانت أم صيفية، وحين تم كشف أمرهم ونقلت وسائل الاعلام الأمريكية التفاصيل سارعت  الجهات الرسمية والحكومية لتكذيب مواطنها الهارب، وفي السر خططت لتصفته في الخارج بعد أن صفت كل الذين كانوا يعملون معه في مختبر موسكو وتم اغلاقه واتلاف كل محتوياته. تعدد مسارات القصص الفرعية وكثرة التفاصيل الضرورية كانت سبباً في طول زمنه، حيث تجاوز الساعتين بقليل وبسبب تنوع مناخات وظروف عمله بلغت تكلفته خمسة ملايين دولار أمريكي. هي ربما من بين أكبر الميزانيات الانتاجية لفيلم وثائقي، لكن السؤال المهم هنا هو؛ هل يستحق الفيلم كل تلك الأموال؟ الجواب دون تردد نعم وأكثر. ف"ايكاروس" هو من بين أهم الوثائقيات التي جمعت التجربة الشخصية لمخرجه مع الاستقصاء والتحري السري الذي كاد أن قد يؤدي بأرواح من تعاونوا على انجازه.

من بين أهم محاسنه عرضه الفساد والتلاعب والغش بطريقة سلسلة غير عدائية تدفع للسؤال عن تواطؤ المنظمة الدولية مع من يسعى لتشويه الرياضة وتسميم مباهجها. لا ينقطع الوثائقي رغم كل تلك الاشارات الواضحة لتداخل السياسي بالرياضي ومن نتائجها المخزية تراجع اللجنة الأولمبية الدولية عن قرارتها بإبعاد وحرمان الرياضيين الروس بعد كشف فضائح تناولهم المنشطات من المشاركة في بطولة ألعاب "ريو دي جانيرو". لم تكتفِ بقبولهم بل سهلت عملية تنظيم بطولة "سوتشي" للألعاب الشتوية في روسيا وقَبِل الاتحاد الدولي لكرة القدم تنظيم روسيا بطولة كأس العالم القادمة. حول كل ذلك سرب الوثائقي أسئلة متهكمة تتعارض مع الشعارات الجوفاء لمسؤولي المنظمات الرياضية العالمية، التي حرص الوثائقي على تثبيتها بالوثائق والتسجيلات بنفس القدر من الحرص على عرض حال الرجل الهارب من روسيا طلباً للحماية. ففيما هو متوار عن الأنظار ويعيش حياة أقرب الى السجين خوفاً على حياته، يتقدم الرئيس "بوتين" الصفوف ويقدم نفسه للعالم كزعيم محب للرياضة لا بل كرياضي حريص على نقاونتها من شرور المنشطات وكل ما يسيء اليها. صورتان متناقضتان قُدمتا في عمل رائع أسمه يحيلنا الى أسطورة "ايكاروس" اليونانية والتي تحكي عن محاولة هروب ايكاروس مع والده من سجنه في جزيرة كريت وذلك بصنعه أجنحة من ريش الطير. طار بها وما أن أقترب من الشمس حتى أحرقته أشعتها ومات كما تموت روح الرياضة بداء المنشطات. 

 

 

قد ينال إعجابكم