نقد سينمائي

الأب الحنون "مغتصب" والرئيس"يبدأ بتقبيلهن"

عدنان حسين أحمد

يعالج فيلم "مُشاهدة غلوريا" للمُخرجتين روبيرتا غروسمان وصوفي سارتن واحدًا موضوع التحرّش الجنسي في أمريكا.

يعتبر فيلم "مُشاهدة غلوريا" للمُخرجتين روبيرتا غروسمان وصوفي سارتن واحدًا من الأفلام الوثائقية المهمة التي تعالج موضوع التحرّش الجنسي، وانتهاك حقوق المرأة في الولايات المتحدة الأميركية التي تُعدّ في نظر الكثيرين القلعة الحصينة لحقوق الإنسان، غير أن هذا الفيلم الاستقصائي الذي ينطوي على مفاجآت كثيرة يكشف بالأدلة القاطعة أنّ هذه القلعة المتمترسة وراء لائحة حقوق الإنسان تُختَرق بشكل متواصل من قِبل الساسة، ورجال الأعمال، وكبار الفنانين الذين طبقت شهرتهم الآفاق. ويكفي أن تكون ثيمة هذا الفيلم محصورة بين بيل كوزبي ودونالد ترامب اللذين أصبحا أشهر من نارٍ على علم في قضايا التحرش الجنسي التي لا نعرف منها إلاّ الجزء العائم من جبل الجليد، أما التسعة أعشار الغاطسة فتظل حبيسة أدراج الشرطة، وأروقة المحاكم التي لا يخترقها سوى المخرجين الوثائقيين الأصلاء الذين يضحّون بكلٍ شيء من أجل الوصول إلى الحقيقة أو الإمساك ببعض جوانبها في أضعف الأحوال.

ما يميّز هذا الفيلم عن سواه من الأفلام الوثائقية الرصينة هو أنه يجمع في ثيمته الرئيسة بين الذات والموضوع حيث ركزت المخرجتان في مستهل الفيلم على شخصية غلوريا أُلريد قبل أن تتشظى الثيمة إلى التحرّش الجنسي، والتمييز العنصري، والتفرقة بين الرجال والنساء وما إلى ذلك من قضايا حسّاسة، وموضوعات مثيرة للجدل خصوصًا وأن الشخصيات المناوئة لغلوريا غنية عن التعريف أبرزها كوزبي، وترامب، إضافة إلى القُسس السبعة، وغيرهم من الذين وُضِعوا في دائرة الاتهام.

تعرضت " غلوريا" للاغتصاب في منتصف العشرينيات من عمرها مما دفعها إلى الانتباه لهذه الكارثة في أمريكا.

خبرة الضحية

وُلدت غلوريا راتشيل بلوم بمدينة فلادلفيا لأبوين فقيرين ينتميان إلى الطبقة العاملة، فوالدها موريس بائع سلع وتعتقد أنه وُلد في أميركا وليس لديها ما يثبت ذلك لأنه كان كتومًا، وقليل الكلام. أما أمها ستيلا فهي بريطانية المولد، وربّة بيت. ولعل هذا التلاقح الأميركي البريطاني هو الذي منحها شخصية منفتحة على الآخرين بغض النظر عن قومياتهم، وأديانهم، وقناعاتهم الفكرية، وسوف تضاف إليها مستقبلاً معطيات أخرى تعزّز شخصيتها الكوزموبوليتانية.

لم تجد غلوريا ضيرًا في الحديث عن فقر الأسرة ومعاناتها الصامتة فهي تقول بأنّ والدها كان يترك مبلغًا ضئيلاً من المال يكفي للتسوّق من البقالة المجاورة لهم ليوم واحد فقط. ثم بدأت تكتشف حقيقة هذا الفقر حينما كان يأخذها إلى السينما ويظل منتظرًا إياها في الخارج بحجة عدم رغبته في مشاهدة هذا الفيلم أو ذاك لكنها سوف تدرك لاحقًا أنه لم يكن يمتلك ثمن تذكرة الدخول. كان هذا الأب يدّخر لها النقود كي تكمل تعليمها الجامعي الذي لا يتوقف عند حدود الأدب الإنجليزي الذي درسته في جامعة بنسلفانيا وإنما امتد لدراستها العليا في جامعة نيويورك حيث حصلت على شهادة الماجستير عن أطروحتها التي تمحورت حول الروائيين الأميركيين الأفارقة، ثم دراستها للقانون الذي منحها الأهلية للتخصص بحقوق المرأة خاصة، وحقوق الإنسان بشكل عام.

لا يهمل الفيلم الوثائقي الذي بلغت مدته 96 دقيقة حياتها العاطفية، ففي الأسبوع الأول من دراستها الجامعية ببنسلفانيا التقت بـ "بيتون غري" ثم تزوجته على وجه السرعة لأنها كانت تحبه لكنها لم تكن تعرف بأنه مريض عقليًا وأنّ مرضه بدأ يتفاقم يومًا بعد يوم، فقد كشفت التقارير الطبية بأنه مصاب باضطراب ثنائي القطب يتوزع بين فترات اكتئاب وابتهاج. وذات مرة فشل في إعداد وجبة طعام فألقى المقلاة بقوة على الأرض عندها بدأت غلوريا تخشى من سلوكه المرَضي الأمر الذي دفعها للعودة إلى منزل أبويها حفاظًا على سلامة على ابنتها الوحيدة "ليزا"، لم تخبر غلوريا أحدًا بالسبب الكامن وراء هذا الإجراء لكننا سنعذرها جميعًا حينما نكتشف أن بيتون قد انتحر بعد عدة عقود.

في منتصف العشرينيات من عمرها تعرضت غلوريا إلى صدمة الاغتصاب حيث سافرت إلى أكابولكو، المدينة المكسيكية المسترخية على شاطئ المحيط الهادئ والتقت بطبيب دعاها لتناول وجبة عشاء وحينما وافقت أخبرها بضرورة معاينة بعض مرضاه في المستشفى، ولكي يحبك خطته قال لها بأنه مضطر لزيارة مرضى آخرين خارج المستشفى فذهبت معه أيضًا، وحينما دخلت منزله أشهرَ عليها مسدسه واغتصبها تحت التهديد، ثم تبيّن بعد فترة وجيزة أنها حامل، وبما أن الإجهاض ممنوع ومحرّم قانونيًا فقد لجأت إلى الطرق غير الشرعية التي سببت لها تلوثًا ونزيفًا حادًا أوشك أن يودي بحياتها ولم يبقَ أمامها سوى الذهاب إلى المستشفى الذي خرجت منه بنصيحة واحدة من إحدى الممرضات مفادها "أرجو أن تلقنك هذا الحادثة درسًا لن تنسيه". ومثلما انتبهت إلى ملاحظة الأستاذ الجامعي بضرورة الاهتمام بحقوق المرأة انتبهت إلى قضية الاغتصاب تحديدًا لأنها عانت منها لكنها لم تبق ضحية لها، وإنما تحولت بدأبها، وقوة شخصيتها إلى ناجية قبل أن تأخذ الخطوة الثالثة لتتحول إلى مقاتلة حقيقية تنتصر للمُنتهَكات اللواتي تعرضن للعنف الجنسي الذي يتفاقم في أروقة البيت الأبيض، وغرف البرلمان، ومخادع الأثرياء، والقُسس، ونجوم السينما والتلفزيون والمسرح الذين يمارسون العنف الجنسي من دون أي اعتبار لمنظومة القيم السائدة في الولايات المتحدة الأميركية.

تعرف المخرجتان سلفًا أن الثيمة قد تدفع المُشاهد إلى التذمّر أو الملل فلا غرابة أن تمنحاه بين آونة وأخرى إطلالة على المحيط الهادئ سواء في سواحله المكسيكية أو الأميركية علمًا بأن النسق المكاني للفيلم يمتد من نيوجرسي وبنسلفانيا شرقًا حتى لوس أنجلوس وكاليفورنيا غربًا الأمر الذي يريح المُشاهد ويمنحه الفرصة للاسترخاء، والتقاط الأنفاس، خصوصًا وأن الكثير من أحداث الفيلم خارجية، أي أنها تدور في الشوارع والساحات العامة التي يجتاحها المتظاهرون والمحتجون المطالبون بمختلف أنواع الحقوق والحريات التي حرموا منها في المجتمع الأميركي.

بدأت التُهم تنهال على الممثل بيل كوزبي حيث بلغ عدد النساء اللواتي اتهمنهُ بالاغتصاب 51 امرأة.

بيل كوزبي . . الأب الحنون

يتمترس الفنان الأميركي الأفريقي بيل كوزبي وراء عناوين فنية متعددة فهو ممثل، وموسيقي، ومنتج تلفزيوني، و "كوميديان"، وناشط أميركي عرفه الجمهور منذ الستينات وتعلق به حتى أطلق عليه لقب "الأب الحنون" بسبب الصورة الأبوية التي عكستها أدواره الطيبة في المسلسلات التلفازية الأميركية. غير أن هذه الصورة قد اهتزت، على ما يبدو، حينما بدأت التُهم تنهال عليه من كل حدب وصوب بحيث بلغ عدد النساء اللواتي اتهمنهُ بالاغتصاب 51 امرأة. وقد وقع اختيار المُخرجتين على عدد غير قليل منهن للاستماع إلى شهاداتهن العلنية أمام وسائل الإعلام المرئية والمكتوبة  نذكر منهن ليز- لوتي لوبلِن، ليندا براون، ليلي برنارد وجانيس بيكر كيني اللواتي اتهمن كوزبي بتخديرهن واغتصابهن، ويبدو أنه كان يستعمل هذه الطريقة الأثيرة لديه حيث يضع المخدِّر في القهوة التي تُقدّم لهنَّ أو في المشروبات الغازية التي يفضْلنها ثم يُقدم على جريمته النكراء التي يُحاسب عليها القانون لكنه فلتَ من العقاب بسبب التقادم الزمني فمعظم الحالات حديث قبل أربعة عقود أو يزيد ولم يعد بالإمكان مقاضاته. تُرى، ما فائدة هذا الفيلم إذن؟ فيأتي الجواب على لسان المحامية غلوريا التي حفّزت الجهات المعنية على سن قانون جديد لا يسقط بالتقادم الزمني كي يضمن حق النساء اللواتي يتعرضن للاغتصاب مستقبلاً. رأينا كوزبي وهو يذهب إلى إحدى المحاكم كي يمثل أمام تُهم متشابهة لكننا لم نُحَط علمًا بما كان يدور في أروقة المحكمة. كما رأيناه في لقاء تلفزيوني لا يجيب فيه على أسئلة المُحاوِر، وإذا أجاب فإن المشاهد لا يجني من إجاباته شيئًا يُذكر فقد أحاط نفسه بحذر شديد وكأنّ أي كلمة يمكن أن تفضي به إلى الهاوية.

يطرح الفيلم قضايا كثيرة تتعلق جميعًا بالحريات سواء أكانت حرية المرأة أم حرية الرجل أم حقوق الأطفال .

ترامب ومغناطيس الجمال

أثار دونالد ترامب الوسط الإعلامي منذ زمن بعيد ووُجّه له العديد من التُهم التي كان يتخلص منها بطريقة أو بأخرى لكنه ما إن وصل البيت الأبيض وأصبح الرجل الأول في الدولة حتى تكالب عليه الصحفيون منقّبين في صفحات تاريخه الشخصي عن علاقات عاطفية كان يمارسها خارج حياته الأسرية فوجدوا الكثير من الثغرات التي تتيح لهم مهاجمته، ومع أن القراء والمشاهدين لم يروا وثيقة بصرية تُدين الرجل الأول في الدولة العظمى إلا أن فيلم "رؤية غلوريا" قد وفر لهم وثيقة مسموعة واحدة يتحدث فيها ترامب عن خصاله العاطفية حيث يقول: "إنني أنجذب تلقائيًا إلى الجمال، أبدأ بتقبيلهن . . . فالجمال أشبه بمغناطيس" وكي لا يكون وحده في عين العاصفة يلقي الكرة في ملعب المشاهير ويقول:" حين تكون نجمًا يسمحن لك بفعل ذلك" وهو يعني التقبيل والمناجاة الكلامية المقصودة. ليس المهم في هذه الواقعة ما الذي فعله الرئيس حرفيًا في هذه المكالمة المسرّبة، فقد سبقه بيل كلنتون إلى ما هو أجرأ من ذلك بكثير، لكن الشيء الأكثر أهمية أن ترامب اعتذر بشجاعة أمام العالم كله وقال: "كان ذلك كلامًا فاحشًا لست فخورًا به. أعتذر من أسرتي، وأعتذر من الشعب الأميركي" وكأنه يريد القول بأن ما ارتكبه في لحظة ضعف كان خطأً فادحًا لكنه لا يخرج عن حدود الأخطاء البشرية المتعارف عليها.

وقع اختيار المُخرجتين على شخصية نسائية واحدة ادعت بأنها تعرضت للتحرش الجنسي من قبل الرئيس دونالد ترامب، وهذه السيدة هي سمر زيرفوس، مرشحة "ذا برنتس" في موسمه الخامس. ومن التُهم التي يمكن أن نوردها هنا ونترك البقية لمخيلة القارئ في الوصول إليها حيث قالت: "قَبَّلني. . . ثم أمسك بكتفي وبدأ يقبلني مُجددًا بعدوانية شديدة، ووضع يده على صدري . . . وطلب مني أن نمكث ونشاهد التلفاز". لم يقف الأمر عند هذا الحدّ فقد وصفها الرئيس بالكاذبة، وعرّضها للتهديد والمضايقة، واستهدفها في عملها لأنها تكلمت وقالت الحقيقة، ولم يسحب تهديدهُ بمقاضاتها مع جميع اللواتي تقدمنَ ببلاغات رسمية ضده.

القساوسة في المجتمع الأميركي لهم حصة غير قليلة في التحرش الجنسي، والانتهاكات التي تبرز إلى السطح بين آونة وأخرى، وقد ارتأت المخرجتان أن تشيرا إلى حادثة اغتصاب لامرأة من قِبل سبعة قُسس وحينما رفعت دعوى ضدهم تواروا عن الأنظار بين ليلة وضحاها.

يتابع الفيلم شخصية هيلاري كلنتون التي كانت تخوض سباقها المحموم في الانتخابات الرئاسية الماضية وكان العالم برمته يتوقع وصولها إلى سُدة السلطة بوصفها أول امرأة تصل إلى أعلى منصب في أميركا منذ تأسيس الدولة قبل 240 سنة لكنها لم تفز ومن المؤمل أن تعاود الكَرّة لتحقق هذا الحلم الذي يراود ملايين الأميركيين منذ سنوات طويلة.

يقدم "رؤية غلوريا" وثيقة مسموعة واحدة يتحدث فيها ترامب عن خصاله العاطفية وعلاقاته التي كان يمارسها خارج حياته الأسرية.

يبدو أن الفيلم يمثل وجهة نظر واحدة وكأننا نشاهد فيلمًا مكرّسًا للمحامية غلوريا أُلفريد، وحتى لو كان الأمر كذلك فلابد من أصوات معارضة تقف على الضفة الأخرى من آرائها وتوجهاتها السياسية والفكرية. ولم يكن ظهور أحد المناوئين لها كافيًا، إذ انتقد هذا الأخير موقفها من المتحولين جنسيًا بوازع ميتافيزيقي من دون أن يعزّزه بالأدلة العلمية، فالأساطير والخرافات لا محلّ لها في الواقع، ونحن أحوج ما نكون إلى الحقائق العلمية الدامغة. ولعل أهم ما في هذه المحاورة بين غلوريا ومناوئها أنها قالت له: "أشكرك على تعبيرك عن رأيك بحرية والذي نقدّره كلانا برغم اختلافنا".

يطرح الفيلم قضايا كثيرة لكنها تتعلق جميعًا بالحريات سواء أكانت حرية المرأة أم حرية الرجل أم حقوق الأطفال ويكفي أن نشير إلى أن المُخرجتين ركّزتا أيضًا على التفرقة بين ألعاب الأولاد والبنات، ومطعم لورانجيري الذي يقدّم الطعام لعملاء راقين بقوائم مُسعّرة للرجال وخالية من التسعير للنساء. كما تجدر الإشارة إلى أن غلوريا هي أول من دخلت غرفة البخار "الساونا" التي كانت مخصصة للرجال فقط، وأزالت الحظر الذي كان مفروضًا على النساء.

يُختتم الفيلم بشعارات إنسانية مهمة مفادها أن "الحب يبدّد الكراهية"، و "أنبذوا العنف الجنسي" ولعل مسك الختام يتمثل بإحساس المحامية غلوريا أُلريد بأن النضال قد بدأ لتوّه خصوصًا وأنها شعرت بحلاوة النصر وأن شيئًا قد تغيّر في داخلها، وأن عليها أن تستمر في قمع التوحش الجنسي الذي تضاعفت أرقامه بحيث يصعب تعّقبها جميعًا لمقاصصة الرجال المتهمين بهذا السلوك العدواني.

لابد من الإشادة بالشخصيات الثلاث الرئيسة التي تكلمت على مدار الفيلم وهنّ غلوريا أُلريد، وليزا بلوم، والناشطة غلوريا ستاينم وقد أثرين ثيمة الفيلم وساهمن في تماسك ثيماته الرئيسة والثانوية التي تؤكد بأن "الأقوياء لديهم الأسرار لكن الضعفاء لديهم السلاح". ولا يمكن إغفال أهمية التصوير وجمالياته السينمائية التي أراحت المُشاهدين وجعلتهم يستمتعون بمناظر وصور جميلة معبّرة تماهت مع الثيمة ومنحتها عمقًا وجاذبية مضافة. بكلمات قليلة، لا يمكن نسيان هذا الفيلم بسهولة لأن وقائعه تُنقش في ذاكرة المتلقين، وهذا النقش هو سرّ نجاح بعض الأفلام الوثائقية المصنوعة بنَفَس احترافي يُراهن على الشكل والمضمون في آنٍ معًا.

قد ينال إعجابكم