نقد سينمائي

البلاستيك في كل مكان.. أين المفرّ من سمومها؟

قيس قاسم

يعلن الوثائقي عن وجود ثمانية مليارات طن من نفايات البلاستيك في عالمنا اليوم

لا توجد بقعة على الأرض خالية من البلاستيك، فنفايات هذه المادة الكيميائية العجيبة المتعددة الاستخدامات بدأت تُسمم كوكبنا وتتسرب إلى خلايا أجسامنا، كما تتسرب بصمت في مسامات الأرض والهواء والماء.

إنها نفايات تغطي اليوم مساحات هائلة من مياه البحار والمحيطات، وجُزيآتها الدقيقة تتسرب بدورها إلى بطون الأسماك والطيور التي يتغذى الإنسان على نسبة كبيرة منها، وبالتالي يمكن أن تنتقل إليه مخلفاتها الكيميائية المتحللة، ما يخلق دورة خطيرة أطلق عليها العلماء؛ "دورة الشر".

في الوثائقي الألماني "البلاستيك في كل مكان" عرض شامل للأضرار الناتجة عن تخلّي الحكومات والناس عن مسؤولياتهم في الحدّ من انتشارها، وفي الوقت نفسه يقدم تجارب وتصورات مستقبلية لما ينبغي عمله قبل فوات الأوان.

 

أرقام مخيفة

الأرقام واحدة من المعطيات المهمة التي اعتمد عليها صانعا الوثائقي ألبرت كنيشيل وناجي توشير في توصيل مضامين فيلمهما، إلى جانب مقابلات كثيرة أجراها فريق العمل مع علماء وناشطين بيئيين وأصحاب معامل مختصة بصناعة المواد البلاستيكية.

في مفتتحه يعلن الوثائقي عن وجود ثمانية مليارات طن من نفايات البلاستيك في عالمنا اليوم، فكيف سيتخلص العالم منها؟

ذلك هو السؤال المُلِّح ومنه ينطلق الوثائقي في بحثه، حيث يبدأ بتصوير بيئات مختلفة؛ أنهار توقفت حركتها بسبب كثافة وكمّ البلاستيك الموجود فيها، حيتان وحيوانات بحرية ماتت لالتهامها بقايا بلاستيك وصل إلى بيئتها البحرية، بشر وفي بقاع مختلفة من العالم يموتون لإصاباتهم بأنواع مختلفة من السرطانات بسبب تماسهم اليومي والمباشر مع نفايات مادة كيميائية تدخل في كل مفصل من مفاصل حياتنا اليومية.

المواد البلاستيكية وعلى اختلاف أنواعها تدخل في صناعة السيارات والطائرات وفي مواد البناء، وكذلك في الأثاث المنزلي والمعدات الطبية والرياضية

البلاستيك.. المادة السحرية

يُشخّص الوثائقي الألماني المُنتَج لصالح قناة "آرتي" التعقيد المتعلق بالبلاستيك، وأبرزها سهولة استخدامه في الكثير من الصناعات، فالمواد البلاستيكية وعلى اختلاف أنواعها تدخل في صناعة السيارات والطائرات وفي مواد البناء، وكذلك في الأثاث المنزلي والمعدات الطبية والرياضية، ويكاد لا يخلو بيت في العالم من وجود مادة بلاستيكية فيه، بدءا من الأجهزة الكهربائية مرورا بألعاب الأطفال ووصولا إلى أكياس الطعام.

تنوع استخداماتها ودخولها في أغلبية الصناعات جعل الإقبال عليها في تصاعد، فمنذ مطلع خمسينيات القرن وكميات ما يُنتج من البلاستيك ترتفع بشكل دراماتيكي، غير أن العقد الأول وبداية الثاني من الألفية الثالثة شهد الانتشار الأوسع لها.

وبالمقارنة فقد استهلك الناس عام 1950 نحو مليوني طن، في حين وصل عام 2015 إلى 380 طنا، واليوم الأرقام تقارب مليارات الأطنان.

تنوع الاستخدامات العملية والمفيدة يستثمره صُنّاعها لصالحهم، وحسب مقابلة مع مسؤول في مركز "البلاستيك الأوروبي" فإن نظرتهم إليها مختلفة عن نظرة العلماء والناشطين البيئيين، فهم يعتبرونها جزءا من الحل، في حين هي في الواقع -وكما يبرهن الوثائقي- المشكلة بعينها.

العلماء في المقابل ينظرون إلى الموضوع من زاوية موضوعية، فهم يحيلون جزءا من المشكلة على عاتق المستهلك إي الإنسان، والجزء الأكبر على الحكومات التي لم تبادر إلى معالجة آثارها، والعقدة الأكبر تكمن -حسب وصفهم- في عدم التفكير منذ البداية في الطريقة التي سيتم عبرها التخلص من نفاياتها.

غياب إستراتيجية واضحة لمعالجة المشكلة يزيد من تفاقمها، ويتوقع العلماء أنه إذا استمر الحال على ما هو عليه حتى خمسينيات القرن الحالي فإن الأسماك في كل البحار ستنتهي إلى الموت اختناقا بالبلاستيك، وأن السموم الناتجة منها ستصل حتما إلى أجساد البشر بمعدلات لا أحد يملك تصوّرا واضحا عنها.

عند قناني الماء يتوقف الوثائقي طويلا، فالعلماء يعتبرون الحدّ من استخدامها مفتاحا لخفض معقول في حجم استهلاك البلاستيك

قناني الماء.. سُمّ في كل مكان

لكشف العلاقة القوية بين السياسة ومصالح المُنتِجين وتعارضها مع مصالح المستهلك، ينتقل الوثائقي إلى هولندا، ويدخل أحد محلات بيع المواد الغذائية في مدينة ليدن. في المحل كل البضاعة تقريبا مغلفة بالبلاستيك، حيث غابت المواد المعروضة بالجملة وصارت تُباع كلها تقريبا بالمفرد، قطعة لحم مغلفة ببلاستيك، ثلاث تفاحات مغلفة، سيقان كرفس مغلفة، كل شيء مغلف بالبلاستيك.

في شوارع المدينة أكواب القهوة البلاستيكية وعلب المشروبات الغازية تملأ سلال المهملات، أو تراها مرمية على الطاولات. قناني الماء البلاستيكية في كل مكان، والمشهد نفسه تقريبا في كل المدن الأوروبية وغيرها في بقية القارات.

عند قناني الماء يتوقف الوثائقي طويلا، فالعلماء يعتبرون الحدّ من استخدامها مفتاحا لخفض معقول في حجم استهلاك البلاستيك. المشكلة الأكبر تكمن في قناني تعليب الماء المستخدمة لمرة واحدة، كونها لا تدخل في عملية إعادة التدوير، والإصرار عليها يكشف في الوقت نفسه سياسة المُصنِّعين الراغبين في الحصول على مزيد من الأرباح، فالبلاستيك المستخدم في صناعة القناني لمرة واحدة رخيص ولا يحتاج إلى بنية تحتية لإعادة التدوير، ليس هذا فحسب، بل هو أيضا سيئ النوعية، فخاماته بترولية شديدة الخطورة على البيئة والكائنات الحية.

وفي مقابلة مع وزير بيئة ألماني سابق يكشف الضغوط الهائلة التي تمارسها شركات إنتاج الماء والمشروبات الغازية العملاقة مثل كوكا كولا على الحكومات الغربية من أجل تعطيلها عن اتخاذ قرارات تمنع بموجبها من تعليب منتجاتها بقناني بلاستيكية صالحة للاستخدام مرة واحدة، فالشركات لا يهمها أمر التدوير والترجيع؛ بل الربح ولا شيء سواه.

يسلط الوثائقي الضوء على التوجه الغربي الجديد وما يسببه من خراب بيئي في القارتين

استهلاك في دقائق.. وتحلّل في قرون

في ظل تواطؤ السياسيين الغربيين مع أصحاب الشركات العملاقة، فإن عددا من الناشطين المتطوعين يعملون على إيجاد حلول "ذاتية" للمشكلة، واحدة منها يرصدها الوثائقي وتتمثل في مجموعة تعمل على إعادة تدوير القناني الجيدة النوعية إلى بلاستيك نظيف خفيف التأثير على البيئة.

وعلى مستوى آخر تعمل صاحبة حظيرة أبقار ألمانية الجنسية على إنتاج "قصبة" أو عُلب شرب السوائل من مواد طبيعية بدلا من البلاستكية، والتي وصف أحد العلماء الأمريكيين محاولاتهم لإقناع الحكومة الأمريكية بمنعها بأنها "حرب القصبة"، في إشارة إلى صراعهم مع مُنتِجيها ومروجيها وخاصة شركات بيع المأكولات السريعة.

ويُقدم العلماء تصورا عن خطورة وصولها إلى البحار، وما تسببه من كوارث نتيجة دخولها في خياشيم الأسماك فيقطع التنفس عنها، وأيضا إلى احتمال طمرها في باطن الأرض، مما يحتاج إلى قرابة 400 سنة حتى تتم عملية تحلل الواحدة منها داخل التربة. لهذا سيرفع الناشطون البيئيون شعارا توعويا "ما نستهلكه في دقائق يحتاج إلى مئات السنين لتتخلص الأرض منه".

تقول الأرقام إن الدول النامية وخاصة دول جنوب آسيا هي أكثر من يسرب النفايات إلى البحار وأعماق الأرض

أسرار خلف الأرقام.. عن النفاق الغربي

تقول الأرقام إن الدول النامية وخاصة دول جنوب آسيا هي أكثر من يسرب النفايات إلى البحار وأعماق الأرض.

ويقوم صانعا الوثائقي بمراجعة الأرقام وتحليلها، ومن خلال مقابلاتهما مع خبراء في التجارة تنكشف أسرار تتستر خلف الأرقام وتكشف نفاق العالم الغربي. فالدول الغربية هي المصدّر الأول للنفايات البلاسيكية للصين، حيث تتخلص مما عندها عبر تحويله إلى بضاعة ربحية. والصين بدورها وبسبب نموها الاقتصادي تُقبل على شرائه بكميات كبيرة، فاليوم هي تشتري نحو 90٪ من النفايات الغربية، ففي الداخل تجري عملية تدويره واستخدامه في تصنيع وتعليب البضائع.

عملياتُ مبادلةٍ الخاسرُ فيها المواطن الصيني الفقير، فلا الشركات الصينية الكبرى تخسر ولا الغرب الصناعي.

تشير الإحصاءات الرسمية إلى ارتفاع نسبة الإصابة بالأمراض السرطانية بين سكان منطقة شان دونغ

الكارثة الصينية

يذهب الوثائقي إلى منطقة شان دونغ التي صارت تعرف بـ"مقاطعة البلاستيك" لكثرة المشتغلين من سكانها في عمليات التدوير البسيطة، وفي الغالب تأخذ طابعا عائليا، حيث تلتقط الكاميرا أحوال المناطق المقامة قربها وهي "معامل" التدوير.

المياه ملوثة والعاملون فيها لا يستخدمون الواقيات، الأطفال يعيشون وسطها، يأكلون ويشربون وينامون وسط نفايات البلاستيك، في مشهد محزن يظهر فيه أطفال ينتزعون الأسماك الميتة من الأكياس والعوالق البلاستيكية التي يسبب أكلها الكثير من المشاكل لهم.

وتشير الإحصاءات الرسمية إلى ارتفاع نسبة الإصابة بالأمراض السرطانية بين سكان المنطقة، ونسبة تلوث هوائها هو بين الأعلى في العالم. وقد قررت السلطات الصينية في محاولة لتخفيف اعتمادها على البلاستيك الغربي إيقاف شرائه منذ مفتتح العام الجاري.

أربك القرار الصيني السوق الغربية، لهذا راح يفكر المتحكمون فيها وفي تجارة النفايات التوجه إلى دول آسيوية أخرى مثل فيتنام، والرهان مجددا على فقر القارة الأفريقية كسوق واعدة.

يسلط الوثائقي الضوء على التوجه الغربي الجديد وما يسببه من خراب بيئي في القارتين. تظهر السياسة مرة أخرى على السطح، فالفساد المستشري في القارة الأفريقية يُتيح للشركات المصدرة للنفايات ولمسؤولي الحكومات الغربية؛ فرصة التخلص مما يرغبون في التخلص منه. وفي الوقت نفسه يحافظون على بقاء صناعة مزدهرة تدر المليارات.

يقدم الوثائقي مصنع كوفسترو الألماني مثالا، ففي العام 2018 بلغت مبيعاته من المنتوجات البلاستيكية أكثر من مليار يورو. مقابلة أحد مدرائه الفنيين توضح العوامل الفاعلة في زيادة حجم الإنتاج، ومنها قيامهم بتحسينات على نوعية البلاستيك، حيث صار من الممكن استخدامه في تركيبات صناعية جديدة، مثل الألواح البلاستيكية المستخدمة في بناء ملاعب كرة القدم العملاقة وفي هياكل طائرات النقل التجاري، وغيرها من الصناعات الثقيلة.

الطلب إذن يزداد كما أكد مديرو الشركة والتبِعات التدميرية أيضا تتفاقم كما يؤكد العلماء.

من المفارقات التي توصل إليها الباحثون في مياه القطب الشمالي وثلوجه أن الجزيئات المتحللة من البلاستيك قد لوثت منابع مياهه

حتى القطب الشمالي

هل وصل البلاستيك إلى القطب المتجمد الشمالي؟ للإجابة على هذا السؤال كان على فريق عمل الوثائقي الرائع التوجه إلى هناك، لكن المفاجأة كانت غير سارّة، فقد استقر البلاستيك تحت جبال الثلج. ويُحيل الخبراء البيئيون وصولها هناك إلى مشكلة أكبر، إذ إن التيارات البحرية تتحرك مثل دوامة، وبالتالي فإن الأشياء العائمة تظل تدور معها.

وحسب البحوث العلمية فإن عقب سيجارة صغير يمكن أن يقطع آلاف الكيلومترات قبل أن يصل إلى ساحل بريّ ما، أو أن يستقر في أحشاء سمكة أو طير.

ومن المفارقات التي توصل إليها الباحثون في مياه القطب الشمالي وثلوجه أن الجزيئات المتحللة من البلاستيك قد لوثت منابع مياهه، ولم يعد نظيفا كما يتصور الناس، وحتى أعشاش الطيور دخلها البلاستيك وهدّد صغارها بالموت اختناقا.

الثقافة الاستهلاكية التي أشاعها المجتمع الرأسمالي وأوصلها إلى جزر الكاريبي جعلت من سكانها الأكثر استخداما للبلاستي

"هايتي".. مشروع جمع نفايات البلاستيك

الثقافة الاستهلاكية التي أشاعها المجتمع الرأسمالي وأوصلها إلى جزر الكاريبي جعلت من سكانها الأكثر استخداما للبلاستيك، ومن أجل التقليل من تلوث بيئتها الرائعة الجمال بدأ أصحاب مشروع "هايتي" بإقناع سكانها بفكرته الرائعة، والتي تهدف إلى استبدال مبالغ نقدية مكان نفايات البلاستيك، حيث يجتهد الناس في جمع هذه النفايات مقابل مبالغ تُعين جامعيها على تعليم أطفالهم وتحسين جزء من مستواهم الاقتصادي.

نجح المشروع في تدوير 140 مليون قنينة ماء بلاستيكية، ووفر دخلا لجامعيها يُقدّر بعدة ملايين من الدولارات.

على المستوى الصحي يرى الأطباء أن وصول الجزيئات المتحللة إلى طعامنا وشرابنا سيترك آثارا ضارة على البشر

مبادرات لحلّ المشكلة.. هل تنجح؟

هل ستحل المشاريع الخاصة والمبادرات البيئية المشكلة الكونية؟ لا يقدم الوثائقي جوابا، فالعلماء يرون فيها أبعادا اقتصادية وسياسية هي أكبر من أن تحلهّا المبادرات الجيدة، وعلى المستوى الصحي يرى الأطباء أن وصول الجزيئات المتحللة إلى طعامنا وشرابنا سيترك آثارا ضارة على البشر، لكن إلى أي مدى؟

هذا ما تشتغل على معرفته الآن مراكز بحوث عالمية زار بعضها الوثائقي واستمع إلى توصياتها للحد من المشكلة وتبعاتها الكارثية، من خلال العمل وقبل كل شيء على توعية الناس بأخطار النفايات، وإرشادهم لسبل التخفيف من استخدام البلاستيك في حياتهم اليومية.

في ختام مساره يقدم الوثائقي معلومة افتراضية عرضها عالم بيئي هولندي يجوب البحار ليوثق مسار النفايات القاتلة تفيد بالتالي: لو قامت الصين وفيتنام وإندونيسيا وتايلند بخفض 65٪ من فضلاتها البلاستيكية، فإن حجم المتسرب والموجود منها داخل البحار سينخفض إلى النصف خلال عشر سنوات. مثال متفائل يؤكد مقولة "ما أفسدناه بأنفسنا علينا إصلاحه بأيدينا".

قد ينال إعجابكم