نقد سينمائي

التَسلُل إلى عالم مهربي البشر!

قيس قاسم

بول ـ إيريك هيلبوث

تسلل أخيراً فيلم Human Smugglers، إلى عالم مهربي البشر، بكاميرا خفية وقدم مقاربة سينمائية مثيرة، أحاطتنا ولأول مرة بأساليب عملهم وكشفت عبر مجموعة منهم؛ قبلت الحديث مع صانعيه (بول ـ إيريك هيلبوث وجورج لارسن) عن طبيعة عملهم وقدرتهم على التأقلم مع المتغيّرات وحرص قادتهم الشديد على تجنب كشف هوياتهم الحقيقة أمام ضحاياهم من البشر، الطامحين للخلاص من ويلات الحروب والجوع، وطبعاً استحالة كشف اللثام عن وجوههم أمام ملاحقيهم، ليضعوا بسبب تلك المواصفات والعقلية المافيوية المتمتعين بها، دول القارة الأوروبية ـ بوصفها الأكثر تضرراً من نشاطهم المتزامن بقوة مع اتساع الهجرة من سوريا والعراق وبعض دول المنطقة اليها ـ أمام تحديات كبيرة، أراد الوثائقي الدنماركي "مهربو البشر" المشارك في مهرجان "إدفا" السينمائي عرضها بتمهل واستقصاء حقيقة نجاحاتهم فيها، إلى جانب كشفه جوانب من العالم السري للمهربين، ممسكاً بالفرصة النادرة، التي تُمَكنه من توثيق الوقائع وتعزيز مصداقيته؛ بالتسجيلات الآنية الخاصة به وفي أكثر من مكان في العالم، فجاء لهذا سباقاً في كشفه، متماسكا في بنائه الدرامي غنياً بمعلومات عن "تنظيم" لا يتردد محاربوه بمقارنته ب"المافيات"، لتقارب أهدافه وأسلوب عمله معها.

يعطي الوثائقي للمهربين السوريين اسمين سريين؛ علي ويحيى. الأول ينشط في تهريب البشر من تركيا إلى اليونان والثاني من الأخيرة إلى بقية الدول الأوربية وبشكل خاص إلى ألمانيا. بدا "علي" حذراً من رجال الشرطة التركية، لكن حذره لم يصل إلى درجة الخوف من الكلام مع "وسيط" الوثائقي وحامل الكاميرا الخفية بالعربية، عن تفاصل نشاطه وتبريره له كفعل يخدم ويساعد به المحتاجين للمساعدة. فلولاه كما يوحي لما وصل الآلاف إلى بر الأمان، وأنه يحرص على شراء نوعية جيدة من الطوفات (الستر) المنقذة من الغرق. يدخل مع الوسيط إلى محل يبيعها بالسر ثم يمضي لمقابلة أشخاص في "ميناء التهريب" أُرسلت له عنواينهم وأرقام تلفوناتهم عبر المحمول. لا يخفي "علي" دوره كوسيط بين قادة يخططون ويتفقون مع "الزبائن" من المهاجرين الراغبين في الوصول إلى أوروبا مقابل دفعهم مبالغ كبيرة لهم، وبين أطراف أخرى تؤمن الجانب اللوجستي ووسائط نقلهم إلى الطرف اليوناني.

أحد المهربين كما ظهر في الفيلم

في روما يقابل الوثائقي المدعي العام الإيطالي "كالوغيرو فرارا" المكلف بمطاردة العصابات المتجارة بالبشر، وفي اليونان يرصد ويسجل نشاط "يحيى" المفتخر بنجاحاته. على طول زمنه سيلجأ إلى ذلك الأسلوب المتحرك بين أكثر من طرف ناشط في معادلة تهريب البشر وفي أكثر من مكان وعلى هامشها ستدخل شخصيات وجدت نفسها تتعامل معهم أملاً في مساعدتهم على تحقيق أحلامهم، لأنهم لم يجدوا من يساعدهم عليها سوى المهربين، والمهربون يدركون جيداً مقدار حاجة الآخرين اليهم فيزيدون من استغلالهم وتعريض حياتهم للخطر مقابل الحصول على المال. لا ينشد الوثائقي بسبب ذلك التنوع في مستويات الشخصيات (الضحية ومُستغلي حاجتهم الانسانية والجهات المطاردة لهم) المضي في الاستقصاء والكشف المجرد بل أراد تقديم المهرب وطريقة تفكيره والمبررات التي يقنع نفسه بصحة ما يقوم به. فثمة التباس في التوصيف ينبع من حاجة اللاجيء لمن يُعينه على السفر واعتباره إلى حد ما "معيناً" يبقى وصفه صحيحاً ما دامه يوصله إلى هدفه لكن وبمجرد المرور بتجربة تراجيدية بسببه يتحول وقتها إلى مُستغِل، بشع لا يعرف الرحمة يهدد حياة الأبرياء من أجل المال دون أن يرمش له طرف عين.

في المقابل يرى المتضرر الأوربي فيه مجرماً صرفاً تنطبق عليه الأحكام الجنائية باعتباره شخصاً يهدد حياة بشر مثله ويعرضها للمهالك لأغراض ربحية لا يقدم خدماته لهم مجاناً. هذا الجانب التحليلي لطبيعة "الجلاد/المهرب" وعلاقته بالضحية لم يتقدم أحد لعرضه قبل "مهربو البشر" لعدم حصول صناعها والمعنيين بتوثيقها ـ أغلب الظن ـ على فرصة مواتية وبذلك الحجم من الأريحية التي قَبِل فيها مهربون وتجار بشر حقيقيون بوجود كامرته تصاحبهم وتسجل أدق تفاصيل عملهم غير الشرعي، ودون دراية منهم جرى تصوير قسم آخر مهم من نشاطهم بكاميرا ثانية خفية أعطت التميز الأهم له.

يتوقف الوثائقي عند ظاهرة الهجرة غير الشرعية الأخيرة وموقف قادة الدول الأوربية منها، وكيف تحولت إلى ورقة انتخابية قوية ومصدر قلق حقيقي لأجهزتها الأمنية. ثمة رسالة يريد قادة دولها توصيلها إلى مواطنيهم القلقين منها بأنهم يفعلون شيئاً من أجل الحد منها، وأكثر اجراءاتهم تتمحور حول منع المهربين من العمل بحرية كما كانوا يفعلون عند بداية "الهروب العظيم" من سوريا على وجه التحديد. يحيط صانعاه الأسئلة المتعلقة بعمل واجراءات أجهزة أمن تلك الدول وجيشوها بهالة من الشكوك، حين يذهب إلى عرض قدرة المهربين على التلائم واختيار طرق بديلة يعرضها من خلال تجربة المهرب "يحيى" باللاجيء السوري "آراز"، الذي فشل أكثر من مرة في الخروج من مطار أثينا، المكان المفضل لعصابات المافيا بعد البحر.

كشف الفيلم جوانب من العالم السري للمهربين، ممسكاً بالفرصة النادرة، التي تُمَكنه من توثيق الوقائع وتعزيز مصداقيته

سجل اللاجيء تفاصيل تهريبه بمحموله الخاص وبالتالي قدم خدمة رائعة للوثائقي الذي انفتحت أمامه كل أبواب خزانات التسجيل السرية والانفتاح على التجارب الحية المقرونة بوجود المهربين جسدياً واعترافهم بمشاركتهم فيها، وشرح أساليبهم المبتكرة، التي تربك عمل أجهزة الشرطة والجيش. واحدة من أسباب نجاحهم تعود إلى الرشاوى والفساد الموجود في المطار اليوناني. لديهم فيه أشخاصاً متعاونين معهم يسهلون دخول الشخص الراغبين في تسفيره بجوازات ووثائق مزورة. في تجربة مثيرة يستقصي الوثائقي حجم الفساد المنتشر حين يصل إلى وكر "ورشة" استخراج الجوازات المزورة في أحد الأحياء القديمة في العاصمة أثينا، وكيف تتعاون معها شبكات تزوير الوثائق عبر ما يسمى "بالمواقع المظلمة" الموجودة على شبكات الانترنيت. خيبات تجارب "آراز" المتكررة توصله إلى "يحيى" فحسب احدى خبيرات محاربة الاتجار بالبشر المشاركة في الوثائقي مع عدد اضافي من العارفين في ذلك الحقل، فأن من بين خصال المهرب الناجح؛ قدرته على كسب ثقة "الزبائن" وعدد الناجحين في الوصول إلى أوروبا وبقية المناطق عبره. تقر الخبيرة بأن أرباحهم وبخاصة الوسطاء منهم ليست كبيرة إلى حد غير معقول، كما يتصور الناس لأن القسم الكبير منها يذهب إلى "القادة" وقسم آخر يصرف على الرشاوى والجوانب اللوجوستية، لكنه يظل مصدراً لربح سهل لا يمكن مقارنته بأي عمل وظيفي آخر.

 حقق التعاون الأوربي التركي للحد من تهريب البشر نتائج مهمة لهذا يشعر "علي" بالقلق من مراقبة أجهزة الشرطة التركية له. يشرح كيف يراقبوه ويلازمه أحد رجالها كظله. يحصل الوثائقي الرائع والممتع تسجيلات خاصة من أجهزة الشرطة عن عملية مراقبة "علي" الدقيقة عبر تسجيل مكالماته الهاتفية وتصوير تحركاته على الأرض. وفي أوروبا يتوصل السياسيون والعسكريون إلى قرار بالعمل وسط البحر، لملاحقة المهربين وبخاصة الناشطين في اليونان أو في سواحل شمال أفريقيا. من الفارقات المدهشة التي يتوصل اليها الوثائقي وتؤكدها خبيرة محاربة تجار البشر أن وجود القوارب الحربية وسفن الانقاذ في المياه الدولية سهلت على المهربين عملهم وأخذت هي نفسها تنقل اللاجئين إلى الطرف الثاني من البحر وعلى متن سفنهم لعدم تمكنها من دخول المياة الأقليمية للدولة الأخرى. يعمق الفيلم ومساره المتصاعد وديناميكتيه ظلال الشك حين يقرر مرافقة المدعي العام الايطالي أثناء تقديمه واحداً من أخطر المهربين في العالم ويطلق عليه اسم "الجنرال".

كان المدعي متيقناً من أن الشخص الذي أمامه هو المطلوب، لكن الصحافة الايطالية والدولية سربت معلومات تفيد بتشابه اسم عائلة المتهم الماثل أمام المحكمة مع "الجنرال" الحقيقي المجهول!. سيعترف المدعي العام بصعوبة مهمته ويحيلها إلى قلة التعاون بين الشرطة الأوربية والدول الأخرى في الضفة الثانية من المتوسط!. لمزيد من الموضوعية يسجل صناع الوثائقي اللحظة التي ألقت الشرطة التركية فيها القبض على "علي" وتمت ادانته بأدلة دامغة، فيما وصل "يحيى" إلى دولة أوربية كان في السابق يهرب إليها السوريين.

المهربون يدركون جيداً مقدار حاجة الآخرين إليهم فيزيدون من استغلالهم وتعريض حياتهم للخطر  

الانتقالة الأهم خارح دائرة الشخصيات الرئيسة ستكون في دول شمال أفريقيا، حيث سيقوم برصد الجرائم المرتكبة ضد الأفارقة الفقراء الهاربين من الجوع والعوز. تفاصيلها ستعمق أكثر حدة الظلال المحاطة بنشاط شرطة وجيش القارة الأوربية. أراد سياسيوها إقناع حكومات ليبيا وتونس بمزيد من المراقبة والتشدد إزاء المهربين ولهذا الغرض وفرت لخفر سواحلها معدات وأجهزة متطورة غالية الأثمان. لم تحقق المطلوب منها كما يكشف "مهربو البشر". فالمهربون راحوا يشترون ذمم بعض العاملين فيها بالمال. مقابلة واحد منهم اعترف للوثائقي بأنه يقبض من المهربين مبالغ كبيرة مقابل ارشادهم إلى مواقع السفن الحربية الأوربية في البحر وإلى أماكن وجود راداراتها. على المستوى الإنساني الضغط القوي لم يمنع تجارة البشر و"الرقيق" بل زاد من قساوة المهربين ضد الراغبين بحياة أفضل في أوروبا. يسجل بكاميرته السرية المخفية عند أحد الأفارقة العاجزين عن دفع تكاليف تهريبهم، طرق استغلالهم ومعاملتهم كعبيد، يشترونهم ويبيعونهم بربح وبخاصة النساء منهم. مشاهد إجبار بعضهن على العمل في المواخير المصور بالكاميرة الخفية، تثير الشفقة عليهن فيما المهرب يفخر بقساوته ويعتبر عملية استغلال أجسادهن وظيفة مقبولة.

تدخل الأرقام لتضفي عمقاً ودقة على الفيلم الدنماركي حين يشير إلى عدد الواصلين إلى أوروبا وبعد كل تلك الاجراءات المتشددة. خلال الأشهر التسعة من العام الماضي وصلها أكثر من ربع مليون شخص وعدد الغارقين والمتوفين في الطرق الصحراوية الأفريقة زاد على ثلاثة آلاف شخص، فيما تشهد الأشهر الأولى من العام الحالي حركة متغيرة في أساليب تهريب البشر يشير خروج "علي" من السجن بعد خمسة أشهر دليلا عليها. يفخر المهرب السوري بأنه عاد إلى نفس عمله السابق، وأنه يخطط كي يصبح "مليونيراً". أما الوثائقي فيتساءل وهو يتابع رحلة عودته إلى مهنته الأولى عن قادة ذلك "التنظيم" الإجرامي الدولي، الذي يبدو وفق مسار الوثائقي وتحليلاته سيظل يعمل ما دام الرؤوس الكبيرة المديره له، ما زالت مجهولة الإقامة!. 

يحرص قادة المهربين بشدة على تجنب كشف هوياتهم الحقيقة أمام ضحاياهم من البشر، الطامحين للخلاص من ويلات الحروب والجوع، وطبعاً استحالة كشف اللثام عن وجوههم أمام ملاحقيهم

قد ينال إعجابكم

حوارات

أيام رعب في مقديشو

مخرج نرويجي يكلف جنديين من بوروندي بتسجيل ما يصادفهما من أحداث صعبة في الصومال، ليتحول فيما بعد إلى وثائقي يعرض في عدد...