نقد سينمائي

"الثالث عشر" يكشف عبودية سود أمريكا

أمير العمري

فيلم جديد مثير عن العنصرية والتعصب والعنف الممنهج ضد السود من الأفارقة الأمريكيين، يكشف النظام القانوني الظالم المتعسف، والاستمرار غير الرسمي لنظام الرق، والاستعانة بطرق أخرى للإبقاء على الاستغلال "الاقتصادي" للسود من خلال السخرة (وهو أصل فكرة العبودية).. كل هذه القضايا الحساسة يعرضها ويحللها الفيلم الذي رشح لأوسكار أفضل فيلم وثائقي طويل "الثالث عشر" The 13th.
من خلال الصور، والرسوم البيانية، ورسوم الجرافيكس، والأغاني، واللقطات الوثائقية (الأرشيفية) والتسجيلات الصوتية، والمقابلات الموزعة بشكل دقيق، يتشكل نسيج الفيلم الذي أخرجته أفا دي فيرني Ava du Vernay، ليكشف بشكل صادم وغير مسبوق، ما يتعرض له "الأفارقة الأمريكيون" أي السود في الولايات من اضطهاد، منذ عصر العبودية إلى العصر الحالي، مرورا بعصر الاعتقالات الجماعية العشوائية والتوقيف وتفتيش الأفراد وإهانتهم علانية، واقتحام المنازل ليلا، والتوسع الكبير في بناء السجون مع الارتفاع الكبير المستمر بشكل جنوني في أعداد السجناء عاما بعد عام، بحيث أصبحت "البديل العصري" للمزارع الإقطاعية التي كان يتم فيها استغلال "العبيد" وتشغيلهم إجباريا.

تلخص اللقطة قصة الفيلم عن التعديل الذي يتحول بموجبه الأفريقي الأمريكي الأسود من "رقيق" إلى "مدان"  
مخرجة الفيلم- أفا دي فيرني- سينمائية وناشطة ضمن الأفارقة الأمريكيين، وهي مخرجة الفيلم الروائي "سيلما" الذي رشح قبل عامين لجائزة الجولدن جلوب والأوسكار لأحسن فيلم، كما حصل فيلمها السابق "وسط لاشئ" على جائزة أحسن إخراج في مهرجان سندانس. ولأنها صاحبة رؤية وموقف، وتعرف موضوعها وقد درسته جيدا من جميع جوانبه التاريخية، فإنها لا تتخذ موقفا محايدا أو وسطيا، بل تعرض من خلال رؤية محددة، تفضح وتكشف وتحتج وتدين، دون تعليق مباشر من جانبها، بل تترك الرأي والشرح والتعليق على كل ما يأتي من معلومات وصور موثقة، لمن يتحدثون في الفيلم سواء من الخبراء والمعلقين والسياسيين والمسؤولين السابقين وأساتذة الجامعات، أو من كانوا من الناشطين في حركة الحقوق المدنية في الماضي وعلى رأسهم أنجيلا ديفيز التي تظهر في وقتنا الحالي بعد ان تجاوزت السبعين من عمرها، وهي مازالت تحتفظ برونقها وجمالها وقوة شخصيتها، تتحدث أمام الكاميرا مباشرة، وتروي ذكرياتها عن فترة النضال التي بلغت ذروتها في أواخر الستينيات وأوائل السبعينيات، وكيف كان مطلوبا أن تتم تصفية جميع قيادات الأقلية السوداء في أمريكا واحدا بعد آخر بالاغتيال.
عندما يلقى القبض على أنجيلا ديفيز نشاهد الرئيس الأمريكي الأسبق ريتشارد نيكسون وهو يظهر بجوار إدجار هوفر مدير مكتب المباحث الفيدرالية، يهنئ رجال المباحث بالقبض على ديفيز ويعتبره انتصارا كبيرا. ثم نرى ديفيز في لقطات أرشيفية (بالأبيض والأسود) أثناء محاكمتها التي تنتهي بإطلاق سراحها، فتخرج على الفور لكي تدلي بتصريحات قوية أمام الكاميرا في إدانة سياسة التمييز العنصري في الولايات المتحدة.

عدد السود في السجون الأمريكية تزايد بشكل هائل للدرجة التي تحدث فيها البعض عن تحولها لبديل عن مزارع الإقطاع قديما

يبدأ الفيلم بصوت الرئيس باراك أوباما على خلفية شاشة سوداء، وهو يعلن أن عدد سكان الولايات المتحدة يمثل 5 في المائة من عدد سكان العالم، إلا أن عدد نزلاء السجون يبلغ 25 في المائة من عدد السجناء في كل سجون العالم. أما "الثالث عشر" فهو عنوان الفيلم فالمقصود به البند الثالث عشر الذي أضيف إلى الدستور الأمريكي عام 1865 والذي ينص على تحريم الرق واستعباد البشر، مع استثناء مرتكبي الجرائم الذين تصدر عليهم أحكام بالإدانة (هذا الاستثناء تم التعتيم عليه وتجاهله طويلا). وتصور المخرجة باستخدام الوثائق كيف كان ممكنا أن يعاد اعتقال نفس "العبيد" الذين تم إعتاقهم بدعوى ارتكابهم جرائم ولو صغيرة، والحكم عليهم وإعادتهم للعمل في مزارع السادة مجددا في الجنوب الأمريكي!
يمكن تقسيم الفيلم إلى عدة أقسام، تصور "تيمات" مختلفة تصب في ذات الموضوع الأساسي، تربط المخرجة بينها تارة عن طريق الأغاني (من الراب والروك وغيرهما) مع ظهور كلمة "مجرم" على الشاشة في بداية كل فصل، وتارة أخرى بإظهار أرقام ورسوم بيانية توضح الارتفاع المستمر في عدد نزلاء السجون الأمريكية مع تعاقب الزمن. 
أما الفصول التي لا تحمل عناوين محددة وتتداخل "تيماتها" أحيانا، فهي تتناول معاناة السود الأمريكيين من البداية، أي منذ فترة الحرب الأهلية وما بعدها، ثم صدور تشريع خاص للتعامل مع السود في الجنوب الأمريكي، والممارسات الهمجية التي مارسها البيض العنصريون ضد السود لمجرد الشك، ثم هيمنة صورة محددة مرتبطة بالإجرام للشخص الأسود عبر الإعلام، ثم ننتقل إلى مرحلة الحقوق المدنية ومسيرة مارتن لوثر كنج ونهوض حركة المقاومة المسلحة ضد نظام التمييز، وظهور "الفهود السود" وما وقع لرموز هذه الحركة وعلى رأسهم مالكولم إكس من تصفية عن طريق التآمر وزرع العملاء (هناك لقطات كثيرة من الأرشيف تذكرنا بفيلم "الفهود السود: طليعة الثورة" الذي قدمنا له تحليلا نقديا على هذا الموقع قبل فترة)، ثم إقرار وثيقة الحقوق المدنية والمساواة في عهد الرئيس جونسون، ومع ذلك تصور المخرجة كيف تم الالتفاف على هذه الوثيقة في عهد الرئيس نيكسون مع الإعلان عن السياسة التي أطلق عليها "إقرار القانون والنظام" في أوائل السبعينيات، والتوسع في اعتقال السود الأمريكيين وتوقيفهم وتفتيشهم بموجب تشريعات جديدة، والتوسع في بناء السجون وارتفاع أعداد السجناء، بزعم التصدي لمكافحة الجريمة والخروج على القانون، وهي السياسة التي انعكست بالسلب على حياة السود الأمريكيين بوجه خاص.

فصّل الفيلم للحملات الممنهجة ضد رموز مقاومة السود في أمريكا ومنهم داعية الحقوق المدنية الشهير مارتن لوثر كينج.

ولعل من أقوى اللقطات التي يتضمنها الفيلم ظهور نيوت جنجريتش رئيس مجلس النواب الأمريكي الأسبق، وهو جمهوري، ولكنه يقول بشكل صادم "إن الأمريكيين البيض لا يمكنهم أن يتخيلوا وضع الأمريكيين السود في الولايات المتحدة".
يصور الفيلم باستخدام الكثير من اللقطات والمشاهد الوثائقية (من الأرشيف) الاعتداءات العنيفة على السود في الشوارع، وضربهم وإهانتهم، وكيف مارست الشرطة قتل الأبرياء ومنهم حالة الصبي الأسود ت. تيل (15 عاما) الذي قتل بوحشية في الشارع على أيدي جماعات الغوغاء من البيض للاشتباه في إقامته علاقة جنسية مع فتاة بيضاء. ويظهر أمام الكاميرا "جون إرليكمان" الذي كان مساعدا للرئيس نيكسون، يعترف بأن نيسكون كان يستهدف من إصدار تلك التشريعات، الشباب المعارض لحرب فيتنام، والأمريكيين السود، كما استغل التشدد في معاداة الأقلية السوداء سياسيا في التقرب من الأمريكيين المحافظين في ولايات الجنوب (التي تتفشى فيها العنصرية ونزعة التشكك تجاه السود بسبب أحداث الماضي) وإقناعهم بأن مصلحتهم وأمنهم يكمن معه هو ومع حزبه ليس مع الحزب الديمقراطي.

مع مجيء الرئيس رونالد ريجان الذي نراه وهو يعلن في الفيلم من خلال لقطات أرشيفية، سياسة الحرب ضد المخدرات، ثم يقدم قرينته السيدة نانسي التي تطالب الأمريكيين برفض شراء المخدرات، تبدأ سياسة القبضة الحديدية والقمع والاعتقال الجماعي والتفتيش العشوائي، وتستمر طوال سنوات التسعينيات، ونرى الكثير من مظاهرها، ونستمع إلى تحليل الخبراء وأساتذة العلوم السياسية والنشطاء السابقين، عن تلك الفترة. ولعل من أهم ما يأتي به الفيلم انه يركز على التعامل مع الظاهرة في إطار المصلحة الاقتصادية أساسا، أي أن المخرجة تضع سياقا سياسيا واقتصاديا لموضوع استغلال السود بل وحتى اعتقالهم بأعداد كبيرة، بهدف تشغيلهم كقوة عمل مجانية داخل مؤسسات السجون بدعوى مكافحة العنف والمخدرات، في حين أن الإحصاءات تبين أن أعمال العنف التي يرتكبها أفراد من البيض الأمريكيين تفوق كثيرا نظراءهم من السود.

أنجيلا ديفيز من الوجوه التي قادت حركة كفاح السود الأمريكيين للمطالبة بحقوقهم المدنية في الستينيات والسبعينيات من القرن العشرين.

من هذا الفصل سنصل بعد ذلك إلى الفصل الخاص بشرح التوسع في نظام السجون التي أصبحت تبنيها وتديرها شركات واحتكارات خاصة، ثم ظهور تحالف يمثل الشركات الصناعية الأمريكية ورجال السياسة من المشرعين في الكونجرس وغيرهم، وكيف يتولى أصحاب الاحتكارات الصناعية تمويل ودعم المشاريع السياسية الرامية إلى التوسع في عمليات الاعتقال والتجريم. ويشرح بعض المتدخلين خطورة هذا التوجه على النظام القانوني الأمريكي نفسه.
ومما يكشفه هذا الفيلم الوثائقي المتميز كيف تمارس الضغوط والمساومات بين الشرطة والمشتبه فيهم، بحيث يتم إقناعهم بالاعتراف بارتكاب جرائم عجزت الشرطة عن إثبات ارتكابهم لها، مقابل الحصول على أحكام مخففة بالسجن لثلاث أو خمس سنوات بدلا من 15 سنة مثلا، وكذلك استخدام قانون يسمح بالسجن مدى الحياة في حالة تكرار ارتكاب الجريمة مرتين بعد المرة الأولى وهو القانون الذي يعرف بـ"الضربات الثلاث"، ثم يظهر الرئيس بيل كلينتون- في إطار الحملة الانتخابية لزوجته هيلاري- لكي يعترف بأنه كان مخطئا عندما أقر هذا القانون، وبأن ضرره أكثر من فائدته، وأنه لم يساهم في الحد من الجريمة.
وفي لقطات وثائقية نادرة قديمة، نشاهد كيف كان دونالد ترامب يلقي كلمة في أنصاره يعرب فيها عن تطلعه إلى "أمريكا التي نحبها جميعا" بينما نشاهد أنصاره يعتدون على المعارضين وينكلون بهم، في تقابل مع لقطات وثائقية للاعتداءات العنصرية في الخمسينيات والستينيات على المطالبين بالمساواة في الحقوق المدنية.

لقطة من فيلم "الثالث عشر"

تتوقف دي فيرني في الفيلم طويلا أمام فيلم "مولد أمة" (1916) لرائد السينما الأمريكية ديفيد وورك جريفث، الذي لا يوجد خلاف على قيمته الفنية، لكن احتفاله بالعنصرية كان واضحا، بل واحتفاؤه بالولادة الثانية لمنظمة "كوكلوكس كلان" العنصرية التي ارتكبت الكثير من الفظائع ضد السود، وكان الفيلم هو العمل السينمائي الأول الذي ألهم الحركة أيضا باستخدام الصليب المشتعل بالنار شعارا لها خلال قيامها بشنق السود والتنكيل بهم في مشاهد تقشعر لها الأبدان. 
يختتم الفيلم بإحصائية جديدة تلفت نظرنا إلى الارتفاع الكبير في عدد نزلاء السجون الأمريكية، فقد كان في السبعينيات 357 ألفا و292، فأصبح في الثمانينيات 513 ألف سجين، ثم ارتفع في التسعينيات إلى مليون و179 ألفا و200 سجين، وبلغ حاليا 2.3 مليون سجين.
ربما يعاني الفيلم من بعض الإطالة (ساعة و40 دقيقة)، وبعض الاستطرادات والتكرار، وكثرة الشخصيات التي تتحدث أمام الكاميرا، والانتقالات السريعة أحيانا فيما بين هذه الشخصيات على نحو يسبب الإرباك أحيانا، والتداخل بين الأفكار المختلفة التي كان من الأفضل تقسيمها كما أشرت- إلى فصول محددة تحمل عناوين مختلفة- إلا أنه بشكل عام يعتبر وثيقة غير مسبوقة ضد العنصرية، تكشف الكثير مما خفى، ليس فقط على المشاهدين في العالم، بل وعلى معظم أبناء الشعب الأمريكي.

  
 

قد ينال إعجابكم