نقد سينمائي

"الحقيقة" بين السلطة الرابعة والسياسة

يارا بدر

شهد الإعلام العربي خلال العقد المنصرم وبفضل عوامل مُتعددّة صحوّة نوعيّة خاصة على مستوى المتابعة, تمثّلت في الفضائيّات الإخبارية, وذلك بعد الانتكاسة المؤلمة التي أوقعتها به سنوات الستينات وما تلاها من مآثم الحكم القمعي التسلطي في معظم البلاد العربية طوال النصف الثاني من القرن المنصرم.

إلاّ أنّ الإعلام العربي بمعظمه لم يزل فقيراً يقارب السطح في أغلب الأحوال نظراً لغياب القوانين التي تحمي الصحفي والمعلومة, مثل الحق بالحصول الحُرّ على المعلومات وتبادلها, وحق الصحفي في حماية مصادره. ولطالما اهتمّت السينما العالمية بتصوير الثمن الباهظ الذي يدفعه الصحفي في سبيل "إخبار الحقيقة", ومن أشهر الأمثلة فيلم (Nothing But the Truth)  عام 2008 حول قضية "جوديث ميلر" المراسلة الصحافية السابقة لصحيفة "نيويورك تايمز" التي قضت 85 يومًا في السجن في عام 2005 أثناء نضالها لحماية مصدر معلوماتها.

الفيلم الأحدث لعام 2015 حمل عنواناً مشابهاً جداً "الحقيقة - Truth" ولكنه اشتغل على الجهة المقابلة التي تشكّل مقاربتها مخاطرة, فكيف تنتصر للصحفي الذي يتحمّل الكثير من الصعوبات ويواجه الكثير من المخاطر ولكن تعرّض في الوقت نفسه إلى الأخطاء التي ربما وقع بها هذا الصحفي؟!

بهذه الحساسيّة يشتغل المخرج "جيمس فاندربيلت" فيلمه الأوّل"Truth" المُستَنِد إلى مذكرات "ماري ميبس" المُنتجة والصحفية السابقة في قناة "سي.بي.إس نيوز" الأمريكية الشهيرة, التي نشرت عام 2005 وتناولت بشكل أساسي التقرير الذي بثته القناة في برنامج (60 دقيقة) عام 2004، وتحدّث عن وثائق يُفترض أنّ ضابط أمريكي رفيع المستوى كتبها, وتتحدّث هذه الوثائق عن أنّ الرئيس الأميركي - آنذاك - "جورج بوش" لم يتم الساعات المحددة للتمرين العسكري أثناء خدمته في الجيش في سبعينات القرن الماضي، وكان يحظى بمعاملة تفضيلية, وأنّ انتسابه أصلاً إلى سلاح الطيران كان بهدف التهرّب من الالتحاق بالقوات المقاتلة في فيتنام. على إثر بث التقرير، خضعت "ميبس" وشريكها في البرنامج المُقدّم والمُحاور "دان ريذر" وفريقهما، للتحقيق بشأن عملية إعداد موضوع الحلقة، وعلى إثر ذلك طُردت "ميبس" من وظيفتها وتنحى "ريذر" بعد 42 عاماً من تعاونه مع الشبكة.

هل السؤال عن الحقيقة أم عن المهنيّة؟

يبدأ الفيلم بداية موفقة جداً, مع "ميبس" التي تعرّف نفسها بكونها الصحفية التي كشفت قصتها حقيقة ما كان يجري في سجن "أبوغريب" من تعذيب للسجناء ونالت عن تحقيقها الذي أعدّته لصالح "سي.بي.إس نيوز" جائزة "Peabody Award" عام 2005, أي في الوقت الذي انتهى فيه عملها مع الشبكة بعد ما عرف بقضية "وثائق كيليان المثيرة للجدل".

تختار "ماري ميبس" الناجحة قصتها الجديدة بعد فضيحة "سجن أبو غريب", تختار فريق عملها, وتباشر البحث في حقيقة انتساب "جورج بوش" لسلاح الطيران في الوقت الذي كانت أمريكا تشهد فيه عاصفة الانتخابات الأمريكية و"بوش" يقود حملته بهدف تجديد رئاسته للولايات المتحدة الأمريكية, تحصل "ميبس" على نسخ من وثائق تتحدث عن المعاملة التفضيليّة التي تلقاها "بوش" وكيف لعب نفوذ عائلته دوراً في إتمام انتسابه بهدف حمايته من الذهاب للقتال في فيتنام.

ترسل "ميبس" الوثائق للمدققين وعددهم أربع, في الوقت الذي تضغط فيه على فريقها لإتمام تحقيقهم في الوقت الضيّق الذي أتاحه مديرها لأنّ موعد بثّ التقرير حُدّد بوقتٍ مُسبق. تحصل "ميبس" على تأكيد اثنين من المدققين ولا جواب من اثنين آخرين. تتصل بمصدرها لتسأله عن كيفيّة حصوله على الوثائق فيخبرها باسم شخص سرّبها له. تبث "ميبس" التقرير.

في محاكمة خاصة تجريها الشبكة لـ"ميبس" وفريق عملها، يدور جدل كثير حول مواقفها السياسية وهل هي متحيّزة ضدّ سياسات الرئيس "بوش" وهل للتقرير ووقت إصداره غايات سياسية هدفها تشويه صورة الرئيس لدى الرأي العام الأمريكي, تحارب "ميبس" ضدّ هذه الآراء وبأنّها فبركت الوثائق وضدّ الاتهامات الأخرى التي كما تقول لهيئة المحكمة: "نسأل الكثير من الأسئلة بهدف أنّ ننسى السؤال الحقيقي." هنا يرد عليها أحد أعضاء الهيئة وهو "لويس بوكاردي" الرئيس المتقاعد والمدير التنفيذي للـ "أسوشيتد برس": لكنك لم تتمكنّي من إثبات ذلك.

هنا يكمن المستوى الثاني في قراءة الفيلم: هل قامت "ماري ميبس" بواجبها كصحفية حقيقة؟! أم أنّها وفي غمرة ثقتها بنفسها بعد نجاح أكثر من تحقيق أعدّته وبخاصة المتعلق بسجن "أبو غريب" وتحت ضغط الوقت الذي فُرِضَ عليها, فإنّها تغاضت عن التحقيق في الاسم الذي أعطي لها باعتباره المُسرّب للوثائق, والذي كشف التحقيق بعد بثّ التقرير أنّه كان اسماً كاذباً. كما تغاضت عن التدقيق في النسخ وعن التحقّق أكثر حيث أنّ اثنان من المُدققين الذين اختارتهم هي لم يؤكدوا صحّة الوثائق. هل طلبت "ميبس" جواباً من جهة "بوش" أو عائلته أو حتى سلاح الطيران؟

"ماري ميبس" صحفية ممتازة ممّا لا شك فيه, وهي تدرك حقيقة أنّها كانت بحاجة لأن تعمل على قصتها لوقت أطول وبهدوء أكثر, ربما كما فعل فريق "Spotlight", ولهذا فقد عنونت كتابها الذي تحدّث عن هذه التجربة واستند الفيلم إليه: (الحقيقة والواجب: الصحافة, الرئيس وامتياز السلطة), أجل ربما كانت "ماري ميبس" مُحقّة لكنها للأسف لم تقم بواجبها المهني على أكمل وجه ممّا جعلها وفريق عملها بأكلمه هدفاً سهلاً لامتيازات السلطة السياسية الواسعة وكان الثمن باهظاً بخسارة الإعلام الأمريكي مساهمات إعلاميين من طراز "ماري ميبس" و"دان ريدز".

 المواجهة بين الصحافة وامتيازات السلطة السياسية:

فيلم "الحقيقة - Truth" وعلى الرغم من أسماء الممثلين المهميّن الذين شاركوا في الفيلم (كيت بلانشيت وربورت ريدفورد) فإنّه أخفق في تحقيق النجاح المطلوب جماهيرياً ونقدياً, وهو كما فيلم "Kill The Messenger" لعام 2014 يتحدث عن العلاقة شديدة الإشكالية بين السلطة السياسية والصحافة. وللاثنين ذات النهاية الحزينة, فالصحفي "غاري ويب" في فيلم مايكل كوستا "Kill the Messenger" دَمَرتْ حملة تشويه قاسية حياته تماماً بعدما كشف تورط وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية CIA في تسليح متمردِّي الكونترا في نيكاراغوا واستيراد الكوكايين إلى كاليفورنيا, وهي الوقائع التي نشرها في سلسلته Dark Alliance عام 1996، لكنه في المقابل خسر عمله وطلقته زوجته وأخذت الأطفال وحاولت الوكالة تصويره بكونه مختلّ عقلياً.

نقلت الصحف والمواقع الإخبارية عن الممثلة القديرة "كيت بلانشيت" قولها لوكالة الأنباء "رويترز": (إنّ الفيلم يُجسّد المشكلة التي تواجه القرّاء في محاولتهم للوصول إلى أي شيء قد يشبه الحقيقة). فهل هم القرّاء الذين يواجهون المشاكل أم أنّهم الصحفيون لأنّهم هم من يعملون على كشف الحقيقة؟ في الواقع يعكس تعليق "بلانشيت" الحائزة على الأوسكار الاختلاف في مستويات قراءة الفيلم. المستوى الأوّل: ما هي الحقيقة؟

اللافت أنّه على في بعض الأحيان وبعض البلدان ما يبدو من الأسهل كشف فساد السلطة الدينية على محاربة فساد السلطة السياسية فإلى اليوم تطوّل قائمة الأفلام التي تحارب إعلاميّا ليتم تطويقها وتغليفها في طيّ النسيان إن قاربت مساحات الفساد السياسي من "ليلة طيبة وحظّاً سعيداً" لجورج كلوني إخراجاً عام (2005) حتى (Kill the Messenger) وليس انتهاءً بـ (Truth) على سبيل المثال لا الحصر. في حين نجح فيلم "spotlight" لعام 2015 جماهيريّاً ونقديّاً, والفيلم يتناول التحقيق الاستقصائي الذي قام به فريق عمل "spotlight" من صحيفة "بوسطن غلوب" قبل وقت ليس بالطويل كثيراً (2001-2002) وكشف انتهاكات بعض رجال الدين في ولاية "بوسطن" لسلطتهم الكَنَسيّة للتحرّش بالأطفال, حيث رشِّح الفيلم لستة جوائز أوسكار، فاز باثنتن منها هي جائزة أفضل فيلم وأفضل سيناريو أصلي لـ"توماس مكارثي" الذي أخرج الفيلم أيضاً.

تقول "جوديث ميلر" في أحد تصريحاتها بشأن تقاريرها عن العراق وتطوير نظام الرئيس العراقي السابق "صدام حسين" لأسلحة الدمار الشامل: (إذا كانت مصادرك خاطئة فأنت مخطئ), وهي نصيحة قيّمة جداً لو أنّ "ميبس" انتبهت إليها, لكن وفي جميع الأحوال فإنّ عالمنا العربي لا يعترف بالمصادر ولا بحمايتها, ولم يزل فقيراً في مشهديته الإعلاميّة حدّ القحط من الأعمال الصحفيّة الجادة والمتميّزة ذات المهنيّة العالية التي يُحاسب وفقاً لها, تلك النماذج من الأعمال التي تتجرّأ على طرح الأسئلة الأكثر قسوّة تجاه كل منظومات الفساد التي نعيش في ظلّها. إعلام مُتحرّر بشكلٍ كامل من أيّ سلطة عليا سوى سلطة قيم المهنة ذاتها.

قد ينال إعجابكم

متابعات

المخرج الخفيّ

في كل كارثة إنسانيّة، ما عليهم إلا أخذ تصريحات المسئولين قولًا واحدًا وفردها بنشابة مناسبة لتصير فيلمًا وطنيًّا يلعب...
متابعات

فينسيا 74: جوائز مُستحقة

في مفاجأة مُستحقة، فاز بجائزة أفضل ممثل، الفلسطيني "كامل الباشا"، عن دور المهندس "ياسر"، في فيلم المخرج اللبناني زياد...