نقد سينمائي

"الدائرة " .. وداعاً للخصوصية

     مروة صبري

يناقش فيلم "الدائرة" فكرة المراقبة للبشر وذلك من خلال شركة تحمل نفس الاسم تحاول ترويج الكاميرات كأداة مراقبة تجعلنا كبشر نبرز أفضل ما فينا، فتنقل المجتمع إلى الشفافيّة.

تسريبات قناة مكملين..إدوارد سنودن..،جوليان أسانج وغيرهم ممن انتشرت أنباؤهم بسبب كشفهم لوثائق ومكالمات شديدة السريّة تمس حكومات وسياستها، لا يمكن أن تنفك عن موضوع فيلم "الدائرة" The Circle بطولة إيما واتسون وتوم هانكس ومن إخراج جيمس بونزولدت. الفيلم يحكي قصة ميّ (Emma Watson) التي تعمل في خدمة العملاء في إحدى الشركات، ويعاني والدها من مرض التصلب المتعدد فتراعيه والدتها. ومع عدم وجود تأمين صحي يغطي العلاج، باتت ميّ تسعى لإيجاد وظيفة مجديّة، وقد ساعدتها صديقة لها من كبار موظفي شركة The Circle أن تحصل عليها. الشركة الجديدة تنتج كاميرات فائقة التكنولوجيا  رغم صغر حجمها، وتحاول الشركة ترويجها كأداة مراقبة تجعلنا كبشر نبرز أفضل ما فينا، فتنقل المجتمع إلى الشفافيّة التي ستقلل الجرائم وتعجّل بالقبض على المجرمين الهاربين، وتسجل انتهاكات حقوق الإنسان دون حاجة لإذن تصوير. ومع تكرار تلك الجملة الأخيرة على لسان إيمون بيلي (توم هانكس)، ظهر في الخلفيّة صورة لمتظاهرين مصريين يحملون أعلامًا مصريّة يبدو أنّها التقطت خلال ثورة يناير 2011، كمثال على تلك الانتهاكات. لم يكن بيلي أحد مؤسسي الشركة يتحدث عن بلاده بل كان يرسم صورة مراقبة عالميّة.

بمجرد أن عملت ميّ في الشركة الجديدة، تبدلت حياتها. الشركة لها إمكانيات عاليّة وتروّج لفكرة مشاركة تفاصيل حياة كل موّظف مع غيره ليتعاون الجميع ويتجمع ذوي الاهتمامات المشتركة. طلب منها أن تقضي وقتًا أطول "طواعيّة" في الشركة، حتى في العطلات الأسبوعيّة، وأن تسجّل كل ما يدور في حياتها في مقابل درجات تقييميّة، الهدف هو الحصول على درجة كاملة "طواعيّة" أيضًا. شاركت ميّ صورة لنجفة تشبه قرون الغزال صنعها صديق طفولتها ميرسر كهديّة لوالديها، فأخطأها البعض وهاجموه على أنّه قاتل للغزلان. ثمّ ما لبث أن تطور الأمر إلى تلقيه تهديدات بالقتل، وعرف بقاتل الغزلان رغم محاولات إيضاحه المستمرة. ذهب ميرسر واشتكى لميّ من أنّه لم يكن له وجود على النت وكان مشغولًا بعمله حتى كتبت هيّ عنه، قال أنّه لا يريد هذه الحياة المراقبة وأنّه سيبتعد عنها. غضبت ميّ فذهبت إلى شاطيء المحيط بالليل وأخذت قاربًا دون إذن. انقلب القارب وكادت أن تغرق لولا رآها بيلي من خلال الكاميرات التي نثرها عند الشواطيء، فأرسل طائرة هليوكوبتر بموقعها وبذلك أنقذ حياتها وحازت انتباهه.

الأسرار أكاذيب

وافقت ميّ على مشاركة تجربتها مع الموظفين ومع الجمهور واعترفت بأنّها لم تكن لتسرق قاربًا لو علمت أنّها مراقبة ولذلك لم تمانع "طواعيّة" أن ترتدي إحدى الكاميرات الحديثة التي أنتجتها الشركة لتسجل كل حياتها فيما عدا لحظات نداء الطبيعة. باختصار ستصبح مثل نجوم اليوتيوب، إنستجرام، فيس بوك، تويتر أو غيرها من وسائل الإعلام الذين يسجلون عليها كل حياتهم لكن نقلها سيكون مباشرًا. فقد آمنت ميّ برسالة الشركة وتوصلت لأنّ الأسرار أكاذيب وأنّ الشفافيّة هيّ أفضل وسيلة لمجتمع مسئول.

طالب بيلي بتعميم التجربة على الحكومات والساسة ليعلم الناخبون كل شيء عن ممثليهم، إن كانوا يقومون بعملهم حقًا، إن كانوا هم الشخوص المناسبة في المناصب المناسبة، إن كان اتخاذ القرارات وإنفاق الأموال في محله.

المعرفة أمر جيدّ أمّا معرفة كل شيء فأفضل
الهمّة والتفاؤل والحماس لمشروع تعميم المراقبة التي نقلتها تعبيرات وجه بيلي ببراعة وتحدثه عن الحكومات وعن حقوق الإنسان وعن تخفيض نسبة الجرائم والعثور على المفقودين وغيرها من أهداف نبيلة تنتقل إلى المشاهد وترتسم أمامه صورة مثاليّة للكوّن، هي صورة متسقة مع كل الأديان، ألسنا مطالبون بمراقبة الله عز وجل في كل خطوة والسبيل لذلك هو استشعار أنّنا مراقبون؟ ما فعله بيلي هو توفير آداة محسوسة للمراقبة لا تعتمد على الإيمان، ويحصل المشارك على ردود أفعال فوريّة من المتابعين. الفارق الأهم هو أنّ المعلومات تخزن عند تلك الشركات ولا تجزيء فيها التوبة فالبشر غير معروفين بالغفران عامة. ولا أظن أنّ أحدًا يشارك أيّ شيء على وسائل التواصل الاجتماعيّة دون أن يساوره شك في أين ستنتهي تلك المعلومات؟ وهل من الممكن أن تؤخذ ضده يومًا ما إن دارت الدوائر؟ وهل يمكن أن يتقصده أحدهم أو يتقصد أفراد أسرته بسببها؟

لعب المممثل " توم هانكس" دور "إيمون بيلي "صاحب الشركة والفكرة في الفيلم وتحدث عن أهميتها في تخفيض نسبة الجرائم والعثور على المفقودين وغيرها من أهداف نبيلة .

وادي السيليكون

تدور أحداث الفيلم في وادي السيليكون Silicon Valley وهو يقع في شمال ولاية كاليفورنيا، معقل شركات الكمبيوتر في العالم. المنطقة تحتوي على المقرات الأساسيّة لكبرى شركات العالم مثل غوغل، آبل، فيس بوك، تويتر، مايكروسوفت، أمازون وغيرهم. ومن السهل أن نتساءل أيّ شركة من هؤلاء تحاكي شركة الدائرة أو The Circle والإجابة أنّهم مجتمعون يحاكونها، فكم المعلومات والأسرار التي تعرفها تلك الشركات عنّا بطريق مباشر أو غير مباشر تقشعر له الأبدان. بعض هذه الشركات توحش في الحجم والقوة، وصاروا يعرفون عن الناس معلومات كانت تستدعي أمر محكمة للحصول عليها، وحين نفكر في الموضوع بموضوعيّة نجد أنّ معظم تلك المعلومات نشاركها "طواعيّة" تمامًا مثل ميّ بطلة القصة، فتلك الشركات تلعب على أوتار ضعيفة في النفس البشريّة من حاجة للتواصل الاجتماعي وحب الشهرة والحوز على الإعجاب مع ضمان الاحتماء وراء شاشة. بمجرد مشاركة أيّ شيء مع هذا العالم المستتر، لا نضمن من يرها بعد ذلك. لكن أليست الشفافيّة من الساسة مع المواطنين حلمنا جميعًا؟ أليس من حق الشعوب أن تعرف ما يحدث في الكواليس؟ ألم تتخذ الشرطة الأمريكيّة قرارًا بلصق كاميرا للمراقبة على سترة الضباط لضمان اتباعهم للقوانين وعدم استغلالهم لمناصبهم وخاصة بعد مقتل العديد من المواطنين السود على أيديهم؟ ألا تستخدم الكاميرات لتجنب الجرائم وملاحقة الجناة في كل مكان حتى في البقالات؟ ما الخطأ في أن يرتديها الجميع وفي هذه الحالة سيتصرف الإنسان بشكل أفضل. لن يكذب. لن يسرق. لن يقتل. لن يتعدى. هذا بالفعل إن استخدمت تلك المعلومات بشكل صحيح في يد هيئة تحمي المجتمع ولم تستخدم لجمع صناديق سوداء ضد المواطنين. فعلى الوجه الآخر لنفس العملة؛ ألم تستخدم بعض أجهزة "الأمن" معلومات المواطنين السريّة لتجنيدهم سواء في بلادهم أو كجواسيس في بلاد أخرى؟ ألم يكن حصول قراصنة المعلومات على صور خاصة لبنات وأبناء عائلات محترمة سببًا في استغلالهم؟ أليس من السهل على مجرم يعرف عادات إنسان ويعرف بالضبط مكانه أن يسرقه أو يخطفه أو يقتله؟ إنّ تلك المشاركة لتفاصيل الحياة سلاح ذو حدين وفي حين يمهر البعض في رسم صورة حالمة لنفسه أمام متابعيه أو يستخدم منتديات التواصل الاجتماعي كبديل لجلسات علاجيّة فيفتح قلبه على مصراعيه ليشارك دواخل أفكاره، نجد العديد ما زالوا يرفضون فتح حساب كما نرى الكثير يرفض مشاركة معلومات شخصيّة ويكتفي بنكات أو طرق وصفات طهيّ مثلًا وغيرها من الموضوعات العامة المنقولة. ما زال رغم الضغوط معظم الناس تحتفظ بخصوصياتها ولا تحب أن تلفت الانتباه إليها، وسيظل ذلك هو الساري مهما تطورت وسائل المشاركة، ومهما تلصصت تلك الشركات والحكومات علينا.

فيلم " الدائرة" من إخراج "جيمس بونزلدت"

كانت ميّ سعيدة بالشهرة الجديدة حتى اختارتها شركة الدائرة لتقدم برنامجًا ترويجيًّا لتلك الكاميرات يبيّن قدرتها الفائقة في العثور على أي شخص في أيّ مكان في الأرض. كانت المهمة الأولى هي الوصول إلى قاتلة هاربة من القانون وبالفعل بلغت عنها إحدى العاملات في مصنع وأبلغت الشرطة. المهمة الثانيّة كانت العثور على ميرسر الذي تعرف ميّ عنه أنّه يتجنب الناس لكن في الفيلم وتحت الضغط من إيمون بيلي ومن الجمهور المصفق، وافقت وتم العثور على ميرسر الذي لاحقه البعض كقاتل للغزلان، فما كان منه إلا أن هرب في سيارته فلم تتركه الكاميرات الطائرة بدون طيار وشتتت فكره فوقع في حادث فتّاك. وهنا كانت نقلة لميّ جعلتها تعيد التفكير في كل من وما سلمت به من قبل. قررت ميّ أن تأخذ الشفافيّة إلى درجة أعلى، وهكذا وبالتعاون مع أحد مؤسسي الشركة وصاحب الاختراع والذي وثق بميّ في الخفاء، استطاعت أن تحصل على نسخ من البريد الخاص المتبادل بين المؤسسين الآخرين؛ إيمون بيلي وتوم ستينتون (باتون أوزوالت) وأرسلتهم لجميع الموظفين وأعلنتها أمام الجمهور والعدسات وألصقت بهما كاميرات مراقبة ليشاركا تفاصيل حياتهما كما يطالبان الغير. وبذلك دارت الدائرة عليهما. فالأهداف النبيلة المعلنة من فكرة انتهاكات الخصوصيّة المقصود بها الجميع أمّا بيلي وستينتون فمن مصلحتهما أن يظلا في الخفاء إلا أنّهما نسجا حبلًا تم وضعه حول رقبتيهما في النهاية.

الشركات والحكومات

تم صنع الفيلم بميزانية ثمانية عشر مليون دولار ووصلت عائداته إلى ثلاثة وثلاثين مليونًا وتسعمئة ألف. فقد غطى نفقات إنتاجه لكن نجاحه لم يكن بالمستوى المتوقع من أبطال مثل هؤلاء. وربما يرجع ذلك لتغطيّة العديد من مشاكل الإنترنت وشبكات التواصل الاجتماعي في فيلم واحد. مشكلة الخصوصيّة تمس أركان مختلفة من الحياة، كالعلاقات الخاصة بين الزوجين ومعلومات الحالة الصحيّة للإنسان وأصوات الناخبين والحكومات وتسجيل الانتهاكات والسلامة الشخصيّة والهاربين من الجرائم والمنعزلين لأسباب شخصيّة وغيرها من جوانب حاول الفيلم أن يعرضها جميعًا من خلال قصة ميّ. الأمر الذي شتّت الجهود والتركيز. رغم  أنّ قصة ميرسر كانت مهمة إلا أنّها لم تأخذ حيّزًا من الوقت يعيّشنا معها ومع أهميّتها للبطلة. في رأيي أنّ التركيز عليها وحدها كان كافيًّا. التركيز على علاقة ميّ بوالديها أيضّا كان كافيًّا لكن التركيز على كل المحاور معًا حال دون مخاطبة المشاعر ودون تطوير الصراع إلى مستوى يشبع العقل لكن مع هذا فإنّ موضوع الفيلم يفتح نقاشات نحتاجها جميعًا ويوّصل لنا نقطة هامة وهيّ أنّ الشركات صارت منافسة للحكومات في قوّتها وكلاهما يحتاج لمراقبة دقيقة من الشعوب.

 

 

قد ينال إعجابكم