نقد سينمائي

الدنمارك في أفغانستان.. الحرب بمنظور أخلاقي

أمير العمري

أفلام كثيرة أُنتجت حول الحرب في أفغانستان، لكن الفيلم الدنماركي صاحب العنوان المجرد البسيط "حرب" A War يختلف كلية عن كل ما عداه من أفلام. صحيح أنه يركز، على الأقل في نصفه الأول- على ما يتعرض له الجنود الدنماركيين في أفغانستان وهم يواجهون الغارات المفاجئة التي يشنها عليهم مسلحو طالبان، أو ما يتعرضون له من ألغام وكمائن وهجمات مفاجئة، إلا أن أساس الفيلم ليس فقط الأزمة النفسية التي يمر بها الجنود وهم يشهدون مقتل رفاقهم، بل الأزمة الأخلاقية التي تنشأ بعد اتخاذ قرار خاطئ يتسبب في مقتل عدد من المدنيين الأبرياء مقابل إنقاذ جندي واحد.

في أرض المعركة بأفغانستان

مخرج الفيلم هو توبياس ليندهولم (39 سنة)  Tobias Lindholm الذي حقق نجاحا كبيرا قبل أربع سنوات بفيلمه الشهير "اختطاف" A Hijacking (2012) الذي كان يصور ببراعة لافتة ومن زاوية إنسانية، قيام مجموعة من القراصنة الصوماليين باختطاف سفينة شحن دنماركية وما يعقب ذلك من مفاوضات شاقة بين الطرفين، وهو الفيلم الذي حاولت هوليوود محاكاته دون نجاح يذكر، بفيلم "القبطان فيليبس".
أما "حرب" فينقسم إلى جزأين منفصلين بحكم المكان، ولكن تجمعهما "وحدة الموضوع". يقوم سيناريو الفيلم على فرضية تبعدنا تماما عن الفكرة المسبقة عن الجندي الأوروبي الذي يواجه أوضاعا شاقة في أفغانستان، فهذا ليس مثل "قناص أمريكي"، الذي كان هدفه الاحتفاء بالبطولة الأمريكية وتبرير القتل، لكننا أمام أزمة أخلاقية تنتج عن وضع صعب حينما يجد ضابط دنماركي نفسه أمام خيارين: إما أن يكذب لإنقاذ نفسه وأسرته، أو يعترف بالحقيقة ويدخل السجن.

أزمة البطل

يبدأ الفيلم ويستمر لما يقرب من ساعة، في أفغانستان (دار التصوير الفعلي في تركيا) حيث نتابع ما تواجهه وحدة عسكرية دنماركية تتمركز في قاعدة تقع في منطقة نائية، وتتعرض لهجمات طالبان. قائد هذه الوحدة هو الضابط "كلاوس" الذي يتصف بالجدية والشجاعة، يتقدم جنوده عند خروجهم في أعمال الدورية، يواجه معهم ما يتعين عليهم مواجهته، يتمتع بالاستقامة الأخلاقية، ويشحذ همة جنوده، ويساعدهم في مواجهة المواقف الصعبة، خلال إحدى الدوريات ينفجر لغم يؤدي إلى مصرع أحد جنود الوحدة ما يترك تأثيرا نفسيا سيئا على أحد جنود الوحدة وهو "لطفي" الذي يطلقون عليه "لاسي" (دنماركي من أصل عربي) فيجتمع به كلاوس يحاول أن يخفف من وقع الصدمة عليه.
كلاوس يتمتع بحب رفاقه في السلاح خاصة زميله منذ الطفولة ونائبه في قيادة الوحدة العسكرية "نجيب" (وهو أيضا من أصل عربي). ذات يوم يقترب من بوابة المعسكر، رجل أفغاني يطلب المساعدة في علاج ابنته التي احترق جسدها، يذهب طبيب الوحدة العسكرية يقدم بعض المساعدة ولكنها في حاجة إلى رعاية طبية في مستشفى أكثر من مجرد غسل الحروق بالماء والصابون.

كلاوس يحتضن طفليه

يعود الأفغاني في اليوم التالي مع زوجته وأطفاله، إلى القاعدة العسكرية يطلب اللجوء داخلها بعد أن تلقى تهديدات من طالبان بقتله وجميع افراد عائلته بسبب لجوئه للأجانب طلبا للمساعدة. يرفض كلاوس مصرا على الالتزام بالتعليمات. لكنه يعد الرجل بالذهاب في اليوم التالي لطرد المسلحين الموجودين في المنطقة. وعند شن العملية تتعرض الوحدة لنيران كثيفة ويصاب أحد جنودها "لطفي" إصابة خطيرة مما يدفع كلاوس لطلب تدخل الطيران من أجل توفير الغطاء الجوي لنقل لطفي في مروحية ثم إرساله للعلاج في بريطانيا.

طابع تسجيلي

المشاهد الحربية منفذة بشكل شديد الإقناع، وهي تتميز بالطابع التسجيلي، فالمخرج يستخدم الكاميرا الحرة التي تجعل الصورة تهتز، مع تحريك الكاميرا حركات سريعة مرتجفة من اليمين لليسار وبالعكس لمتابعة تحركات الجنود، وبالتالي تصبح الكاميرا هنا في اقترابها وابتعادها، كما لو كانت تتبع الوحدة العسكرية. هذا الأسلوب الذي يصبغ النصف الأول من الفيلم يمنح الفيلم قوة تأثير لا شك فيها، خاصة وأن تحرك الجنود خلال العمليات يبدو مصمما بدقة متناهية لمطابقة ما يحدث على الأرض في تلك المواجهات.

توتر واضح بين هذا المواطن الأفغاني وجنود الوحدة الدنماركية

ينتقل الفيلم مرات قليلة محسوبة، من خلال المونتاج في النصف الأول إلى كوبنهاغن، لنرى انعكاس غياب الضابط كلاوس على أسرته، فزوجته "ماريا" أصبحت الآن مسؤولة بمفردها عن رعاية أولادهما الثلاثة الذين يفتقدون وجود الأب. والفيلم يريد أن يقول من خلال هذه المشاهد إن غياب الزوج في الحرب خارج الوطن، له ثمن فادح ينعكس سلبا وبصورة قاسية على حياة أسرته، كما أنه يمهد إلى ما سيحدث بعد ذلك.

 

 

قد ينال إعجابكم