نقد سينمائي

"الغرفة 237".. سر ستانلي كوبريك

أمير العمري

هل كان المخرج الأمريكي الراحل ستانلي كوبريك، مهووسا بنفسه، بهواجسه، مسكونا بكوابيسه وخيالاته المرعبة، وهل كان يعكس- ربما دون وعي منه- خوفه الدفين من الماضي الذي عرفه في طفولته، ويحاول التعبير، ولو من خلال الرموز والأشكال الغامضة، عن شعوره بالذنب بسبب ما قيل وتردد كثيرا من جانب المهووسين بـ"نظرية المؤامرة" من أنه قام بإعداد الفيلم الشهير الذي يثبت للعالم أن رواد مكوك الفضاء أبوللو وطئوا بأقدامهم حقا سطح القمر، باستخدام نفس الوسائل التي صنع بها فيلمه الشهير "2001.. أوديسا الفضاء"؟

هذه الفرضيات والتساؤلات، تتردد مع فرضيات واستنتاجات أخرى كثيرة، في الفيلم التسجيلي الطويل "الغرفة 237" Room 237 للمخرج الأمريكي رودني آشر Rodney Ascher الذي يدور بأكمله، حول فيلم "اللمعان" أو "البريق" The Shinning أحد أشهر أفلام كوبريك، الذي أخرجه قبل أكثر من 35 عاما، عن رواية ستيفن كنج المتخصص في أدب الرعب والغموض والخيال العلمي.

يدور فيلم "الغرفة 237" بالكامل حول فيلم كوبريك "بريق"

يصور فيلم "البريق" كيف يصبح "جاك" الحارس الليلي الذي يعمل في فندق كبير هو فندق (أوفرلوك) في جبال كولورادو، مع زوجته وابنه، محبوسين داخل مبنى هذا الفندق الغريب، بعد هبوب عاصفة ثلجية تتسبب في إغلاق الفندق، وكيف تستولي روح الحارس السابق الذي قتل زوجته وطفله على جاك، وتتراءى له أشباح وشخصيات غامضة من الماضي يستطيع ابنه الصغير داني رؤيتها والتخاطر معها، إلى أن يفقد جاك عقله، فيقتل بدوره زوجته وابنه. لكن هذه القصة التي تصلح لصنع فيلم من أفلام الرعب، تجد من بين عشاق سينما ستانلي كوبريك، تفسيرات أخرى بعيدة عن الرؤية الأولية التي تفسر العمل، كما تعثر على الكثير من الإشارات والرموز المدفونة تحت سطح من الصور واللقطات المثيرة، بل وعلى جدران الفندق، وعلى صدور شخصياته، وعلى البساط المفروش على أرضيته.

يمتليء الفيلم بالكثير من التساؤلات والخيالات الملغزة حول كوبريك وخوفه من الماضي.

ألغاز الفيلم

يتحدث في هذا الفيلم التسجيلي المثير خمسة أشخاص، ليس من بينهم ناقد سينمائي واحد، فهم من الباحثين والمؤرخين، فالتحليل الفني للفيلم ليس هدف مخرجه، بل البحث عما يكمن وراء صنعه من الأساس، وما يمكن أن يتضمنه تحت طيات طبقاته المختلفة من أسرار، في كشفها كشف لأسرار مخرجه وصانعه الذي عُرف بدقته الشديدة، واهتمامه الكبير بالبعد عن التصوير الاعتباطي للأشياء. هؤلاء الرجال الخمسة يسعون في هذا الفيلم، للكشف عن أسرار الفيلم ومخرجه، دون أن يزعم أحدهم أنه يمتلك الحقيقة بمفرده، ومن خلال افتراضات تضفي على "البريق" إثارة أكثر ربما من حبكته نفسها.

يتكون الفيلم من لقطات ومشاهد كاملة من فيلم "البريق"، يعاد تقطيعها والتوقف في وسطها، وتعديلها أحيانا لكي نشاهدها من نهاياتها، ثم من بداياتها، ثم من خلال المزج بين البدايات والنهايات، ومحاولة العثور على رموز كامنة بين ثانيا الصور، ومن خلال التناقض بين الصور نفسها بعد مزجها معا على خلفية التصميم الافتراضي للمشهد، من خلال رسوم هندسية دقيقة، كما نرى عند رصد الاختلافات التي تتضح بين مبنى الفندق الذي جرى تصوير الفيلم فيه في بريطانيا، وبين تصميمه الخارجي المعدل الذي يظهر في الفيلم في جبال كولورادو، وبين تفاصيل مشهد يظهر فيه كرسي ثم يختفي في لقطة تالية، ومع تحليل حركة الكاميرا التي لا تهدف لإضفاء معنى فني أو فلسفي فقط، بل يقال لنا هنا إنها تتحرك طبقا لخطة دفينة داخل عقل كوبريك، تُخفي أكثر مما تظهر، ثم التوقف أمام مغزى الرقم 237 وهو رقم الغرفة السرية التي تدور فيها أحداث وتتراءى شخصيات غريبة في فيلم "البريق"، وهنا يختلف المحللون، فهناك من يرى أن الرقم هو المسافة بين الأرض والقمر التي تبلغ 237 ألف ميل، كما أن كوبريك كان سيستخدم الرقم الموجود في الرواية التي اقتبس عنها الفيلم وهو رقم 227، إلا أن إدارة الفندق الذي جرى فيه التصوير، اعترضت على هذا الاختيار خشية من نفور زبائن الفندق من الإقامة في هذه الغرفة فيما بعد، واقترحت بدلا منها رقم 237 لغرفة لم يكن لها وجود في الفندق.

من كواليس تصوير فيلم "بريق" قبل أكثر من 35 عاما.

دماء الهولوكوست

يفترض أول المتحدثين في الفيلم- ولا أهمية هنا للأسماء لأنها لا تأتي في الفيلم مصحوبة بأي صفات تدل عليها- فرضا نظريا حول شعور كوبريك الداخلي بالصدمة منذ أن كان شابا صغيرا (كوبريك من مواليد 1928) مع الكشف عن الفظائع التي ارتكبها الألمان النازيون فيما عرف بـ"المحرقة اليهودية" أو "الهولوكوست" خلال الحرب العالمية الثانية، وربما كان يقصد هنا أيضا، الإشارة إلى أصول كوبريك اليهودية ووعيه الخاص بهذا الحدث الذي ظل راسخا في ضميره. ويفترض المؤرخ نفسه أن هناك مغزى ما يرتبط بالهولوكوست يتمثل في تكرار ظهور رقم 42 في الفيلم، وأنه يشير إلى عام 1942، العام الذي بدأ فيه الألمان ترحيل اليهود إلى معسكرات "الإبادة الجماعية"، كما أن مشهد الدماء التي تتدفق بغزارة من على جانبي المصعد في فيلم "البريق" ترمز لعمليات القتل التي جرت خلال "الهولوكوست"، بل إنه يرى أن رقم الغرفة التي يتوقف أمامها الطفل "داني"- ابن جاك- بعد أن يلمح بابها مفتوحا يبرز منه مفتاح منقوش عليه رقم الغرفة 237، ليس سوى إشارة أخرى إلى عام 42، فهو حصيلة ضرب الأرقام الثلاثة التي يتكون منها رقم الغرفة، أي 2 في 3 في 7. أما المدخل المذهل إلى موضوع الهولوكوست فيكمن فيما لاحظه المؤرخ من الاقتراب من نوع الآلة الكاتبة التي كان يطبع عليها جاك روايته المفترضة (التي ستكتشف زوجته أنه لم يكتبها وكان يدون عبارة واحدة تدل على جنونه) والتي تحمل "ماركة" ألمانية، أي كما لو كانت ترمز إلى "سلاح الجريمة".

هذه التفسيرات التي لا تخطر على بال نقاد السينما، تستمر فيقول متحدث آخر في الفيلم (لا تظهر الشخصيات بهيئاتها بل بأصواتها فقط) إن كلمة "غرفة" Room بالانجليزية مع اختصار كلمة رقم No الموجودتين على المفتاح، ما هما سوى تنويع على كلمة "موون" Moon  أي القمر. وأن كوبريك كان بالتالي يعترف بطريقة رمزية تعتمد على الشيفرة، بدوره القذر في تصوير الفيلم "المزيف" لنزول الإنسان على سطح القمر، وهو رأي يتسق مع آراء أصحاب "نظرية المؤامرة" في هذا المجال.

لم ينفذ كوبريك أيا من مشاهد فيلمه اعتباطيا، فكل لقطة لها رسالة خفية.

إشارات كامنة

ينتقل الفيلم بين مقاطع عديدة من أفلام كوبريك الشهيرة مثل "القتل" و"طرق المجد" و"بندقية محشوة بالكامل" و"باري ليندون" وغيرها، لكي يفسر بعض المتحدثين العلاقة بين بعض لقطاتها وبين ما نشاهده في فيلم "البريق". ويقول أحدهم إن كوبريك كان يشعر بالسأم عندما أخرج فيلم "باري ليندون" الذي يعتبر رغم جمال مناظره وتصويره، تعبيرا مجسدا عن شعور مخرجه بالملل الذي ينعكس بقوة على إيقاعه، ولذلك أراد بعده مباشرة أن يخرج فيلما يكون على النقيض منه، أي يأتي مفعما بالإثارة، مليئا بكل ما يمكن أن يعبر عنه وعن هوسه الشخصي بالعالم وبنفسه. وهو يضرب مثلا على هذا عندما يشير إلى صورة كبيرة لوجه كوبريك يمكن رؤيتها في خلفية اللقطة الأخيرة من فيلم "البريق" للسحب المتجمعة فوق موقع الفندق.

لا يعتقد أي من المتحدثين في الفيلم وهم يشرحون ويحللون ويتوقفون أمام الكثير من اللقطات، أن هناك شيئا جاء في فيلم كوبريك اعتباطا، وأن كل ما قد يبدو وكأنه جاء في السياق بطريقة عفوية، ليس سوى إشارة أو رمز مقصود زرعه كوبريك عامدا، في هذا الموضع أو ذاك، وأصبح متروكا لذكاء المشاهد الذي ربما لا يمكنه أن يضاهي معدل ذكاء كوبريك فأحد المعجبين المهووسين بأفلامه يذكر في الفيلم إنه كان يتمتع بمعدل ذكاء يبلغ 200 نقطة أي أعلى من معدل ذكاء آينشتاين وستيفن كنج وغيرهما.

من النظريات الأخرى المثيرة للاهتمام التي تطرح في الفيلم، أن كوبريك كان يرمز بفيلمه هذا المغرق في الدماء، إلى ما وقع من مذابح وتصفيات لسكان أمريكا الأصليين من الهنود الحمر، ويستند هذا الرأي إلى وجود علبة عليها رسم لرأس هندي أحمر، تحتوي مسحوق "البايكنج باودر"، وهي من نوع "كالوميت"، وهي كلمة تطلق على الغليون الذي كان يستخدمه الهنود الحمر أو سكان أمريكا الأصليون في التدخين.

لم يتضمن فيلم "الغرفة 237" أي رأي نقدي، فالهدف تأصيل الغرض من فيلم "بريق" عوضا عن تحليله.

يتوقف الفيلم طويلا أمام العلاقة بين اهتمام كوبريك الكبير بالفضاء، بما وراء الأرض، بتطور الإنسان حسب نظرية داروين، وبين ما يعكسه في فيلم "البريق"، بل يتوصل الفيلم التسجيلي أيضا إلى احتمال وجود علاقة بين تكوين بعض شخصيات ومناظر فيلم "البريق"، مع مؤثرات ومصادر أخرى بصرية من أفلام قديمة ربما تكون قد تركت تأثيرها على كوبريك الصغير مثل لقطة ظهور الجني وخروجه من المصباح في فيلم "لص بغداد"، والكائن الخرافي "مينوتور" الذي ظهر في الكثير من القصص المصورة والرسوم والأفلام وكان يشكل خيال الأطفال وقت طفولة كوبريك.

لاشك في براعة الفيلم وقدرته على التشويق، بل ولفت الأنظار إلى الكثير من المشاهد الغريبة في فيلم "البريق"، من خلال مونتاج بارع ينتقل بسلاسة بين الصور واللقطات، ويستخدم التقنيات الحديثة في المزج والتداخل والتوقف وإعادة العرض، بل والانتقال، من وقت وآخر، إلى قاعة للعرض السينمائي تمتلئ بالمشاهدين، حيث يمكن مشاهدة مقاطع من الجريدة السينمائية لصعود النازية في ألمانيا، أو لقطات من الأفلام التي يأتي ذكرها في الفيلم كمصادر بصرية لكوبريك، أو من أفلام كوبريك نفسها وعلى رأسها بالطبع "البريق" الذي يعتبر من أفضل أفلامه إلى جانب "2001.. أوديسا الفضاء".  

هل كان كوبريك، مهووسا بنفسه، بهواجسه، مسكونا بكوابيسه وخيالاته المرعبة؟

والفيلم يعتبر سباحة عكس التيار في تحليل الأفلام، اعتمادا على فرضيات هي دون شك، أقرب إلى فرضيات نظرية المؤامرة، التي تغوي الكثيرين حاليا بالبحث فيما وراء ما هو مطروح من وجهة نظر رسمية في تفسير الأحداث التي تقع في عالمنا، لكن الميزة الأساسية لفيلم "الغرفة 237"، هي أنه يدفع دون شك إلى مراجعة فيلم "البريق"، والبحث عن منطق جديد ورؤية مختلفة، لتفسير الكثير من مشاهده بعيدا عن مجرد اعتباره فيلما من أفلام الإثارة والرعب. وهو ما نرى أنه يخدم الفن السينمائي والبحث في العلاقة بين الصورة السينمائية وعلم النفس والفلسفة.

 

 

 

قد ينال إعجابكم