نقد سينمائي

القتل من السماء.. عندما تصبح ألعاب الفيديو حقيقة

أمير العمري

الجيش الأميركي استخدام طائرات الدرون، في إطار ما يعرف بـ"الحرب على الإرهاب" لتدمير أهداف في اليمن والعراق وباكستان وأفغانستان.

لا توجد كلمة واحدة في العربية لمعنى كلمة "درون" (Drone) الإنجليزية، وهي كلمة جديدة تطلق على الطائرة من دون طيار التي تراقب وتصور بدقة ما يحدث على الأرض ويتم تحريكها والتحكم فيها من على مسافة آلاف الأميال من داخل كبائن في القواعد العسكرية الأمريكية بواسطة أجهزة كمبيوتر وأذرع شبيهة بأذرع ألعاب الكمبيوتر. هذه "الدرون" كانت موضوع فيلمين من الأفلام الوثائقية إضافة لفيلم روائي.

الفيلم الروائي هو فيلم "قتل جيد" (Good Kill) من إخراج الأمريكي أندرو نيكول، وهو أول فيلم روائي يتعامل مع موضوع استخدام الجيش الأميركي لطائرات الدرون، في إطار ما يعرف بـ"الحرب على الإرهاب" لتدمير أهداف في اليمن والعراق وباكستان وأفغانستان.

لكننا في الفيلم لا نشاهد الطائرات التي تراقب وترصد وتصور وتتابع وتقصف الأهداف التي يشك الأمريكيون في انتمائها لتنظيمات إرهابية، بل نشاهد كيف تتم عملية القنص والتدمير من مسافة آلاف الأميال، وذلك من خلال شخصية "توم" الطيار الأمريكي الذي انتقل من قيادة الطائرات الحربية للعمل داخل "كابينة" من الصلب في قاعدة عسكرية معزولة، حيث يقوم بمراقبة الأهداف التي تصورها طائرات "الدرون" في أجواء تلك البلدان، وتوجيه الطائرة ثم الضغط على الذراع لقصف الهدف وتدميره بما يشمله من قتل للكثير من الأفراد. وبعد أن ظل توم يمارس هذا العمل لفترة، أصبح يرى أن ما يقوم به من قتل هو عمل جبان، غير أخلاقي، وأصيب بنوبات قلق واكتئاب حرمته من النوم، وتسببت في تدهور علاقته بزوجته.

 

الدرون.. هذه ليست لعبة

تأسس هذا الفيلم، على ما جاء في الفيلم الوثائقي "الدرون.. هذه ليست لعبة" (2015)  (Drone, This is No Game)  للمخرجة الدانماركية تونجي هسين سكي Tonje Hessen Schei التي كانت سباقة في تناول ظاهرة القتل المجهول المفاجئ القادم من السماء عن طريق الطائرات من دون طيار، ويتم توجيهها يدويا من داخل قمرة من الصلب في الصحراء.

يدور الفيلم الوثائقي المصنوع ببراعة حول الضابط الأمريكي براندون براينت الذي ظل يمارس هذا العمل إلى أن أدرك فداحة ما يقوم به من قتل عشوائي للمدنيين الأبرياء في أفغانستان، فقد رأى وتأكد أن هؤلاء لا يشكلون أي خطر على الولايات المتحدة كما يزعم رؤساؤه في مجال تبرير هذا القتل الذي كثيرا ما أدى إلى وقوع مذابح جماعية للمدنيين وبينهم عدد كبير من النساء والأطفال.

يعتمد فيلم درون على المزج بين القصص الشخصية، والتحليل وطرح عدد من التساؤلات المباشرة. وتستعين المخرجة بشهادات عدد من المؤرخين والنشطاء السياسيين والضباط السابقين، وفي مقدمتهم بالطبع براندون براينت الذي يمثل مركز الفيلم من الناحية الدرامية، فهو المؤمن بالنظام الذي يكتشف بعد أن ينغمس في العمل مدى وحشيته، فيتمرد عليه ويتحول إلى ناشط فاعل، يصل إلى حد مخاطبة المجتمع الدولي من خلال الأمم المتحدة محذرا من عواقب استخدام هذا النوع من الطائرات. وهو بذلك يخاطر -كما يقول- بأن يوجه إليه الاتهام بارتكاب "جرائم حرب" كونه الوحيد الذي اعترف علانية بدوره المباشر قبل أن يظهر المزيد من الاعترافات في الفيلم التالي "الطائر الوطني" (National Bird) الذي جاء في العام التالي (2016).

 

 

هناك مزج بارع بين فكرة ألعاب الحاسوب واستخدام أذرع التحكم في هذه الطائرات، وما يؤدي إليه من التساؤل عن تراجع المواجهة المباشرة إلى نوع من الألعاب التي تجعل من يمارس القتل لا يمكنه التفريق بين اللهو والحرب، وبين الخيال والحقيقة، فهو لا يرى الهدف من الأرض بل يشاهد صورة من بعيد على شاشة حاسوب لكائنات أو مركبات تتحرك على الأرض تبدو مثل الروبوت أو الأشكال التي نراها في ألعاب الفيديو، وهو ما يؤدي إلى انعدام الإحساس بوجود "البشر" الذين قد يكونون من الأبرياء وقد يوجد بينهم أطفال ونساء، وبالتالي لا يمكن للضابط الذي يحرك الذراع وهو مسترخ داخل قمرة معزولة يحتسي فنجانا من القهوة أن يفهم مشاعر هؤلاء وذويهم. نرى على شاشات الحاسوب من داخل تلك القواعد العسكرية السرية كيف يتم اصطياد الأهداف بالقصف والقتل، ثم كيف يتم بعد ذلك استهداف الذين يهرعون إلى إنقاذ الجرحى أو جمع أشلاء القتلى.

من التساؤلات التي يطرحها الفيلم من خلال سياق بصري وموسيقي ممتع؛ انتشار هذا النوع من الطائرات خارج الولايات المتحدة، أي لدى أطراف تعتبرها واشنطن معادية، ومغزى هذا الانتشار والتوسع في استخدامها، وكيف ستصبح صورة الصراع العسكري في العالم مستقبلا، وتأثير هذا الاختراع الجديد على صناعة السلاح التقليدية، وتأثيره السيكولوجي على من يقومون بتشغيله طالما أنه يجنبهم الشعور بالمواجهة المباشرة مع العدو، والاختباء الجبان بعيدا عن المخاطرة، ويمتد التساؤل عندما نعرف أن الضابط براندون تم تجنيده بواسطة المخابرات المركزية الأمريكية -أساسا- بسبب براعته في ألعاب الفيديو، وقد استيقظ ضميره بعد أن قتل بمفرده 1500 شخص من الأعداء المزعومين!

من يمارس القتل بهذه الطريقة لا يمكنه التفريق بين اللهو والحرب، وبين الخيال والحقيقة.

الدرون.. هل قمعت الإرهاب؟

يتساءل الفيلم عما إذا كانت هذه الطريقة في القتل من السماء قد نجحت في كبح جماح الإرهاب، أم أنها تؤدي عمليا إلى حشد التأييد مع الإرهابيين من جانب الذين يفقدون أقاربهم وأبناءهم في هذه العمليات التي أصبحت تقع يوميا. ويطرح الفيلم سؤالا آخر عن احتمال تمدد هذا النوع من المراقبة والتصوير والاستهداف الخفي إلى الداخل الأمريكي نفسه، وبالتالي تحويل أمريكا إلى دولة شمولية يحكمها "الأخ الأكبر" الذي صوره جورج أورويل في "1984"، وفرنسوا تريفو في فيلم "451 فهرنايت".

في إقليم وزيرستان في باكستان يروي عدد من أقارب الضحايا والناجين من عمليات الدرون تجاربهم المأساوية وما شاهدوه مباشرة، ويظهر جون بيلنغر المستشار القانوني لوزراة الخارجية الأمريكية (2001- 2009) شارحا كيف دارت مناقشات بعد 11 سبتمبر إزاء قانونية استخدام الطائرات من دون طيار في قتل قيادات القاعدة، وكان القرار أن استخدام هذه الطائرات قانوني ومشروع. يتوقف الفيلم أمام هذه النقطة ليناقش فكرة الاستغناء عن اعتقال المشتبه بهم ثم محاكمتهم، واللجوء للتصفية المباشرة.  ويقول مارك مازيتي مؤلف كتاب "طريق السكين" إن الرئيس بوش أمر المخابرات المركزية بعد 11 سبتمبر بالبحث عن أفراد تنظيم القاعدة واستهدافهم بالقتل المباشر.

يتحدث كثير من المسؤولين الأمريكيين في الفيلم عن دقة إصابة الأهداف، وهو ما يعارضه براندون في شهادته عبر الصور التي لا يتضح في الفيلم كيف حصلت عليها المخرجة من داخل غرف العمليات العسكرية، في حين أن مثل هذه الصور في فيلم "الطائر الوطني" هي عبارة عن "إعادة تصوير".

هيذر تطوعت لمراقبة الأهداف الأرضية ورصدت 121 ألف هدف تعرضت لقصف الدرون في العراق وأفغانستان خلال سنتين فقط.

الدرون.. من صيد السمك للفتك بالبشر

إلى إقليم بيشاور في باكستان تذهب مخرجة فيلم درون كي تصور كيف يمارس الناس العاديون حياتهم في المدن والقرى، وتظهر الوجه الإنساني الذي لا يعرفه الغرب عن "الآخر" الذي أصبح محصورا في صورة الإرهابي.. والقاتل.. والمفجر، حيث تستمع لشهادات أقارب الضحايا ثم للمحامي الباكستاني "شاهزاد أكبر" الذي أقام دعوى قانونية ضد الحكومتين الأمريكية والباكستانية بسبب ما نتج من قتل جماعي لعشرات الأشخاص في فترة زمنية قصيرة من قصف طائرات الدرون.

ويظهر في الفيلم أندي فون فلوتو مخترع طائرات درون وصاحب المصنع الذي ينتجها في ولاية أوريغون الأمريكية، وهو يتحدث أمام الكاميرا داخل مصنعه، ضاحكا سعيدا، ويروي كيف كانت هذه الطائرات في البداية صغيرة ومزودة بكاميرات للتصوير الدقيق، وكان الهدف منها مساعدة الصيادين على اصطياد أسماك التونة تحديدا، لكن المصنع لم يبع شيئا منها لصيادي التونة إلى أن أمر الرئيس بوش الابن بتطوير هذه الطائرات واستخدامها عسكريا، فأصبح المصنع يبيع حاليا -كما يقول الرجل سعيدا ممتنا- مئات الطائرات.

حركة مناهضة القتل بالطائرات من دون طيار تنامت وتوسعت في وزيرستان واتخذت طابعا شعبيا واصطدمت مظاهراتها بالشرطة كما نرى في الفيلم من خلال لقطات وثائقية مباشرة، كما انتقلت أيضا إلى نيويورك وواشنطن، أمام البيت الأبيض والأمم المتحدة، وأصبحت تضم أعدادا كبيرة من الأمريكيين ومن بينهم براندون.

في نهاية الفيلم نشاهد في لقطات موحية كيف أن سكان وأهالي المناطق المستهدفة في وزيرستان لم يجدوا سوى رسم لوحات كبيرة لأطفال مسالمين يتطلعون نحو السماء، ويقومون بوضع هذه الصور فوق أسطح البنايات حتى يراها الطيارون المفترضون أو محركو "الدرون" الأمريكيون.

فيلم "الطائر الوطني" من إنتاج اثنين من كبار السينمائيين في العالم هما المخرج الوثائقي الأمريكي إيرول موريس، والألماني فيم فيندرز.

الطائر الوطني.. القتل كما في ألعاب الفيديو

من وحي فيلم "درون" جاء "الطائر الوطني" (National Bird) (2016) للمخرجة سونيا كينبيك -وهي أمريكية من أصل ماليزي- تحاول أن تربط فيه بشكل مباشر من خلال المونتاج بين من يتحكمون في طائرات الدرون (مراقبة الأهداف من خلال الكاميرات الدقيقة، ثم القصف المدمر حسب التعليمات)، وبين الضحايا المباشرين وأقاربهم وأبنائهم ومصائر المجموعات البشرية العادية التي ترغب في ممارسة الحياة بشكل طبيعي. ويقوم الفيلم بالبناء على ذلك الانتقال المستمر بين الطرفين. لدينا ثلاثة من ضباط الدرون في مواجهة العشرات ممن فقدوا أطفالهم وآباءهم رغم المزاعم الأمريكية عما تتمتع به الدرون من دقة غير مسبوقة. أما شهادات شهود العيان، فتؤكد أن القصف عادة ما يكون عشوائيا أو انتقائيا، وكثيرا -كما نرى- يكون نوعا من اللهو، والتعامل مع الأزرار تماما كما يتعامل مدمنو ألعاب الفيديو مع ذراع اللعبة، طالما أن الضحايا يظهرون أمامهم مجرد أشباح تتحرك على شاشة صغيرة داخل غرفة مصمتة.

"هيذر" فتاة أمريكية شابة، تطوعت والتحقت بالعمل في مراقبة الأهداف الأرضية عبر الدرون، لكن ما شاهدته أصابها باضطراب ذهني وعقلي ومعاناة ضمير دفعتها لترك العمل والالتحاق بالعمل كساقية في مقهى. لكن الأمر لم يتوقف عند هذا الحد بل أصبحت بعد أن تجرأت وتحدثت مع المحامين هدفا للمخابرات التي ترهبها باحتمال توجيه الاتهام إليها بإفشاء أسرار عسكرية.

وخلال تصوير فيلم "الطائر الوطني" نعرف أن رجال المخابرات دهموا منزل الضابط السابق "دانييل" الذي كان يعمل في تحليل المعلومات في وكالة الأمن القومي، وصادروا الكثير من محتويات المنزل وأخبروه أنه قد يواجه تهمة التجسس التي يقول لنا الفيلم إنها لم توجه إلا لـ12 شخصا فقط في الولايات المتحدة منذ عام 1917. ورغم ذلك لا يتردد دانييل - كما نرى- في  المشاركة بالمظاهرات المناهضة للحرب في أفغانستان، ومناهضة السياسات الأمريكية عموما. لقد تحول من مشارك في القتل إلى مناهض له.

 

 

هيذر نالت قبل أن تترك عملها شهادة تقدير من الجيش، لنجاحها في رصد 121 ألف هدف على الأرض في العراق وأفغانستان خلال سنتين فقط من العمل.  هذه الأهداف تعرضت لنيران "الدرون". وتتساءل هيذر: كان هذا في سنتين فقط، فكم هدفا تم تدميرها بعد مرور كل هذه السنين؟

أما ليزا، وهي محركة سابقة لطائرات الدرون، فتقول إنها لا تعرف كم شخصا قتلت هي شخصيا، وبسبب ما تعرضت له من اضطراب نفسي استقالت وأصبحت ممن يحذرون من استخدام طائرات الدرون، وذهبت أيضا مع صديقة لها إلى أفغانستان لمقابلة أقارب الضحايا هناك وطلب العفو منهم.

هذا الجزء الذي يدور في أفغانستان من أفضل أجزاء الفيلم، وفيه نشاهد أولا عبر إعادة تمثيل بالصوت والصورة -كيف تم قتل 23 شخصا عام 2010 كانوا داخل ثلاث سيارات على الطريق في إقليم أوروزغان وبينهم عدد كبير من الأطفال والنساء. وقد اعتذر الجيش الأمريكي عن الحادث وتعهد بعدم تكراره.

من وحي فيلم "درون" جاء "الطائر الوطني" National Bird) 2016) للمخرجة سونيا كينبيك تربط فيه بين من يتحكمون في طائرات الدرون وبين الضحايا المباشرين وأقاربهم وأبنائهم.

قتل عشوائي.. والحجة "الحرب على الإرهاب"

ينتقل الفيلم طوال الوقت من الداخل إلى الخارج، من داخل المنازل إلى البلدات التي يقيم فيها أبطاله الثلاثة، ومن هذه الأماكن إلى الغرف المظلمة التي يمارَس من داخلها القتل المفاجئ من السماء، ثم يذهب إلى أفغانستان حيث نرى أقارب الضحايا، ونلمس نمو حركة الوعي والاحتجاج، ثم إلى نيويورك ومظاهرات أعضاء الحملة من أجل وقف القتل بطائرات الدرون.

 ويساهم أسلوب التصوير في حبس الشخصيات الثلاث معظم الوقت داخل لقطات قريبة، وداخل سيارة أو قطار، واستخدام التعليق الصوتي الصادر منهم من خارج الصورة، والتركيز على أجواء الخوف والتردد والقلق التي يعيشون فيها خشية المحاكمة، وتظهر في الفيلم المحامية التي تولت ملفاتهم، تشرح طبيعة المهمة التي تقوم بها، وكيف تطالب بالتعويضات المناسبة وضمان توفير العلاج للأمراض النفسية التي نتجت عن ممارسة هذا العمل.

فيلم "الطائر الوطني" من إنتاج اثنين من كبار السينمائيين في العالم هما المخرج الوثائقي الأمريكي إيرول موريس، والألماني فيم فيندرز. وكل من "درون" و"الطائر الوطني" يندرجان ضمن موجة الأفلام التسجيلية والروائية التي ظهرت أخيرا في محاولة للفت الأنظار إلى التجاوزات التي يرتكبها الجيش الأمريكي، بل ورجال السياسة الأمريكية، بدعوى محاربة الإرهاب، ومنها الأفلام التي ظهرت عن جوليان أسانج مؤسس ويكيليكس، وإدوارد سنودن وغيرهما.

قد ينال إعجابكم