نقد سينمائي

القطار حافظا للذاكرة الجمعية

محمد موسى

يستهل الفيلم التسجيلي "نائمو السكة الحديد" (Railway Sleepers) للمخرج التايلاندي "سومبوت جيدغازاورنبوغازة" ، والذي عُرض ضمن برنامج "فورام" في الدورة الاخيرة لمهرجان برلين السينمائي ،يستهل، زمنه بعرض نص كلمة ملك تايلاند أثناء تدشينه سكة القطارات الأولى في البلاد في عام 1896. شدَّدّ الملك في تلك الخطبة وبعبارات وطنية مُفخمة على أهمية هذه اللحظة المفصلية في تاريخ بلده حيث أصبح بالإمكان ربط أطرافها الشاسعة بوسيلة سفر عصرية. هذا في الوقت الذي كان البلد على أعتاب الدخول في الثورة التكنولوجية القادمة، والتي كانت قد بدأت قبل سنوات قليلة فقط في أوروبا، ولن يمرّ زمن طويل قبل أن تصل بتأثيراتها الهائلة إلى أماكن أخرى من العالم.

يمثل القطار تقريبا كل شرائح الشعب التايلاندي

بعد أكثر من قرن وربع من تلك الكلمة التاريخية قام المخرج التايلاندي الشاب "جيدغازاورنبوغازة" برحلة طويلة ستأخذه إلى كل نقطة تصلها القطارات في بلده، وسيوثق رحلته في عمل تسجيلي غير مسبوق، يخلو من التعليقات ومن الموسيقى، وبدا في كثير من وقته أشبه بالتأمل النفسي المضبوط على أصوات قطارات قديمة وحديثة لا تتوقف، وهي تنقل بشراً متنوعين، تمتليء بهم وبقصص عذاباتهم ومسراتهم وأحلامهم ويأسهم وخرافاتهم. لذلك لا غرابة أن يمرّ بائعو الأمل وقارئو الطالع دورياً على عربات القطارات تلك، ليستشرفوا المستقبل لنساء قليلات الحظ في الحب والحياة.

تحلمان بالمستقبل

يخلو الفيلم من المقابلات المباشرة، لكنه يسجل أحياناً ما يدور بين الركاب أنفسهم، فيما تتألف مشهدياته من مئات المشاهد المختلفة التي تجول فيها الكاميرات بين عربات القطارات، وأحياناً كانت تلك الكاميرا تقف ثابتة لتسجل بعفوية كبيرة الحياة اليومية في وسيلة النقل الشعبية. لن تفارق كاميرات الفيلم القطارات التي كانت تركبها، لكنها كانت تطل بين الحين والآخر عبر نوافذ وأبواب القطارات إلى الخارج، حيناً إلى المساحات الخضراء غير المسكونة التي تفصل بين المدن والقرى، وأحياناً أخرى لتنقل ما يدور على المحطات التي تتوقف بها القطارات.

يتطلعون على الطريق ويترقبون المستقبل

أبناء قرى يركبون قطارات تأخذهم إلى المدن، جنود يتجهون إلى وحداتهم العسكرية، نساء عاملات، عوائل تذهب في عطلات إلى قراها البعيدة، سواح أوروبيون، سكارى، قارئو الطالع. كل هذه الشخصيات وغيرها تمر أمام كاميرات الفيلم، تارة لثوان قليلة، وتارة أخرى تركز عليها الكاميرا دون تطفل، فهم يظهرون ويختفون عبر عدسات تحافظ على مجهوليتهم، لكن تراكم صورهم وجمال الصور السينمائية التي ظهروا بها، هي التي من تمنح هذا الفيلم التسجيلي المبتكر أهمية استثنائية، وتقربه من أن يكون حافظاً لذاكرة سينمائية جمعية مثيرة، وينطوي إلى حد ما على قيمة أرشيفية.

وبعد دقائق الفيلم الأولى التي كانت مبهمة ومشتتة قليلاً بسبب الانتقالات التوليفية العديدة وغياب المسّار السردي الواضح، سيستقر العمل التسجيلي على بناء يرتكز على البحث في علاقة الإنسان بواسطة النقل الشهيرة، وعبرها يتم تشّكيل صورة بانورامية للمجتمع التايلاندي عبر إبراز الفروقات الطبقية الدينية والإجتماعية، والاحتفال بهذه الفروقات في مسعى لإيجاد تعريفات جديدة للهوية الوطنية. كما يمكن قراءة الفيلم بعمومية أكثر على ضوء الأحداث والظروف المعاصرة للبلد وناسه، فالعسكريون والشرطة لم يتوقفوا عن التجوال بين عربات القطار في الرحلات التي قطعتها الكاميرا معهم، في إشارة إلى وضع سياسي واجتماعي عكرته في السنوات الأخيرة قضايا الإرهاب وعدم الاستقرار السياسي.

وجود الجنود يؤشر رمزيا لدورهم في وضع البلاد سياسيا واجتماعيا.

وعلى رغم أن الفيلم لا يضم مساراً أو مسارات سردية أساسية، إلا أنه يتناول عبر زمنه الطويل (102 دقيقة) تيمات ترتبط بتقاليد النقل في القطارات، فيقدم في هذا المجال مشاهد طويلة لتحضير الطعام وأكله في عربات الطعام الخاصة في القطارات أو على المقاعد العادية، وأخرى عن مسافرين كانوا يعدون أنفسهم للنوم في عربات المبيت، وفي محطات توقف القطارات في المحطات، يسجل الفيلم صعود ونزول الركاب، وتنقّل البائعين الجوالين، الذين لا يبارحون المكان شأنهم شأن موظفي القطار المسؤولين عن تدقيق بطاقات السفر. وعندما يصل الوقت إلى ساعة متأخرة على أحد القطارات الذي كان يصور فيه، يسجل الفيلم محادثة طويلة بين رجل تايلاندي مسّن وسائح، حيث سيفتح الغريبان قلبهما لبعضهما في لحظات مكاشفة تجد في القطار المكان الأمثل للبوح.

ملصق فيلم "نائمو السكة الحديد"

وإذا كان ثمة بطل في هذا الفيلم التسجيلي، فسيكون القطار الذي سيأخذ الفيلم إلى وجهات عديدة في البلد، وفي القطار سيسجل المخرج مشاهد جمالها أخاذ، مثل ذلك المشهد الطويل الذي صور ممراً كان ينام على جانبه بشر تحجبهم ستائر كانت تطير بفعل الريح التي تدخل من النوافذ المفتوحة، والمشهد الطويل الآخر لأشعة الشمس تشرق من نوافذ ممر قطار فارغ. والمشاهد العديدة التي اقتنصت لحظات عفوية لبشر من كل الأنواع، ومنهم أطفال وعجائز، فقراء وميسورون.

أمضى المخرج ثماني سنوات وهو يصور فيلمه التسجيلي هذا، في جهد يبدو وكأنه رحلة للبحث عن روح البلد وتحية حب صافية إلى سكانه. يفتح الفيلم فئة الفيلم التسجيلي الذي يختنق أحياناً بالحوارات المباشرة والبناءات الجامدة النمطية على مديات وآفاق واسعة غير مألوفة، ويرفع من شأن الصورة السينمائية وتأثيراتها القوية، وقدرتها وحدها على رواية حكايات مُعقدة عن زماننا الحالي، دون الحاجة إلى شروحات وتلقين. لا ريب أن القطار في الفيلم والحياة اليومية فيه هما استعارة لظواهر أوسع، لكنهما يرمزان أيضاً إلى "الحياة" التي لا تتوقف رغم كل العثرات والمشاق.

 

 

قد ينال إعجابكم

بورتريه

السادات .. ممثلاَ!

لم يكن السادات يعشق السينما فقط.. وإنما كان يتمنى أن يصبح من نجومها.. وكان منذ فجر شبابه يحلم بالوقوف أمام كاميرات...