نقد سينمائي

"الهند في يوم"

 
محمد موسى
 
بعد أن جال على بريطانيا، واليابان، وإيطاليا، وصل مشروع ".. في يوم" التسجيلي الخاص إلى الهند العام الماضي، حيث دعا الذين يقفون خلفه المهتمين في البلد الآسيوي العملاق لتصوير ما يحلو لهم في يوم العاشر من شهر أكتوبر من عام 2015 وإرساله إلى الجهة المنتجة. 
 
ستشكل الفيديوهات القصيرة التي أرسلها المشتركون من الهند زمن الفيلم التسجيلي "الهند في يوم"، الذي عُرض أخيراً في البرنامج التسجيلي للدورة الحادية والأربعين من مهرجان تورونتو السينمائي (نظم من 8 إلى 18 من شهر سبتمبر الجاري). يقدم الفيلم الحياة في يوم واحد كما صورها هنود عاديون بكاميراتهم المتنوعة الأحجام والمتباينة الجودة، والتي ستشبه بعد توليفها سيمفونية رائعة للحياة، تكشف من جانب تميز الهند وتنوعه الإثني والاجتماعي، وتؤكد من الجانب الآخر تشابه أيام، وأحلام، وأحزان البشر أينما كانوا، وأن لا فروقات جوهرية بين اليوم الذي سجلّه فيلم "إيطاليا في يوم" من السلسلة ذاتها، واليوم الهندي أو البريطاني.
 
يُبيَن الفيلم الأخير في السلسلة أنه لم يتغير شيئ في قواعد المشروع التسجيلي الذي تُشرف عليه شركة إنتاج المخرج البريطاني المعروف رادلي سكوت. من اختيار يوم محدد للتصوير، والطلب من المهتمين الهواة أو المحترفين أن يصوِّروا ما يشاؤون من حياتهم اليومية، ويرسلوه إلى عنوان خاص للشركة والتي تعمل سوياً مع العملاق الإلكتروني "غوغل"، ليبدأ بعدها فريق الإخراج (تناوب مخرجون عدة على المشروع)، في البحث عن الفيديوهات المناسبة التي تُشكِّل زمن الأفلام التسجيلية (يبلغ طول الأفلام حوالي 90 دقيقة).
 
 
ولعلّ التطور والنضج الذي وصل إليه المشروع في الأفلام الأخيرة يعود بالأساس إلى المشتركين في المشروع أنفسهم، والذي شاهد أغلبهم أجزاء الفيلم السابقة المتوافرة مجاناً على مواقع في الإنترنت، وعرفوا مقاصد المشروع وغاياته العاطفية والإنسانية، وهو الأمر الذي سيبعدهم عن الاستعراضية في فيديوهاتهم (أو على الأقل لتلك التي وصلت إلى النسخ النهائية من الأفلام التسجيلية)، ويدفعهم للاجتهاد في نقل مشاهد صادقة للحياة كما هي، والتي تتخللها أحياناً لحظات بوح كاشفة. 
 
كما بيَّن الفيلم الأخير من السلسلة، أن بعض المشتركين رغبوا في دخول مناطق محرمة أو حساسة من حياتهم وتقاليد مجتمعاتهم، وكشفها على حقيقتها على أمل أن يطلق هذا نقاشاً ما، خاصة عندما توضع تحت الضوء ولا يتم تغييبها أو تجاهلها.
 
يبدأ كل فيلم من السلسلة التسجيلية من أول دقيقة من اليوم المحدد للتصوير وحتى آخر دقيقة منه. يمرّ الفيلم بين هذين الزمنين على مئات الشخصيات والمواقف الصغيرة، ويتوقف حينا لثوان قليلة فقط عند بعض الشخصيات، وأحياناً أخرى يفرد لبعضها وقتاً أطول لتروي حكاياتها، بالكلمات أو بالصور. وفي موازاة بحث فرق الإخراج لهذه الأفلام عن قصص ومشاهد مثيرة، يقدمون أيضاً في توليفات سريعة وشديدة الحيوية طقوس الحياة اليومية للعشرات من الهنود، كالنوم، والصحو، والاستعدادات للمدرسة أو العمل، وتحضير الطعام وأكله، وللمحظوظين الاستعدادات لسهرات المساء، وللأقل حظاً البقاء في البيوت، التي تتباين فيما بينها، من الغرف الضيقة المظلمة، إلى المساكن الفارهة الرحبة.
 
لا يختلف اليوم الهندي عن سواه من أيام دول أخرى، عدا في الوضع الاقتصادي العام، والذي يستنزف طاقات الكثر هناك. أما الإقبال على الحياة فهو نفسه، والطاقة البشرية للتغلب على كل الصعاب هي ذاتها في كل مكان. بعد عدة مشاهد صورها هنود لعوائلهم أو أصدقاء لهم أثناء نومهم، يبدأ صباح اليوم الهندي الذي سنكون شهوداً عليه في الفيلم، فنراقب أطفالاً وهم يستعدون إلى المدارس، وبالغين وهم يتحضرون ليومهم.
 
 وكعادة أفلام السلسلة، يتألف فيلم "الهند في يوم" من مئات الفيديوهات القصيرة التي سيتنقل بينها بسلاسة لا تعرقلها الانتقالات الجغرافية للفيلم، إذ إنه يبدل مشهدياته من مراكز المدن الهندية المزدحمة بالبشر والمركبات، إلى هدوء الريف وسكونه. كما ينتقل من شوارع ضيقة لأحياء الفقر الهندية، إلى منازل لأبناء الطبقة المتوسطة والثرية.
 
 
في وسط طوفان الصور في الفيلم، هناك أيضاً مشاهد وشخصيات تستدعي بحضورها العاطفي الخاطف العديد من الأسئلة، كالعائلة التي كانت تودع ابنتها التي يبدو أنها سترحل بعيداً وطويلاً، كما بدا من الأُمّ التي كانت تغالب دموعها، والأب الذي خيم عليه الوجوم. 
 
وهناك في ثلث الفيلم الأول امرأة خمسينية ظهرت في مشاهد طويلة بجودة عالية، عندما كانت الكاميرا ترافقها وهي تستعد ليوم طويل، وفارقها الفيلم وهي تقطع شوارع أحياء فقيرة إلى وجهة غير معروفة. سيعود الفيلم إلى المرأة ذاتها في مشاهد لاحقة، عندما كانت في بيت مخدوميها. هي واحدة من آلاف النساء الفقيرات اللواتي يعملن خادمات في بيوت الطبقة الميسورة.
 
يلمس الفيلم التسجيلي، الذي يخلو من التعليق الصوتي من خارج مشاهده أو الشروحات، بعضاً من المناطق الحساسة في الحياة الهندية، عندما قدم مشاهد لمصلين مسلمين في جامع صغير. والمشاهد التي صورها شاب هندي في قريته الصغيرة وتعليقاته حول مكانة المرأة في تلك القرية، إذ وحسب التقاليد هناك يمنع على المرأة أن تكشف وجهها، وهو أمراً يراه ظالماً. في مشاهد أكثر تفاؤلاً، تظهر طالبات مراهقات يتشاركن الضحكات أمام إحدى الكليات العلمية التي ينتسبن لها.علماً أن حضور النساء في الفيلم كان في مجمله أقل من حضور الرجال أو الفتيان لأسباب اجتماعية على الأرجح.
 
غنيّ عن القول أن قوة أفلام سلسلة "... في يوم" تعتمد على تفاعل الجمهور وما يرسله من فيديوهات. وأن عمل فريق المونتاج يتحدد في البحث عن مشاهد معبرة وربطها ببعضها ضمن بناءات عاطفية. لكن ما أكده كل فيلم من أفلام السلسلة لليوم، أن فيديوهات الناس العادية أصبحت لكثرتها وجودة بعضها التقنية توفر خيارات واسعة للمشرفين على السلسلة لإيجاد ساعة ونصف من الصور المتقنة والتي تملك قوة عاطفية كبيرة، وتخاطب الغرائز الإنسانية الفطرية، كما أنها تملك قدرة مبهرة على تجاوز حدود اللغة والمحيط، والبيئة، وتراهن على المشتركات بين البشر على اختلاف أعراقهم.
 
 
وكانت السلسلة التسجيلية قد بدأت في عام 2010 بفيلم "الحياة في يوم" والذي كان شراكة بين شركة المخرج البريطاني سكوت وموقع الفيديو الشهير "يوتيوب". اختار الفيلم وقتها مشاركات من 192 بلدا صورت جميعها في يوم الرابع والعشرين من شهر يوليو عام 2010. وشجع النجاح الكبير للفيلم حول العالم الشركة المنتجة لتحقيق جزء جديد من بريطانيا وحدها في عام 2011 ، ليعقبه واحد من اليابان في عام 2012، وفيلم عن الحياة في يوم واحد في إيطاليا في عام 2014. كما أنتجت الشركة في عام 2013 فيلماً خاصأ عن يوم أعياد الميلاد في بريطانيا حمل "أعياد الميلاد في يوم". 
 

قد ينال إعجابكم