نقد سينمائي

الهند.. نسيج على منوال القهر!

قيس قاسم

لم يجانب لجنة تحكيم الدورة الأخيرة لمهرجان "سندانس" السينمائي الصواب، حين  قررت منح جائزة أفضل تصوير للفيلم الهندي "مكائن"، لأنه وبكل بساطة فيلم صورة، من جمالياتها ودقتها ندرك الدور، الذي لعبه المصور المكسيكي "رودريغو تريو فيلانوفا" لرفع قيمة وثائقي "راهول جاين"، على المستويين الأسلوبي والفني. فبفضل كاميرته تم نقل مناخه العام مشبعاً بالتفاصيل، متنجباً بها اللجوء للحوارات والمقابلات، فنسبتها لم تتعدَ عشرين بالمائة من مجمل مساحة الوثائقي، المهموم بأحوال عمال مصانع النسيج في أقليم "كُوجارات" غرب الهند ونقل ظروف عملهم الشاقة، التي أظهرتهم وكأنهم مكائن بشرية تتحرك داخلها، وبالتالي صار ما يدلي به العمال أنفسهم من كلام تكملة للتفاصيل المنقولة بدقة عبر عدساتها، ما يشي بوضوح رؤية مخرجه ومعرفته بالعالم الذي جاء لتوثيقه واستجابة مصور ألمعي لها لدرجة تدعو للإعجاب.

ينسجون ملابس غيرهم.. بدمائهم

معرفته بعالم صناعة النسيج جاءت من امتلاك جده واحداً منها، وخلال عطلاته الصيفية كان يقضي المخرج في طفولته وقتاً في مكاتبها لكنه لم يكن يعرف أحوال عمالها ولهذا وفي أو فيلم له، اختارها كثيمة، ومن مكوثه الطويل في مصنع نسيح مدينة "سورات" توصل إلى حقائق جديدة اقترح نقلها إلى العالم، فصور الطفولة هي ليست نفسها زمن النضوج. هذا على مستوى الدوافع، أما على مستوى المعالجة فأرادها شديدة الواقعية تسمح بالتعبير عن موقفه ورؤيته لما يحدث داخلها وبهذا فَصل موقفه الشخصي عن المعروض أمامه والمنقول بكاميرا صادقة حرصت على نقل ظروف عمال المصنع العملاق دون تعليق، مكتفية بقوة صورتها وحضور الصوت كعامل نفسي إضافي يزيد من تأثيرها.

ينسجون بالألوان الزاهية بينما حاضرهم قاتم

أصوات المكائن العالية، كانت تغلب على أصوات العمال وتملأ أجواء المكان بصخب غير منقطع، فيما تجسد حركتهم الدائمة وهم يؤدون مهامهم آليا اللُحمة بينهم وبين بقية العناصر المُشكلة للمشهد الداخلي للمصنع؛ نار وحديد. أقمشة وأصباغ ومراجل بخارية. نفايات وأبخرة كثيفة، كلها في مكان واحد. وحدة "صناعية" يتحول الإنسان فيها إلى آلة ومدلولات تسمية الفيلم؛ "Machines" واضحة هنا، فقد سبق تشبيه عمال مصانع الثورة الصناعية في أوروبا وبخاصة عمال النسيج في بريطانيا بذلك التوصيف ولكن وبعد قرون يصبح وجودها مثار تساؤل واستغراب وحين نمضي مع العمال الهنود ونعرف أوضاعهم الحياتية والدوافع القاهرة التي جاءت بهم من مدن بعيدة ليصبحوا "مكائن" فتلك واحدة من زوايا تناول الوثائقي المهمة، وإن جاءت مبتسرة لكنها عميقة تعطي صورة كاملة عن واقع العمال المهاجرين، وأغلبيتهم فلاحون في الأصل؛ يضاعف ابتعادهم عن عوائلهم وقراهم معاناتهم وتضيف ظروف معيشتهم الجديدة قساوة على وجودهم وأيضاً تساعد أصحاب المصانع على استغلالهم، لضعفهم وعدم قدرتهم على الاحتجاج ورفض الواقع الذي يعيشونه.

بالنسبة لأرباب الأعمال، العمال جزء من محتويات مصانعهم

لا حديث كثيرا في الوثائقي عن انعدام الوقاية ولا عن غياب الحماية الصحية، هناك بدلاً منها صورة حيّة لأوحال كيمياوية يعيش وسطها العمال، رائحة غاز "الآمونيا" يكاد يستنشقها المُشاهد عبر الصورة، والسموم الغارقين فيها يتحسسها وكأنها تلامس جلده مباشرة أما التعب والإنهاك، بعد اثنتي عشرة ساعة عمل متواصلة وأحياناً يواصلونها بأخرى إضافية، تناثرهم منهكين وكأنهم موتى مستلقين على أرضية المصنع في انتظار المناوبة القادمة يجسدها بجلاء، وقتها سيضفي ما يقولونه بأنفسهم عن جوانب أخرى من عملهم، مزيداً من الإحساس بالظلم والحيف، أجورهم عن عمل يحولهم إلى آلات تعمل نصف نهار وأكثر تصيب المتلقي بصدمة. فكل ما يحصلون عليه خلال يوم عمل كامل لا يتجاوز ثلاثة دولارات يدفعون منها أثمان تأخير غرفهم البائسة ومصاريفهم اليومية من مأكل وبعض ما يدخرونه منها يرسلونه لعوائلهم، التي قطعوا آلاف الكيلومترات من أجل تحسين أحوالها!.

جاء من أقاصي الريف ليعمل بفتات يقيم أود عائلته

يعامل الوثائقي ـ مثل أصحاب المصنع ـ العمال كوحدة واحدة، لا جدوى من فصل الأطفال والنساء عن الرجال فالجميع داخل المصنع آلات تؤدي وظيفتها وما على صاحب المصنع سوى جني ثمار قوة عملها. فكل هؤلاء أتوا بإرادتهم وعلى أساسها يجري التعامل معهم وكأنهم بمجيئهم الطوعي نذروا أجسادهم وأرواحهم للمصنع ويحق لمالكيه معاملتهم كجزء منه، وله الحق في امتصاص دمائهم. يفرض الواقع سؤالاً عن دور النقابات في حماية العمال؟ والهند فيها حركة نقابية قوية نسبياً لكن هل يصل تأثيرها إلى المناطق البعيدة؟ العمال أجابوا ضمناً عليها؛ لا فائدة منها لأننا غير قادرين على مجابهة صاحب عمل لا نرى وجهه أبداً ومع هذا نحسُّ بقوة نفوذه من خلال كِبر وسعة مصنعه. فقرنا جاء بنا وعلينا القبول بالقليل فهو وبسبب ارتفاع نسبة البطالة في غرب الهند يعد خلاصاً. يربط الوثائقي بين أحوال فلاحي القرى المحيطة بمدن الغرب الهندي وبين هجرة العمالة.

لم يترك الفقر لهم خيارا سوى العمل في ظروف دون الإنسانية

فبسبب الفقر المتجذر إضافة إلى عوامل طبيعية مثل؛ الجفاف الشديد الذي حل على المنطقة العام المنصرم وبسببه قلت مداخيل المزارعين إلى أدنى مستوياتها وصار خطر الموت جوعاً يهددهم وعوائلهم لهذا ففكرة البحث عن عمل في المصانع الكبيرة في المدن البعيدة ستكون بديلاً لا مناص منه، بل هو بالنسبة للفقير الجائع نعمة. يعرف أصحاب المصانع الواقع ويشتغلون عليه وفي مقابلة نادرة مع أحد مسؤوليها تشفّى خلالها بفقر عماله وبأنهم لا يستحقون أكثر مما يحصلون عليه، لأنهم كما يعلل بضمير ميت سيصرفون أجورهم على "التبغ" و"المشروبات الروحية"؟!. تباهى بتعارضه مع المنطق؛ فتجويع البطون عنده يحفز على العمل ويضمن ازدهاره، على عكس النظرية العمالية التي تقول؛ إشباع بطن العامل وتحسين أحواله يصب في مصلحة أصحاب المصانع في النهاية!. تسجيل حركة إقبال العمال المهاجرين على المصنع يومياً ووقوفهم في طوابير طويلة تقول بدورها أشياء أخرى وتفسر خوف العمال من الاحتجاج، فبدلاً من عامل مطرود هناك عشرات ينتظرون لأخذ مكانه. العمال في العالم كله تقريباً يعيشون نفس الهاجس، بفارق أن النقابات وعلى اختلاف قوتها وقدرتها تستطيع وكحد أدنى الضغط لتحسين أحوال وشروط العمل ومنها تحديد ساعات العمل اليومي بثماني ساعات، مطلب تحقق في دول كثيرة قبل أكثر من قرن من الزمان لكنه في "كُوجارات" الهندية ما زال مستحيلاً ولهذا كان لا بد من مغادرة المصنع بعض الوقت لمعرفة ماذا يجري خارجه.

هكذا ينامون بعد ورديات عمل طويلة

اللقطة الموسعة من علوٍ تعطي فكرة عن ضخامته ووصول أبخرته وسمومه إلى أطراف المدينة لتنبئ كثافتها، وكأنها غيوم ملبدة، بكارثة بيئية، فيما الأطفال يجتمعون حول نفاياته لأخذ ما يمكن بيعها منها. كل ما يحيط بالمصنع "الأبيض" أسود، السخام يغطيه. وكما يقال "لو خُليت قُلبت" فثمة وعي عند البعض يدفعهم لدعوة العمال إلى التظاهر والاحتجاج، نشاطهم فردي لكن دعواته عامة تريد إشراك الجميع في فعل يساعدهم. لفرديته يبدو خجولاً واهن الصوت، المشهد الذي ينقل تجمعاً يُطلب من "مدير" لا نرى صورته تحسين ظروف عملهم وزيادة أجورهم يجلي واقعا مؤلماً. كان توسلاً أكثر منه ضغطاً ومطالبة، وصمت المسؤول يبطن احتقارا واستنكافا. مشهد يجعل العودة إلى داخل المصنع اعترافاً بهزيمة وقلة حيلة تُعيد الحركة إلى سابق عهدها؛ آلات تنسج وتطبع أجمل الأقمشة وبأزهى الألوان فيما هي تعاني من آلام وتعب وخيبة أمل من رحلة عمل طويلة، ربما لن يحصل منتظرو نتائجها في الطرف البعيد ما أملوا أنفسهم به، أو في أحسن الأحوال سيحصلون على القليل، ثمنه؛ تحول من خرج منهم إلى ماكينة تعمل بصمت داخل مصانع مظلمة لا يعرف الواقف خارجها أي مسخ للبشر يحدث خلف جدرانها.

 

 

قد ينال إعجابكم

حوارات

الأبديّة في مصنع هندي

هل فكرت يومًا كيف وصلت إليك قطعة القماش الفريدة هذه؟ تعرف على يوميات عمال هنود منسيين يشتغلون في أحد المصانع الهندية...