نقد سينمائي

الولايات المُنقَسمة الأمريكية

قيس قاسم

"مايكل كيرك".. مخرج ومنتج أمريكي، له عشرات الأعمال التلفزيونية والسينمائية، ذاع صيته مع سلسلة وثائقيات "فرونتلاين" لمحطة "PBS" وامتازت أغلبيتها بالعمق وقوة التحليل من بينها؛ "نتنياهو في حرب"، "الخيار"، "التاريخ السري للدولة الإسلامية" وآخرها "الولايات المُنقَسمة الأمريكية" في جزأين. من ميزات أعماله، وعدد غير قليل منها حاز على جوائز، طول زمنها واهتمامها بالتفاصيل واللافت أن كلها تقريباً تحظى بقبول نقدي فوق الجيد ولا يُؤشر إلى طولها أو توقفها عند أدق التفاصيل كجانب سلبي فيها وهذا الأمر ينطبق على منجزه الأخير Divided States of America إذ بلغ طوله حوالي أربع ساعات خاض خلاله سجالاً مثيراً حول الانقسام "الهيكلي" الحادث في الولايات المتحدة الأمريكية، لدرجة بات يهدد تركيبتها المجتمعية والسياسية التقليدية، وأن التعويل على وصول رئيس أسود لأول مرة في تاريخها، لشَّد لُحمتها والظهور كبلد "موحد" لجميع الأعراق والثقافات ما هو إلا وَهْم. فتركيبتها الاقتصادية الاجتماعية لا يمكنها تحقيق ذلك ونتائج ثماني سنوات من حكم "باراك أوباما" أفضت إلى تلك النتيجة وأكثر من هذا أن المنطلقات القوية، التي ساعدته للوصول إلى دفة الحكم ومن بين أكثرها طموحاً؛ التغيير، لم تتحقق بل كرست الانقسامات أكثر.

هل يكون دونالد ترامب هو آخر رئيس للولايات المتحدة الأمريكية؟

للتأكد من كل ذلك استوجب مراجعة جزء من التاريخ السياسي الأمريكي وكشف تفاصيل خفية عن آلية إدارة الدولة في العمق وعن مواقع النفوذ فيها وقوة المصالح الحزبية والشخصية لقادتها وكيف أفرز وجوده في الحكم تيارات سياسية أكثر يمينية مثل؛ "حزب الشاي" وأَوصلت ملياديرا شعبويا مثل؛ "ترامب" إلى البيت الأبيض ليرسخ بدوره انقساماً مجتمعياً حاداً، يهدد بالفعل وحدة الدولة الأعظم، وبالتالي سيبدو طول زمن الوثائقي مبرراً وسيصب إلحاحه في التفاصيل في مصلحة المُشاهد ويُزيده معرفة وإلماماً بجوانب "داخلية" لا تظهر للعلن إلا عبر وثائقي مدهش قادر بتحليله على استشراق عوالم مستقبلية. فجزئيات البحث في التركيبات السرية، بخاصة السياسية منها، تشير في أحيانٍ كثيرة على ظواهر أكبر وتؤشر إلى احتمال  حدوث تَغيّرات دراماتيكية، قد يسبق صانع الوثائقي الآخرين في التوصل إليها، وفي مطلق الأحوال ستبقى في إطار العمل السينمائي ولا تدعي أكثر من ذلك.

يمثل انتخاب ترامب صعودا في تيار الشعبوية.

يسخر "مايكل كيرك" في المشهد الاستهلالي (الأبيض والأسود) من الصورة، التي يظهر فيها الرئيسان أوباما وترامب بعد يومين فقط من إعلان نتائج الانتخابات، وهما يتبادلان كلمات المجاملة، بعد أن وجها لبعضهما البعض التهم والتوصيفات الجارحة طيلة سنوات، بالسؤال؛ عما إذا كان ما نراه حقيقة أم زيفاً يُضيّع الحقيقة ويزيد من تشوش وتشتيت ذهن المواطن الأمريكي؟. ويتساءل أيضاً إذا كانت حقاً ستساعد الصور البروتوكولية على مسح ما حدث في المجتمع الأمريكي وهل بمقدورها تجسير الهوة المتسعة بين مكوناته؟ وما إذا بقيت في النهاية لكلمات أوباما معنى: "ليس هناك رئيس أسود وآخر أبيض، لا يوجد جمهوري أو ليبرالي، بل هناك أمريكا واحدة، متحدة؟. على تلك الأسئلة ستُشيد أساسات وثائقيّه، ومنها ستنبثق موضوعات جديدة، للتصدي لها أشرك عددا من السياسيين والصحفيين والكتاب والمحللين الأمريكيين معه، واستعان بكم هائل من الوثائق والتسجيلات المتعددة المستويات والأهمية ليعزز بها أيضاً متنه الحكائي ولإضفاء مزيد من البعد الدرامي على الحوارت الكثيرة والمطولة أحياناً، تعمد التلاعب بدرجات لَون الصور وبقوة الظلال المحيطة بها، والمدهش أكثر حفاظه على وحدة مستوى الصورة، رغم اختلاف ظروف وأزمان التقاطها ليظهر الوثائقي في عيون مشاهديه وكأنه صُور بكاميرا مُصور واحد وفي زمن غير متقطع وهذه ميزة لا يقدر على تحقيقها سوى من يملك تقنيات جيدة وميزانيات توفر إمكانية أخذ فقط ما ينساب سياقه السردي ويحافظ على وحدته الجمالية.

نفذ مايكل كيرك وثائقيه على جزأين.

حُسن نية الرئيس أوباما وصدقه في إحداث تغيير حقيقي لصالح الفئات الأفقر والأكثر تضرراً من هيمنة أصحاب المصالح الاقتصادية؛ واحدة من الحقائق المهمة التي حرص الوثائقي على تثبيتها مقدماً. مراجعة مسيرته السياسية حتى ترشيحه للانتخابات الرئاسية تقول إنه كان مؤهلاً لذلك لا بسبب لونه بل لشعوره بالانتماء إلى الولايات المتحدة الأمريكية، وتغليبها على بقية مكوناته الشخصية المتعددة الثقافات. وجد فيه الديمقراطيون ظالتهم للتخلص من حكم "بوش" وتبعات حروبه الكارثية. جاء بخطاب جديد ركز على وحدة أمريكا ومستقبلها المرهون بها. على جاذبيته وقوة تأثيره على الناخبين وصل إلى البيت الأبيض. وصوله أثار أسئلة متشككة حول حقيقة قبول أغلبية المجتمع له، وأخرى عن صدمة أبناء جلدته بانتصاره! فوقت إعلان ترشيحه لم يكن هناك سوى أربعة أشخاص مقتنعين بوصوله: هو وأفراد عائلته فقط!. عند الطرف الآخر؛ الجمهوريين، أثار ترشيحه وفوزه انقساماً واصطفافاً جديداً، أفرز الأشد رفضاً للتغيير، متمثلاً بالمرشحة المنافسة؛ سارة بالين. معها ظهرت أولى بوادر "الشعبوية" وستتسع لاحقاً وتجد في "ترامب" خير من يُمثلها. خلال الحملات الانتخابية كان سؤال "العِرق واللوْن" حاضراً وسيتعمق حتى بعد وصول رجل أسوَد إلى البيت الأبيض!. خسارة الجمهوريين أنجبت "حزب الشاي" اليميني المتشدد وأحدثت شقاً عميقاً في صفوفه، لم يعرف لها مثيلاً من قبل. يتوقف الوثائقي مطولاً عند الحركة متأملاً في توصيفها بـ"الانتفاضة" ضد اليمين التقليدي. من استنتاجاته الخطيرة؛ أن صعود أوباما أحدث "ثورة" اجتماعية يحلو لبعض من شارك في الوثائقي تشبيهها بثورة الليبراليين ضد المحافظين خلال الحرب الأهلية الأمريكية وأن معارضته حركت الشارع الأمريكي الخامل. سيتابع حجم التفاعل الشعبي المتزايد منذ الانتخابات التمهيدية حتى نهاية عهد أوباما، ويلاحظ ازدياد تفاعل الناس مع كل قرار اتخذه وكل خطوة خطاها، وكيف وقف اليمين مستفزاً ضد مواقفه الرافضة للعنصرية، موجهين له رغم ذلك تهمة الانحياز للسود لا لأمريكا التي جاء باسمها.

خاض الوثائقي سجالاً مثيراً حول الانقسام "الهيكلي" الحادث في الولايات المتحدة الأمريكية، لدرجة بات يهدد تركيبتها المجتمعية والسياسية التقليدية.

الأزمة المالية العالمية كانت واحدة من أكثر المشاكل التي ساعدت على إحداث شرخ مجتمعي حاد، ورثها الرئيس الجديد وكان عليه التعامل معها بحذر وقد فعل ومع ذلك لم يرضَ عنها اليمين وفي المقابل كبدته طريقة معالجتها "التوفيقية"  قطاعات شعبية كبيرة، اتهمته بالانحياز إلى الرأسماليين وأصحاب البنوك والنأي عن الفقراء بوصفه واحداً من نفس مدرسة واشنطن الأرستقراطية. يتوقف الوثائقي عند ظاهرة كراهية المجتمع الأمريكي وبخاصة بعد الأزمة المالية العالمية للكيانات الحكومية التقليدية ومؤسساتها التقليدية، بعد خسارة ملايين العمال لوظائفهم وحرمان آلاف الأمريكيين من بيوتهم. في المقابل ظهر ميل "انقلابي" داخل تلك المؤسسات لعزل الرئيس الأسود وفريقه. كل ذلك الحراك الشعبي والانقلاب السياسي في واشنطن كان يحدث و"ترامب" يراقبه من مكاتبه في نيويورك يُقوّم المزاج العام ويحاول استغلاله في الوقت المناسب لصالحه.

الصعود اليميني يأتي على حساب الأقليات

المثير في عمل "مايكل كيرك" توصله إلى حقيقة؛ أن الجمهوريين ولأول مرة ظلوا يتآمرون ضد الرئيس من أجل إفشاله، حتى بعد خسارتهم الانتخابات خروجاً عن المعتاد حيث يتم ترتيب التحالفات الجديدة وتغليب المصالح على اللعبة الانتخابية. لقد وضعوا، كما تُظهر الوثائق والشهادات، خططاً محكمة لإظهاره عاجزاً عن اتخاذ القرارت الصحيحة. كانوا يستهدفونه في كل لحظة وفي كل موقف وكان الإعلام "الشعبوي" يهيّج الناس ويستثمر الصراعات لصالح تعزيز قوة المحافظين الجدد، دون اهتمام بالشرخ الذي يعمقه سلوكهم في جسد المجتمع الأمريكي.

العنصرية كانت نقطة "أوباما" الأضعف. جاء بخطاب وحدوي لكنه، وكلما عارض سلوكيات وجرائم عنصرية، واجه غوغاء شعبوية وإعلامية، تتهمه على الدوام بانحيازه للسود ضد البيض. ظلت النقاط الخلافية قائمة حتى بعد تجديد انتخابه أربع سنوات إضافية، لأسباب تعود إلى عدة عوامل منها؛ رغبة الناس في منح الرئيس فرصته الكاملة وضعف اصطفاف اليمين بعد بروز "حركة الشاي" ودخول "ترامب" على خط الانتخابات مباشرة مستغلاً الجدل الواسع حول مشروع التأمين الصحي لذوي الدخل المحدود؛ "أوباما كير". عليه تأسست تحالفات وحدثت انشقاقات صبّت كلها في صالحه حين راح يصوره ككارثة تقوض اقتصاد البلاد بالكامل. نفس ما قاله ومعه صقور اليمين يوم وضعت الحكومة ضمن برنامجها زيادة الضرائب على مداخيل الأثرياء وتقليل مديونية الدولة. لم يقبلوا بها وبيّتوا أحقادهم عليه لحين حلول المناسبة الملائمة لإظهارها وكانت جاهزة؛ الاشتباكات بين السود والشرطة والجرائم العنصرية، الحد من انتشار السلاح وبيعه دون تراخيص والبرامج الحكومية الإصلاحية، كلها ساعدت على تقسيم المجتمع إلى قسمين وأكثر وبات الوقوف في الوسط مستحيلاً أو سيصب في أحسن الأحوال في صالح التفرقة والتشرذم. بات مع الوقت وبعد خسارته التصويت على مشروع الحد من بيع السلاح ومعاملة "ترامب" الرئيس عدواً له يوماً، يتحين الفرص لرد الإهانة التي وجهها أوباما له بعد افتعاله فضيحة التستر على مكان ولادته، وأنه من أصول غير أمريكية!. سيؤسس الرئيس الأحدث، القادم من مؤسسات المال الكبرى ومن ثقافة محافظة، تقاليد شعبوية أضاف إليها صراعات شخصية ستعمق من الشرخ المتسع أصلاً بين صفوف مؤيديه وحتى حزبه ليؤكد ما ذهب إليه الوثائقي من أن الانقسام المجتمعي والسياسي قد وصل إلى كل مفاصل الدولة وأحزابها ومؤسساتها الدستورية والقضائية وبات صعباً إخفاء وجوده.. هذا بعض ما قاله لنا "الولايات المنُقَسَمة الأمريكية".

قد ينال إعجابكم