نقد سينمائي

انتحاريون بانتظار لحظة الصفر

محمد موسى

كمن يستعرض بفخر أغلى ما يملك لضيوفه، يأخذ السعودي الذي تعدى سنه الثلاثين بقليل، كاميرا الفيلم التسجيلي الصادم Dugma the Button للمخرج النرويجي “باول صلاح الدين ريفسدال”، في جولة على الشاحنة التي تم تحويرها لتنقل أطنان من المتفجرات، وتنتظر فقط إشارة الانطلاق لكي تتوجه إلى "الأعداء". يقفز السعودي بوزنه الثقيل على ظهر الشاحنة الممتلئ بالصواريخ. ويشير أثناء وجوده في كابينة القيادة إلى زر التفجير الذي أخذ الفيلم التسجيلي اسمه منه. "عندما تضغط على هذا الزر ينتهي كل شيء" يتحدث السعودي إلى الكاميرا. ثم يعود ويستدرك: "إذا حدث عطل في هذا الزر، فهناك ثلاثة أزرار إضافية ستقوم بالعمل نفسه، فالشاحنة هذه يجب أن ترسل الكثير من الأعداء إلى جهنم".

تختلف سلسلة المشاهد الافتتاحية المرعبة تلك عما اعتدنا أن نراه من صور "العدو" المتطرف إلى حدود الجنون في الأفلام التي يتركها الانتحاريون قبل عملياتهم. فسحنة السعودي العادية والتي تقترب من الطيبة وعينيه الأليفتين زادتا من إشكاليّة ورعب تلك المشاهد. فهو رجل لا يتميز بشيء لافت وكان يعيش حياة طبيعية في مدينة سعودية قبل أن يتوجه إلى سوريا ملتحقاً بجبهة النصرة. وهو وإن كان اسمه في قائمة المتطوعين لتنفيذ عمليات انتحارية، لم يفقد علاقته بالواقع بعد، ومازال يتذكر بحب عائلته وطفلته التي ولدت بعد أن غادر إلى سوريا، وسيتهدج صوته وهو يروي لكاميرا المخرج أنه يعتزم الاتصال بأبيه في السعودية من هاتف جوال في الزمن القليل الذي سيسبق وصول شاحنته المُلغمة إلى هدفها، فهذه أمنية الأب نفسه، الذي يرغب بالحديث لولده قبل الانفجار الكبير. في منطقة في سوريا أبقاها الفيلم مجهولة، مكث المخرج النرويجي أشهراً عديدة يصور بحميمية غير مسبوقة يوميات ثلاثة رجال ينتظرون قرار منظمتهم إرسالهم إلى عمليات انتحارية. بالإضافة إلى السعودي هناك رجل بريطاني الأصل وسوري شاب. يتنقل الفيلم بين الشخصيات الثلاث، ويقتنص لحظات خاصة وهادئة كثيراً من حياتهم، حتى أن النزاع الذي هم في لجته بدا بعيداً كثيراً، ولم يخرج الفيلم إلا في مناسبة واحدة عن المقاربة التسجيلية التي تقوم على المراقبة المتواصلة الصافية وتخلو من إطلاق الأحكام، عندما صور الدقائق القليلة التي أعقبت غارة للنظام السوري على بناية يسكنها مدنيون.

تتواصل عبر زمن الفيلم يوميات الانتحاريين المؤجلين دون مفاجآت مهمة، ولم يمنع الحدث العنيف المنتظر والذي يلوح فوق رؤوسهم من مواصلة روتينهم اليومي، فالسعودي مازال يحب الطعام الشهي الذي يذكره بحياته السابقة في بلده، وسيأخذ المخرج إلى مطعمه السوري المفضل، وسيشارك المخرج لحظات ضعفه عندما يعرض على هاتفه فيلماً لطفلته في مشيتها الأولى، أو عندما يتصل بأمّه في السعودية، فيما كان السوري والبريطاني يتحضران لحدثين سعيدين، حيث كان السوري يستعد للزواج، أما البريطاني فقد تزوج فعلاً، وبعد فترة تفكير طويلة، كان متردداً فيها بين الزواج وإنجاب الأطفال، الذي يرى أهمية في تعليمهم "المنهج الإسلامي الصحيح"، وبين التفرغ تماماً للقتال. هذه التطورات ستزيد من تعقيد ترقب المهمات الانتحارية التي وافقوا سلفاً على القيام بها. وسيلتقط الفيلم تردداً وشكوكاً لدى شخصياته، رغم أن الأخيرة حاولت تغطية ذلك بترديد الشعارات الحماسية ذاتها.

يتمكن المخرج النرويجي الجدليّ من الدخول إلى مناطق جغرافية لم تصل إليها السينما التسجيلية التي اهتمت بتطرف منظمات إسلامية في السنوات الأخيرة، مُقدماً يوميات أعضاء في منظمات متطرفة لم تسمح بالماضي بتصويرها على هذا النحو، مبتعداً بفيلمه من أي وجهات نظر فكرية مسبقة. يغيب صوت المخرج عن الفيلم، ولا يتحدى الشخصيات التي يقدمها، بل يتركها على سجيتها، وهذا سيقود إلى لحظات إنسانية كانت مباغتة على أصعدة عدة، مثل ذلك المشهد الذي يكشف فيه السوري في الفيلم أنه يريد أن يقدم لخطيبته باقة من الورود، ليذهب بعدها الإنجليزي إلى حديقة مهجورة، حيث سيعثر هناك على زهور كانت تقترب من الموت من العطش ليقطفها لصديقه، أو المشهد الآخر الذي يزور فيه السعودي رفيق له أصيب بجراح في إحدى المعارك، والحوار الذي سيدور بينهما عن فلسفة جبهة النصرة التي تخص العمليات الانتحارية. لا جدالّ أن الفيلم سيثير الكثير من الغضب لدى الكثيرين، من الذين سيغيظهم أسلوب الفيلم الحيادي و"أنسنته للعدو". بيد أن هذا المنهج الذي يحاول أن يفهم لماذا يجنح البعض إلى تصرفات متطرفة للغاية، ويصور الحياة اليومية لتنظيم متشدد مثل جبهة النصرة، له أهميته ومدافعون عنه، من الذين يرغبون بفهم ما يجري في العالم بعيداً عن سطوة الصور والأحكام المسبقة، والذين لا يؤمنون أن الرد العسكري القوي هو الحلّ دائماً لنزاعات شديدة التعقيد والحساسية مثل التي تجري في الشرق الأوسط. ما يفعله الفيلم بتمكن كبير، أنه يوفر فرصة نادرة لمعاينة مختلفة لما يجري في صفوف تنظيم يُصنف بالمتطرف والمُعادي رغم دخان الحروب الذي يكاد يعمي الرؤية.

اختص المخرج النرويجي بتسجيل الحياة اليومية لمنظمات متطرفة محظورة، وكان من أوائل الغربيين الذين اهتموا بما يحصل بأفغانستان، البلد الذي بدأ بزيارته في منتصف الثمانينيات من القرن الماضي. حظي "ريفسدال" بسمعة وعلاقات جيدة مع عدد من المنظمات المحظورة حول العالم، والتي فتحت له أبواباً عديدة، تكون بالعادة مُقفلة تماماً بوجه السواد الأعظم من المخرجين الأجانب (مثل سوريا التي يشكل العمل فيها مخاطرة عظيمة الخطورة). صور المخرج النرويجي الذي تحول إلى الاسلام حركة طالبان في عام 2009، وتم اختطافه في حادثة مشهورة أثناء وجوده هناك. ويقال إن أسامة بن لادن نفسه كان مُعجباً بعمل المخرج النرويجي، وأن القوة الأمريكية الخاصة التي اغتالت بن لادن وجدت أفلاماً لـ "ريفسدال" عن حركة الطالبان في الكمبيوتر الخاص بزعيم تنظيم القاعدة.

صَرَحَ المخرج النرويجي في حديث للتلفزيون الهولندي بُعيد عرض فيلمه هذا في الدورة الأخيرة لمهرجان إدفا السينمائي بأنه لم يكن ليصور هذا الفيلم أو يتعاون بأي شكل من الأشكال مع تنظيم إرهابي يتقصد مدنيين في تفجيراته، وأنه وافق على الدخول في هذه المغامرة، لسمعة جبهة النصرة التي تملك حسب قوله منهجاً فكرياً مختلفاً، وبالتحديد في استراتيجيتها الخاصة بالعمليات الانتحارية، من حيث إنها تعلن أن هدف عملياتها هم خصومها المسلحون فقط، وأنها لا تشبه في هذا الخصوص تنظيم داعش مثلاً الذي يستهدف المدنيين. عُرض الفيلم في مجموعة من المهرجانات السينمائية، وفاز بعدة جوائز، منها جائزة أفضل فيلم تسجيلي متوسط الطول في مهرجان "Hot Docs" الكندي المعروف للسينما التسجيلية.

 

قد ينال إعجابكم