نقد سينمائي

انعكاسات اليابان

فيلم "الحصان الميت"
 
محمد موسى 
 
شهدت الدورة التاسعة والعشرين من مهرجان طوكيو السينمائي (تُختتم في الثالث من شهر نوفمبر الجاري)، العرض العالمي الأول لمشروع سينمائي آسيوي مشترك حمل العنوان الشاعري: "تأملات: آسيا 2016 ثلاث طويات للمرآة". جمع المشروع رُؤى سينمائية روائية لثلاثة مخرجين آسيويين، بحث كل على واحد منهم على حدة في علاقة يابانيين واليابان بالجيران الآسيويين. ورغم أن المشروع السينمائي هو تعاون بين مهرجان طوكيو وصندوق الدعم الياباني للسينما الآسيوية، بيد أنه يبتعد بالكامل عن الطابع الاحتفالي الترويجي أو المحافظة المتوقعة من هكذا مشاريع، إذ تغوص أفلامه في مشكلات وتحديات الحاضر المُعقدة، ويعود أحدها إلى الماضي الدامي لدولة آسيوية، كما تكشف الأفلام عن القسوة التي تلف العالم اليوم. تهيج الأفلام بطابعها الحاد العديد من الأسئلة، وتُمجّد الألم الإنساني، وتساءل عبر السينما عن الهوية اليابانية الحديثة وعلاقتها بما يجري حولها في القارة.
 
أول افلام المشروع هو "الحصان الميت" للمخرج الفليبيني المعروف "بريانتي مندوزا"، وقدم فيه قصة عامل فليبني قضى ثلاثين عاماً في اليابان، وأُبعد عنها إلى بلده الأصلي بعد اكتشاف عمله غير الشرعي في مزرعة تربية خيول. وعندما يعود البطل إلى بلده، سيكتشف الدمار الذي لحق بحياته الشخصية والأثمان التي دفعها بسبب هجرته. إذ كان في انتظاره أطلال البيت الذي كان يعيش فيه، والذي تهدم إثر حريق كبير قضى أيضاً على زوجته، وابن لا يريد مقابلته لأنه تخلى عنه بسبب إدمانه على القمار. يجد البطل الذي وصل إلى عقده السادس نفسه ضائعاً في البلد الذي لم يعد يعرفه، وسيعيش الظروف نفسها التي هَرب منها منذ عقود.
 
لا تختلف حِدة الجزء الذي صُور في اليابان الغنية، عن القسم الذي صُوِّر في فقر الفليبين، فالفيلم يبحث في ما وراء الصور التقليدية عن الخراب الذي ينهش الأرواح البشرية أينما كانت. ويحافظ على وتيرة الإيقاع اليائس نفسه في انتقالاته بين المحيطين المختلفين. لم يكن البطل يعيش حياة الأغنياء في اليابان، فإدمانه على لعب القمار جعله دائماً على حافة الفقر، وقربه من عوالم الجريمة. في حين ستكمل مشاهده في بلده الأصلي خطاً سينمائياً مألوفاً للمخرج، الذي لا يخشى تعرية المحرمات الاجتماعية. بعد ليلة بات فيها البطل عند أخيه يكتشف أن حياته في بلده ستكون أصعب مما يتصور، إذ بدت عائلة الأخ ذلك غير راغبة باستضافته، ليبدأ بعدها تيهه الجديد. 
 
يواصل المخرج الفليبيني بفيلمه الجديد هذا سيرة سينمائية غير مساومة تميزت بالقسوة الشديدة والانشغالات الواقعية الجريئة، والتي جعلته واحداً من مجموعة المخرجين ذوي الخصوصية الإبداعية في العالم اليوم، ولتتسابق كبرى المهرجانات السينمائية على أفلامه. لا يتخلى المخرج عن شخصيته الخاصة حتى ضمن المشروع السينمائي الذي يحدد الوقت الذي يُمنح لكل فيلم. بحوارات قليلة ومشاهد اقتربت من نفَس السينما التسجيلية، يصور الفيلم أوديسة البطل الذي خسر كل شيء، ويحوله إلى أمثولة بشرية غير تقليدية عن مفاعيل القوانين الحكومية التي تسحق حيوات الناس العاديين. يبدأ المخرج فيلمه بمشاهد بشعة تصور معاناة خيول السباقات على أيدي أصحابها في اليابان، وينهيه بمشاهد في مزرعة خيول أخرى في الفليبين، حيث وجد البطل ملجأ له بعد أن ضاقت به الدروب.
 
فيلم "حمامة"
 
حمامة
يدور "حمامة"، الفيلم الثاني في المشروع السينمائي والذي أخرجه الياباني "إيساو يوسوكادو"، عن علاقة صداقة غير تقليدية بين مسّن ياباني والفتاة الماليزية التي تخدمه، والتي ستلوِّن الأيام الشاحبة التي كان يقضيها الرجل في إحدى الجزر الماليزية، والتي أصبحت مسكناً له بعد أن ضاق به ابنه المشغول بحياته. ستنشأ بصعوبة علاقة خاصة بين الفتاة الشابة التي تنضم إلى فريق الخادمات والرجل المسّن الذي يفضل رفقة الحمام الذي يربيه في سطح بيته على البشر من حوله. وستتطور هذه العلاقة من الصَدّ إلى حب أبوي، وستعيد ثقة الرجل بمن حوله، وتعينه على أخذ قرارات مهمة في حياته.
 
قدمت السينما مراراً علاقات صداقة غير مألوفة بين شخصيات متناقضة ومختلفة، وتم البحث عبرها في أحوال المجتمعات التي تنتمي إليها هذه الشخصيات. لا يختلف فيلم "حمامة" كثيراً في بنائه ومسار أحداثه ونهايته عن أفلام سابقة قاربت التيمة نفسها، إلا في البيئة الجديدة غير المعروفة والتي تدور فيها الأحداث، وتميَّز الفيلم بتمثيله الممتاز، خاصة أداء الممثلة الماليزية "شريفة أماني" التي مثلت دور الخادمة، والتي كانت مقنعة كثيراً بتجسيد صدق العاطفة التي كانت تحملها للرجل المسّن، فيما لم يستعجل الفيلم تطور العلاقة بين الشخصيتين، وجعلها تنضج على مهل، موفرّاً لها الظروف والتطورات التي تجعلها ناضجة ومرضية.
 
ما وراء الجسر
يعود الفيلم الثالث في المشروع والذي يحمل عنوان "ما وراء الجسر" وأخرجته الكمبودية "سوثو كوليكار" في قصته إلى التاريخ الحديث لكمبوديا، ويقدم قصة حب يمتد زمنها على ثلاث عقود بين دبلوماسي ياباني كان يخدم في كمبوديا وبين راقصة شابة من هناك. ستفرق الأحداث السياسية وتفجر العنف في البلد بين الحبيبين الشابين، وسيحاولان وَصّل هذه العلاقة بعد سنوات من لقائهما الأول. ستكون الأحداث العامة في خلفية قصة الحب المتفجرة، لكنها تعرقل بالنهاية من تدفق تلك العلاقة، إذ ترفض البطلة مرافقة حبيبها إلى السفارة الأمريكية التي لجأ اليها بعد سقوط البلد في أيدي العصابات والفوضى. وبعدها يصبح من العسير إصلاح مسار التاريخ والقدر.
 
وعلى خلاف الفيلم الأول في المشروع الذي تميز ببنائه الواقعي ونبضه المُلحّ الآني، يأخذ فيلم "ما وراء الجسر" مقاربة شاعرية يلفها الحنين إلى زمن ماض بعيد. وعمدت المخرجة إلى أسلبة مشاهد فيلمها، حتى تلك التي تجري في أزمان أعقبت اللقاء الأول بين البطلين في الستينات من القرن الماضي، لتعزل نفسياً وشكليّاً القصة الحميمية والعاطفية للفيلم. يحاول البطل استعادة حبيبته، وسيرجع إلى البلد الذي تركه عندما كان شاباً، كما ستحمل الأغراض القليلة التي تبادلها الحبيبين وقتها عاطفية كبيرة مع تقادم الزمن، وستتحول إلى إحدى أدوات المخرجة في فتحها لجروح الماضي وتُكثِّف عبرها ثقل الأزمان المشتركة بين البطلين.
 
ليس المشروع السينمائي الياباني الأول من نوعه الذي يجمع مخرجون ومخرجات تحت عناوين فضفاضة أو محددة، إذ سبقته مشاريع سابقة، منها من أشرف عليه مهرجانات سينمائية، مثل ذلك الذي دعا إليه مهرجان كان السينمائي قبل أعوام والذي كان تحية صافية للسينما، وهناك مجموعة الأفلام التي أخرجها مخرجون معروفون بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، وكانت استجابة سريعة لما وقع في نيويورك. ولعل ما يميز أفلام "تأملات: آسيا 2016 ثلاث طويات للمرآة"، هو الفضاء الواسع الذي تحركت فيه، ومخالفتها للمتوقع منها، وتعقيد القضايا التي تثيرها، إذ تبدو الأفلام بشكلها العام قانطة ومتشائمة، لكنها تفتح الأبواب لجدالات طويلة، من بينها عن اليابان، البلد الذي لا يريد أن يبقى معزولاً دائماً عن العالم.
 
 

قد ينال إعجابكم