نقد سينمائي

ترامب: الاضطراب الأكبر في تاريخ أمريكا

محمد موسى 

عُرِض فيلم "ترامب: داخل أعظم اضطراب سياسي في التاريخ" (Trumped: Inside the Greatest Political Upset of All Time)" في الدورة الأخيرة لمهرجان سندانس السينمائي الأمريكي في شهر يناير الماضي، في نفس الوقت تقريباً الذي كان دونالد ترامب يستعد لحفل تنصيبه رئيساً للولايات المتحدة والذي كان موعده الشهر ذاته. ليسابق العمل التسجيلي الذي يستعيد الحملة الانتخابية الرئاسية الأخيرة الزمن لطبع بصمته الخاصة على الأحداث التاريخية الشديدة الإشكاليّة، فما بَيْنَ تاريخ مشهد نهاية الفيلم والذي يُظهر المصافحة التي غلفها عدم الارتياح والتوتر بين الرئيس السابق أوباما الذي كان يرحب بالرئيس الجديد في البيت الأبيض، ووصول الفيلم إلى العرض في المهرجان السينمائي الأمريكي المعروف فصلت أيام قليلة فقط.

ملأ الدنيا ضجيجا قبل وبعد دخوله البيت الأبيض

هذه العجلة ستؤثر كثيراً على ما كان يُمكن أن يكون عملاً تسجيلياً فذاً، لما يرتكز عليه من مواد أرشيفية شديدة الإثارة، وأحياناً الجمال والندرة، سجلها وقتها البرنامج السياسي الحواري التلفزيوني "السيرك" (يعرض على قناة "شوتايم" الأمريكية)، والتي ستشكل المادة الأولية الأساسية لهذا الفيلم، إلى جانب مشاهد أرشيفية من مصادر أخرى تظهر بداية الطموح السياسي لـ "ترامب" ومنافسته الديمقراطية "هيلاري كلينتون". فبينما تنتظر بعض الأعمال التسجيلية سنوات حتى تشَّكل رؤاها الخاصة لمواضيعها، يستعيد مخرجو هذا الفيلم التسجيلي: "تيد بورن"، "ماري روبرتسون"، و"بانكس تارفير"، الحدث السياسي العاصف وهم مازالوا فعليّاً على مسافة صفر منه.
أنتجت الفيلم التسجيلي قناة "شوتايم"، وعرض قبل أيام على شاشاتها الأمريكية، وهذا يفسر السرعة في تنفيذه، إذ إن الفيلم التسجيلي هذا هو في النهاية أحد نتاجات مصنع التلفزيون الذي لا يتوقف، حيث تكون حسابات مثل التروي والانتظار ثانوية مقابل تسجيل سبق تلفزيوني، ويتجه الاهتمام دائماً لعرض مواد نادرة وقبل فوات مناسبتها. ذلك أن تميز مواد هذا الفيلم يعود إلى أنها من كواليس الانتخابات الأمريكية التي كانت غريبة ومفاجئة على كل المقاييس، سواء بتفاصيلها وتخليها عن الكياسة الاجتماعية، أو بتطوراتها الدرامية ونتائجها التي لم تكون محسوبة. وكل هذا يقف وراءه رجل واحد قلب مفاهيم السياسة الأمريكية على رأسها هو: دونالد ترامب.

أدهش صعود ترامب الدوائر السياسية في واشنطن

يسجل الفيلم محطات من الانتخابات الأمريكية الأخيرة، مُركزاً على معسكر الحزب الجمهوري، فيعود إلى الزمن الذي كان الإعلام الأمريكي ينافش التكهنات عن دخول دونالد ترامب السياسة، ثم يرافقه وهو يهزم خصومه الجمهوريين الواحد تلو الآخر على فرصة الترشح عن الحزب الجمهوري في السباق الرئاسي للولايات المتحدة، وسيبقى الفيلم مع "ترامب" في تنافسه مع "كلينتون"، في حملة كانت أبعد ما تكون عن التقليدية، وسيرافقه حتى إعلان نتائج الانتخابات، مسجلاً فرح شخصيته الرئيسية وعائلته من جهة، وفي مشاهد موازية الدموع التي كان يسكبها مؤيدو الحزب الديقراطي على خسارة مرشحتهم، ومنهم مقدمو برنامج "السيرك" نفسه، الذين لم يخفوا أهواءهم السياسية، وكما يُنتظر من مقدمي البرامج التلفزيونية، الذين يمتنعون بالعادة عن الإفصاح عن مواقفهم السياسية.
ولأن الانتخابات الأمريكية الأخيرة كانت على الأرجح الأكثر تغطية إعلامية في تاريخ الانتخابات الأمريكية، لم ينفرد الفيلم التسجيلي بالكثير من المشاهد الخاصة لمناسبات عامة، بيد أنه يختلف في معظم مشاهده عن معظم التغطيات التلفزيونية لجهة زاوية النظر وموقع الكاميرا، حيث التقطت كاميرات فريق البرنامج التلفزيوني "السيرك" أثناء تغطياتها للانتخابات الأمريكية مشاهد نادرة من اللقاءات الجماهيرية الضخمة لـ "ترامب"، وهذه وحدها ما سيميز هذا الفيلم التسجيلي، كالمشاهد التي كانت تصور "ترامب" وهو ينتظر قبل مقابلة الجمهور في ملعب رياضي، أو تلك التي تظهر أفراد عائلته يقفون جانبا في أحد التجمعات الكبيرة لوالدهم، وتراقبهم وهم يوزعون نظرات الإعجاب بين الجمهور الكثيف ووالدهم. 
من بين المشاهد المهمة في الفيلم، تلك التي صورت "ترامب" في طائرته الخاصة يتنقل بين مدينة أمريكية وأخرى ضمن حملته الانتخابية. إذ سمح فريق "ترامب" لأحد مقدمي برنامج "السيرك" بمرافقة المرشح الجمهوري، والذي صور بكاميرا هاتفه الصغيرة الطائرة الفخمة من الداخل. وهناك المشهد الطويل الآخر لترامب يتكلم بطريقته الإمبريالية والتي تقترب من الوقاحة عن "هيلاي كلينتون"، والذي صُور من أحد المنازل الفخمة للثري الأمريكي. كما جمع الفيلم مجموعة ممتازة من المشاهد القصيرة التي تظهر ردود أفعال مؤيدي ترامب على خطبه في تجمعات عامة، مُظهراً همجيتها وعنفها أحياناً، كما كانت الشجارات بالأيدي بين مؤيدين ومعترضين على السياسي الجدليّ صنو تلك التجمعات.

البرامج الحوارية السياسية الأمريكية وجدت في فوز ترامب فرصة ذهبية

يُواجه الفيلم التسجيلي صعوبات جمّة وهو يحاول أن يجد موقعا لمشاهد مقدمي برنامج السيرك ضمن سياقاته، فظهورهم المتقطع وتعليقاتهم تمنح الفيلم دينامية مُختلفة تسير أحياناً باتجاه مخالف للمشهد البانورامي الاستعادي الذي يقوم عليه بناء الفيلم. لا ريب أن حضور مقدمي البرنامج التلفزيوني ذاك ("جون هايلرمان"، "مارك هالبرين"، و"مارك ماكينون") في الفيلم له علاقة بالمادة الأرشيفية التي تأسست حول حضورهم وتغطياتهم للانتخابات الأمريكية وقتها، لكنها في المقابل تحول الفيلم أحياناً إلى ما يشبه التكملة للبرنامج التلفزيوني، أو تصويراً لكواليس العملية التلفزيونية وقتها، وتضم مشاهد، آراء، وحوارات لم تصل وقتها إلى حلقات البرنامج ولأسباب مختلفة. 
ضيع الفيلم الذي يخلو بشكل عام من تركيبة مُجددة، فرصة الاستفادة من الأرشيف الضخم الذي يستند عليه، رغم أنه في أوقات قصيرة من زمنه الطويل (110 دقيقة)، وعندما يترك للصور وحدها أن تستعيد تلك الأيام دون تعليقات زائدة أو مشاهد لمقدميه، كان يصل إلى ذروات سردية متألقة تذكر مثلاً بأعمال المخرج البريطاني "آصف كاباديا" (صاحب فيلمي: "سينا" و"إيمي") وأفلام تسجيلية من السنوات الأخيرة، من التي قامت على مواد أرشيفية بالكامل، وعرف مخرجوها كيف يستلون من مئات الساعات المصورة، سرديات مثيرة عن شخصياتهم والزمن الذي عاشت فيه تلك الشخصيات، مع التركيز على دور الإعلام الذي أصبح خِزانة التاريخ الأهم.

 

 

قد ينال إعجابكم