نقد سينمائي

توظيف فعل القتل

 
قيس قاسم
 
"الجنود الأطفال.. وظيفة جديدة" THE CHILD SOLDIER’S NEW JOB عنوان فيلم الدنماركي "مادس أيلسو" يوحي بانشغاله الكامل بظاهرة الجنود الأطفال الآخذة بالاتساع، إلا أن مشاهدته تقول غير ذلك، وبأنه أراد الذهاب به أبعد من تلك الحدود ليصل مداه حتى تخوم الشركات العالمية التي تُزوِّد المتحاربين بحاجتهم من الجنود المرتزقة؛ وقود الحروب الجديدة. 
 
وبعد التقاطته الذكية يصل إلى تفصيل مهم، يشير إلى عودة أغلبية الجنود الأطفال وخلال سنوات نضجهم وشبابهم لنفس وظيفتهم السابقة: قتلة مأجورين، اقترح بناء معمار نصه عليه وعلى بقية العناصر شديدة الارتباط به ليأتي وثائقيه جامعاً متميزاً عن بقية أفلام سبق لها أن تناولت الظاهرة واقتصرت معالجتها على "الطفولة" كتحفة الكندي "باتريك ريد"؛ "يقاتلون كالجنود يموتون كالأطفال" أو رائعة "جان ستيفان سوفاريه" الروائية "جوني ماد دوغ" ومنجز "كيم نوغين" اللافت "ساحرة الحرب"، أراد لنفسه التَميُّز من خلال ملاحقته العنيدة لمراحل ما بعد الطفولة وأيضاً لكشفه أدوار الشركات "المصدرة" لهم للخارج ومعاملتهم كوقود بشري لا بد منه لإبقاء نار الحروب متقدة، وكضمانة لحصولها على مزيد من الأرباح. 
 
على ثلاثة محاور سيسير الوثائقي: الطفولة، الشباب والشركات المستخدمة لقوة عملهم: القتل. ولأن وجودهم الأكثف في القارة الأفريقية، التي أنتجت حروبها الأهلية الطاحنة "الخامة" البشرية اللازمة وجهزتها بعد انضاجها للتصدير، سيرافق الفيلم رحلة عدد منها إلى وجهاتهم التالية: العراق وأفغانستان، اللذان أصبحا مرتعاً لهم بعد قرار الولايات المتحدة الأمريكية سحب جنودها منهما، واستبدالهم بمرتزقة توفرهم لها شركات أمنية وعسكرية خاصة، غير خاضعة للمحاسبة ما سمح لها بارتكاب جرائم حرب بحق العراقيين والأفغان وغيرهم من المُبتلين بالانتهاكات الخارجية المسلحة والمُصَدر إليها على الدوام "وحوشاً" آدمية جبلتها الحروب الأهلية ومنذ صغر سنها، على القتل دون رحمة، ولهذا كان من المناسب الانطلاق من أوغندا وسيراليون الخارجتين من حربين أهليتين تعدّان من بين الأكثر بشاعة في التاريخ المعاصر ولوجود أكبر شركات تزويد الجنود المرتزقة فيهما.  
 
 
عبر خبرين موجزين نسمعهما من مذياع سيارة تنقل فريق العمل إلى مقر شركة "القوة العاملة التنافسية المحدودة" في العاصمة الأوغندية، يفيد الأول بانسحاب القوات العسكرية الأمريكية من العراق، وآخر عن استمرار تدهور الوضع الأمني في أفغانستان رغم تكليف قوات التحالف مهمة تأمينه للقوات المحلية، بدلاً منهم. عبرهما نُكوَّن فكرة أولية عن الفترة الزمنية الطويلة التي اشتغل فيها المخرج "ماد أيلسو" على فيلمه وعن علاقة الشركة بما يجري في البلدين المحتلين، وبعد مقابلة مدير التعبئة فيها ستتضّح أكثر معالم الفكرة التي جاء ليجسدها سينمائياً بأسلوب استقصائي ومعلوماتي مستنداً في كتابتها على عدد من المؤلفين الغربيين الذين سبق لهم أن رصدوا الظاهرة وقبلوا الظهور والمشاركة في عمل وجدوه مكملاً "بصرياً" لما أرادوا توصيله كتابةً، من بينهم؛ "بيتر سنجر" صاحب "محاربون أُجراء" و"ستيفن أرمسترونغ" مؤلف كتاب "وظيفة حرب" إلى جانب "روبرت بيلتون" كاتب "إجازة للقتل" إضافة إلى اعتماده على خامة أرشيفية غنية، أبهر ما فيها تسجيلات قديمة ظهر فيها أطفالاً مقاتلين هم أنفسهم يوقفون اليوم أمام الكاميرا؛ شباباً ويعملون كجنود مرتزقة ضمن وحدات عسكرية خاصة، ما عزّز من مصداقية نصّه وعمق بحثه، الذي لم يكتفِ بهذا القدر فراح ينبش في الأرشيف ليخرج مزيداً من الأشرطة المؤكدة لقوة صلة قادة وبعض مشعلي الحروب بالظاهرة اللاإنسانية من ناحيتي الأسباب والنتائج.
 
التسجيل الذي يظهر فيه رئيس أوغندا يوري موسفني، عام 1986 مستقبلاً في مكتبه جنوداً أطفالاً استخدمهم لتعزيز موقعه ولدعم حربه مع خصومه، مبرراً توجهه بالتقاليد الأوغندية العريقة، حيث يُزجّ بالأطفال وهم في سن الرابعة من العمر، في الاقتتال القبلي. يتعلمون خلاله فنون القتال بأدوات بسيطة وحين يكبرون يستخدمون الأشدّ فتكاً منها. 
 
مدير التعبئة في الشركة قال نفس الكلام بجمل مختلفة وتبريرات تستند على حاجة الشباب العاطل لفرص عمل شحّت بعد انتهاء الحرب الأهلية، ما يشير إلى استغلال الشركات للبطالة والفراغ الحاصل ما بعد الحرب. سيقود البحث عن هيكلة الشركة إلى ارتباطها المباشر وتبعيتها الإدارية إلى أخرى عملاقة مركزها لندن. قصة شركة "أيجيز" ومديرها "تيم سبايسر" ستأخذ من الوثائقي حيزاً كبيراً، كونها تلخص عمل الشركات الأمنية والعسكرية الخاصة.
 
جاء "سبايسر" من مؤسسة عسكرية، حصل على تعليم جيد، يجيد الجمع بين السياسة والمال ولا يخلُ من روح مغامرة. تورّط بداية حياته في عمليات غير شرعية منها؛ بيع أسلحة لعصابات منظمة في أمريكا اللاتينية خرج منها رغم إدانته بأقل الأضرار: الطرد من إحداها.
يكشف الفيلم علاقة الشركة ومديرها بالإدارات الأمريكية بعد الحادي عشر من سبتمبر، لحظة بروز الحاجة إلى إشراك الشركات العسكرية والأمنية الخاصة في الحرب المعلنة ضد أفغانستان أولاً ثم تلتها العراق.
استغلت إدارة بوش والمنتفعين من حربها الحاجة لوجود شريك لها يقدم الضحايا دون إثارة مشاكل، ويصعب في نفس الوقت ملاحقة خروقاته القانونية في حالة إخضاعه للمحاسبة، وفي كل الأحوال يظل كيانً خاصاً لا علاقة له بالحكومة ولا بالقوات المسلحة الأمريكية. 
سيتحول مدير شركة "أيجيز" وخلال سنوات قليلة إلى واحد من أكبر أصحاب المشاريع الحربية الخاصة ومن بين أثرياء الحروب. من غرائب عمل الشركات الخاصة مجهولية هيكلها الإداري. فالكثير منها لديها فروعاً ولكن ما أن يمضي المرء في التحرّي عنها حتى يضيع في دوامة أسماء وعناوين فرعية وبالتالي يستحيل ملاحقتها قانونياً ويستحيل معها حين تكون على أرض غريبة معرفة العقل المحرك لها والرؤوس المسيِّرة لعملياتها. 
 
 
سيتضح من التجربة العراقية أن شركة "بلاك ووتر" وجل قادتها الميدانيين من ضباط فترة "الأبارثيد" في جنوب أفريقيا، قد أخذت عملياً الكثير من أدوار الجيش الأمريكي مع فارق أن العاملين فيها كانوا متحررين من الضوابط العسكرية، فكل ما كان يهم منتسبيها هو الحصول على رواتب كبيرة وعلى إحساس عالِ بالسلطة والنفوذ ولهذا كانوا يقومون بقتل الناس وإشاعة الفوضى والخوف في المناطق التي يعملون فيها دون رقيب أو حسيب. 
 
والمفارقة الصارخة أن الفوضى وعدم التنسيق المؤدية إلى مزيد من الأخطاء الفادحة والخروقات الشنيعة أدت إلى تعزيز وتقوية مركز الشركات الخاصة، وملاحقة الوثائقي لتجربة شركة "أيجيز" تقدم الدليل على تعزيز مكانتها لا إلى تحجيمها. 
فخروقات وتشابك وتقاطع خطوط عمل الشركات الخاصة أجبرت الإدارات الأمريكية على تكليفها بدور المنسق وبذلك أصبحت الشركة عملياً القائد الأعلى الثاني للقوات المسلحة الأمريكية في العراق، لها اليد الطولى والحرية الكاملة في القتل والانتهاك. يرجع الوثائقي من الولايات المتحدة الأمريكية ولندن بعد كشفه فضائح "سبايسر" وشركته وتورطّه في الكثير من الأعمال غير القانونية وبعد عرضه المشوق والوافي لمتانة علاقته وتشابك مصالحه مع إدارة الصقور الأمريكية، وامتلاك بعضهم حصصاً كبيرة في شركات الإنتاج الحربي ما يفسر سر حرصهم على توفير الحماية له والسكوت على كل خروقاته القانونية والأخلاقية، يرجع الوثائقي الدنماركي المشوق، والمبني برصانة لافتة، إلى سيراليون لمعرفة سبب تشجيع السلطات هناك للشركات الخاصة والآخذة بالانتشار على أراضيها، بخاصة خلال الفترة التي أعقبت نهاية الحرب الأهلية.
 
سنعرف أن واحدة من الأسباب القوية لرعايتها يعود إلى رغبة قادتها في التخلص من جنودها العائدين من الحرب ومن احتمال إثارة المشاكل لها فكانت فكرة تسفيرهم وبرواتب خارج البلاد متوافقة مع هواجسهم لهذا حرصت كثيراً على تقوية علاقتها بالشركات الأمنية الخاصة ووفرت لها معسكرات تدريب كبيرة، فكل ما كان يهمها هو تأمين سلطتها دون أي اعتبار لما سيقوم به القتلة المأجورون في مناطق أخرى من العالم، سكانها الأبرياء لا علاقة لهم بحروب سيراليون ولا بغيرها!
بوصوله إلى المرتزقة الشباب يصل الوثائقي إلى ذروة تصعيده الدرامي، فهؤلاء وبشهاداتهم سيسلطون الضوء قوياً على الجوانب الشخصية من الظاهرة وإلى العوامل الاجتماعية والسياسية السيئة التي استثمرتها الشركات الأمنية الخاصة ولعبت عليها كثيراً.
 
 
يظهر جلياً أن من الصعب شفاء "الطفل الجندي" من التشويه النفسي والروحي والجسدي الذي يتعرض له خلال خوضه الحرب والانغماس فيها. لأن كل واحد منهم رأى بأم عينيه بشاعات لا يمكن وصفها وحين يتم غسل دماغه بأفكار انتقامية يغدو الإقدام على ارتكاب الأبشع منها أسهل عليه والابتعاد عنها صعباً، فالحروب الأهلية تغذي الأحقاد وتزيل الرحمة من القلوب. 
بعد أن يكبروا وتقلّ فرص انتقالهم إلى الحياة السوية تصبح فكرة عودتهم إلى سوح القتال أسهل وحين تقل فرص العمل يغدو فعل القتل بديلاً وحيدا متوفرا لديهم ومقبولاً على خلفية ما عاشوه من تجارب. شهادات بعضهم في العراق تميط اللثام عن أسرار وخفايا عمل الشركات الخاصة، وطرق استخدامها للجنود المنضوين إليها ومن بينها؛ التكتم على مكان وجودهم وعدم الحديث عن قتلاهم والتعامل مع كل مواطن على أنه عدو يتربص بهم.
يربط الكثير منهم تجربته في العراق وأفغانستان بتجربته السابقة حين كان طفلاً في الحرب الأهلية المشارك فيها باندفاع أعمى وتحت تأثير المخدرات وارتفاع منسوب الروح الانتقامية في عقولهم بحيث يصبح كل من يقف أمامهم مدنياً كان أم عسكرياً، عدواً يستحق الموت!
 
من نذالات الشركات خفة تعاملها مع منتسبيها وإهمالها لهم عند موتهم، فهي لا تتحمل أعباء نقلهم إلى بلدانهم ولا تسهل عملية دفنهم ناهيك عن تقديم تعويضات مالية لأهلهم. فالجندي المرتزق تنتهي علاقته بالشركة لحظة موته.
 
يعرض الوثائقي التشويهات المريعة التي تطرأ على تكوين الجندي الصغير وكيف يتم خلق "فرانكشتاينات" بشرية بدم بارد ودون شعور بتأنيب الضمير. من الإشارات النبيهة في حقل التعامل مع المرتزقة سريان قانون العرض والطلب عليهم. فالشركات لا تأخذ من الدول الفقيرة حاجتها من البشر لطبيعة الناس فيها واستعدادهم الفطري للقتل، بل إلى فقرهم ورخص ثمنهم. 
 
فكلما كانت القوة العاملة رخيصة اتجهت الشركات إليها، دون التفات إلى النوعية لأن المرتزق الغربي أغلى  وبثمنه يمكن لصاحب الشركة تعيين أربعة أو خمسة جنود من الدول الفقيرة ويكفي هذا لوحده لخلق حالة اجتماعية مرضية.
 نقله بعض وقائع مراجعة تكاليف عمل الشركات الأمنية داخل الكونغرس الأمريكي تشير إلى شكلانية متعمدة وإلى عدم جدية في التعامل مع الظاهرة، حتى مؤتمر جنيف الأخير الساعي إلى وضع قواعد عمل ملزمة للشركات يبدو بعد تحليله، من قبل خبراء شاركوا في متن الوثائقي، شكلياً هو الآخر، لا يفي بالغرض لأن مهمة المراقبة أنيطت بالشركات الخاصة نفسها وكأن المشاركين فيه يطلبون من "الذئب حماية الحمل"!؟. سخرية ومرارة يحس بهما مشاهد الوثائقي لحظة اقتراب نهايته، وبعدها يذهب تفكيره للسؤال عن مصائر أطفال أبرياء لم يُترك لهم خياراً سوى التحول إلى وحوش آدمية بإرادات نُسميها جزافاً: بشرية! 
 

قد ينال إعجابكم