نقد سينمائي

جيرنيكا: أيقونة الألم البشري

عدنان حسين أحمد

يشكِّل فيلم "جيرنيكا" علامة فارقة في حياة المخرج الإسباني كولدو سيرا، على الرغم من أن رصيده السينمائي لا يتجاوز فيلمين قصيرين، وهما "حُب الأم" و "منزل الأشباح"، إضافة إلى فيلمه الطويل الأول "الغابات الخلفية" مع أربع مسلسلات تلفازية.

المخرج الإسباني كولدو سيرا

يتكئ نجاح هذا الفيلم بالدرجة الأولى على بنيته المعمارية الرصينة التي استلهمها المخرج كولدو سيرا من النص السينمائي الذي اشترك في كتابته كارلوس كلوفيخو كوبوس وبارتي كوهين، مُعتمدَين فيها على القصة التي كتبها خوسيه ألبا. ويبدو أن الكُتّاب الثلاثة قد تآزروا في الإحاطة بعدة ثيمات أساسية تجمع بين الحُب، والحرب، والسياسة، والرقابة، والجاسوسية، والتآمر، والقتل، والتعذيب وما إلى ذلك قبل أن يدمغوا النهاية الناجحة بمسحة فنية جميلة سوف تظل راسخة في الأذهان وهي جدارية الجيرنيكا لبيكاسو التي استعارت عنوانها من اسم القرية التي سوّيت في الأرض وراح ضحيتها 1654 مواطنًا، شكّل موتهم المروّع نذيرًا للجرائم التي سوف ترتكبها النازية في الحرب العالمية الثانية. 

لا تخلو القصة من بُعدٍ تاريخي وسياسي في آنٍ معًا سنوجزه بكلمات قليلة مفادها أن جناح القوميين الذي يقوده الجنرال فرانسيسكو فرانكو قد قام بانقلاب عسكري ضد الجبهة الشعبية التي تمثل الجمهوريين الذين يريدون تحقيق الديمقراطية للشعب الإسباني وكان سببًا في إندلاع الحرب الأهلية التي استمرت من يوليو 1936 حتى أبريل 1939 حيث وقف الاتحاد السوفييتي السابق إلى جانب الجمهوريين بينما وقفت ألمانيا وإيطاليا إلى جانب فرانكو الذي انتصر في النهاية وبقي على سُدّة الحكم حتى عام 1975.

لابد لنا كمتلقين أن نتوقع بعض التغييرات التي تحدث سواء في بنية الحدث أو في رسم الشخصيات الرئيسة فيه، فالصحفي جورج ستير الذي غطى بشاعات الحرب الأهلية الإسبانية كان بريطانيًا من مواليد جنوب أفريقيا ويكتب للتايمز البريطانية لكنه في الفيلم أصبح أميركيًا يحمل اسم هنري هاول ويكتب لصحيفة هيرالد تربيون في نيويورك. كما أن أحداث الفيلم قد لا تتطابق بالضرورة مع الأحداث التي تضمنتها القصة الأصلية لأن الفيلم في خاتمة المطاف يجسّد الرؤية الإخراجية لصانع الفيلم.

لا يمكن لأي فيلم تراجيدي أن يتفادى العواطف والمشاعر الإنسانية، ومهما كانت القصة مأساوية فلابد من علاقة حُب تخفف من وقع المأساة وتفتح كُوّة، مهما كانت صغيرة، للأمل كي لا يخرج المُشاهد من الصالة السينمائية خالي الوفاض.

تتأجج قصة الحُب بين الصحفي الأميركي الشهير هنري هاول"جيمس دارسي" وتيريزا "ماريا فالفيردي"،الموظفة الإسبانية التي تعمل مُراقبة في المكتب الصحفي الذي لا يسمح بنشر الأخبار والتقارير التي تمسّ بـ "الجمهوريين واليساريين" وتشوّه سمعتهم خارج حدود إسبانيا. وكالعادة فثمة غريم أو طرف ثالث يشكِّل هذا المثلث العاطفي وهو فاسيل "جاك دافنبورت" عضو في الحزب الشيوعي في حقبة ستالين الذي يبذل قصارى جهده لإنقاذ أخيه الشاعر نيكولاي الذي زجّته السلطات الأمنية السوفيتية في أحد السجون السيبيرية بسبب كتابة نص شعري لاذع ينتقد فيه قسوة السلطة وسياستها القمعية في عموم البلاد.

بطلة فيلم "جيرنيكا" ماريا فالفيردي

كان فاسيل منغمسًا في حب تيريزا يجلب لها الهدايا، ويدعوها للحفلات الموسيقية الراقصة لكنها لم تستجب لهذا الحب، على الرغم من سطوته الوظيفية في مكتب الرقابة فهو يكلفها بترجمة بعض النصوص والتقارير، ويحدّ قدر المستطاع من لقاءاتها بهنري هاول، الصحفي والكاتب الأميركي المتألق الذي قرأت له تيريزا العديد من مقالاته وتغطياته الصحفية التي تصفها بـ "القصيرة، والحادة، والمُلهِمة للغاية" ومثلما تتشعّب قصة فاسيل إلى التجسس، والتآمر، والتعذيب تتكشف لنا حياة تيريزا حينما تسرد قصتها لهنري فنعرف أنها كانت تتمنى أن تصبح كاتبة لكن والدها دبّر لها زواجًا من صديق العائلة فهربت من البيت إلى أن عثرت على وظيفة مراقبة في المكتب الصحفي كونها تجيد عددًا من اللغات الأوروبية الحيّة، كما أنها تمتلك موهبة التعامل مع الصحفيين الأجانب ولا تجد حرجًا في منع أي مقال أو تغطية صحفية حتى لهنري هاول الذي أحبّته وضحت بحياتها من أجل إنقاذه من دسيسة فاسيل التي أوشكت أن تفضي به إلى الموت أو السجن في أقل تقدير.

يُحيط الفيلم بالكثير من الوقائع والأحداث ويكفي أن ننبه في هذا المضمار إلى أن قادة القوة الجوية الألمانية Luftwaffe قد قرّروا استعمال الثيرمايت وهي مادة حارقة تصل درجة حرارتها في ثوانٍ قليلة إلى 1000 درجة مئوية بإمكانها إذابة أي شيء تلامسه خلال الدقائق الثماني الأولى من الاحتراق الذي لا يمكن إخماده بالماء أو بالرمل! وسوف تُجرّب هذه المادة في الجيرنيكا أولاً ثم تستعملها ألمانيا ضدّ دول التحالف في الحرب العالمية الثانية.

ينفِّذ فاسيل مكيدة سفارة بلده حينما يضع ختم مكتب الرقابة في جيب معطف هنري ويطلب من أتباعه تفتيش المعاطف المعلّقة على المشجب فيجدوا الختم الذي وضعه فاسيل بنفسه لكن الأمور تجري بالاتجاه المُعاكس حينما تنبري تيريزا مدعية بأنّ هذا المعطف يعود إليها وأن الجيب الآخر يحتوي على أحمر شفافها كما أن طيّة الياقة تحمل بروشًا خاصًا بها.

تنعطف الأحداث حينما نرى تيريزا وهي تُساق إلى أحد السجون السوفيتية في جيرنيكا وتتعرض للتعرية والتعذيب بالماء المندفع من فوّهة كبيرة، وأكثر من ذلك فإن فاسيل يطلب منها أن توقِّع اعترافًا مكتوبًا يقول: "أنا تيريزا أسكوتيا، أعترف بأنني خائنة، وأنني حاولت تخريب الثورة". أما فاسيل أو ميكيافيتش وهو اسمه الحقيقي الذي تسبب في إعدام ماركو لأنه تجاوز الحدود عن غير قصد ولم ينجح في إنقاذ أخيه لأنه لم يجلب عدوًا للثورة وعليه أن يوقِّع على شهادة وفاة أخيه وربما يتم استدعاءه إلى موسكو لتقديم بعض الأجوبة.

تتصاعد الأحداث على مستوى الشخصيات حتى تصل إلى الذروة في المشاهد المروعة لقصف الطائرات الألمانية لقرية جيرنيكا، بينما ينهمك هنري في البحث عن تيريزا حتى يجدها ويحاول معها الهروب من القرية لكنها تتعرض لإصابة خطيرة، أما فاسيل الذي كان يبحث عنها هو الآخر فبدلاً من أن يقتل هنري فجّر نفسه بطلقٍ ناري. وقبل أن تلفظ تيريزا أنفاسها الأخيرة تطلب من هنري أن يكتب عن هذه الحادثة وينقلها إلى العالم أجمع، حيث يتصل برئيس تحرير صحيفته في نيويورك عبر الهاتف ويملي عليه الجُمل التالية: "في يوم 26 أبريل عام 1937 ثمة بلدة صغيرة في شمال أسبانيا على وشك أن تكون شهيرة ولكن للأسباب الخاطئة. . ." ولولا هذه التغطية الصحفية لما تعرّف العالم على بلدة جيرنيكا التي قوّضتها الغارات الجوية الألمانية بهذا القدر الكبير من القوة المفرطة التي تكشف عن حقد دفين لم تعرفه أوروبا من قبل. وقد كان هذا الخراب نذير شؤم لسنوات الحرب العالمية الثانية التي حصدت ملايين الأرواح قبل أن تضع أوزارها عام 1945.

ثمة لقطات ومَشاهد لا يمكن أن ينساها المتلقي لأسباب عديدة لأنها تنطوي على أبعاد فنية كبيرة، كما أنها ترصد لحظات متوترة تلامس الوجدان البشري وتؤثر فيه ومن بين هذه المَشاهد السينمائية المثيرة مشهد المصورة الصحفية مارتا التي رافقت هنري إلى خط النار وأوشكت أن تموت وهي تصور جنديًا جريحًا لكن أحد المقاتلين أعادها إلى الخندق وجلب معها الكاميرا التي فلتت من يدها لحظة سقوط قنبرة الهاون التي انفجرت على مقربة منها دون أن تصيبها بجروح خطيرة.

لعل المشهد الثاني الذي يعلق بذاكرة المتلقي هو مشهد الجولة السياحية حيث القلعة المعلقة في قمة الجبل الشاهق المطل على البحر، حيث يختلط جمال الطبيعة بعمق الأفكار والمشاعر الإنسانية حيث تتكشف تيريزا على حقيقتها ولا تخبئ شيئًا عن هنري الذي أحبتهُ وتعلقت فيه، فلاغرابة أن تسحبه في مشهد ثالث إلى مخبئها السريّ وهو المكان الذي يحفظون فيه التماثيل والمنحوتات الفنية في أثناء المعارك والحروب ثم يأخذها في عناق حار يخفف من خلاله غلواء الدسائس والأجواء الحربية الموتورة. ربما تكون مَشاهد قصف جيرنيكا مثيرة ومؤلمة برمتها لكن مشهد تعذيب تيريزا بخرطوم المياه، وموتها جرّاء القصف بين يدي هنري، وانتحار فاسيل، وألسنة النيران وهي تندلع في معظم أراء البلدة هي من المشاهد التي لا تُنسى فهي تصوّر ضعف الكائن البشري مهما كان قويًا، كما أنها تختبر مفهوم القسوة، والفظاظة، والقوة المفرطة التي يمكن أن يستعملها الإنسان حينما يتوحش أو يفقد إنسانيته في أقل تقدير.

يبدو أن هذه القصص برمتها لم تستطع أن تحيط بفعل الحرب لذلك استعان المخرج كولدو سيرا بالكلمات والجمل المكتوبة على الشاشة الكبيرة حيث نقرأ: "أن تقنية الضربات الجوية الكاسحة التي طُبقت في الجيرنيكا سوف تصبح منهجًا متبّعًا في الحرب العالمية الثانية". وأن "جيش الكُندور الذي يقوده المقدم فيلهلم ريتر فون  توما سوّى بالأرض أيضًا مدينتي وارشو وستالينغراد، وأن الحرب الأهلية الإسبانية قد انتهت في الأول من أبريل عام 1939 بانتصار الفاشية، وأن بريطانيا العظمى وفرنسا قد اعترفتا بحكومة الجنرال فرانكو الذي حكم إسبانيا حتى وفاته عام 1975".

أشرنا سلفًا إلى أن الضربة الفنية في خاتمة هذا الفيلم هي جدارية الجيرنيكا التي جسدت وحشية القصف الجوي الألماني لهذه المدينة المسالمة والمآسي التي عانى منها الناس الأبرياء. أما البرلمان الإسباني فقد أعلن بأن الغارات الجوية قد نُفذت بأمر من الجنرال فرانكو وأن الحكومة الإسبانية لم تقدّم اعتذارًا رسميًا لمواطني بلدة جيرنيكا.

بكلماتٍ قليلة يضع فيلم "جيرنيكا" اسم مخرجه الإسباني كولدو سيرا في الصف الأول من المخرجين الكبار الذين يعوّلون على مواهبهم الفنية ولا يتخلون عن الصدق الفني في القصص السينمائية التي يتعاطون معها ويصنعون منها فرائدَ بصرية قادرة على البقاء لعقودٍ طويلةٍ من الزمن.

قد ينال إعجابكم