نقد سينمائي

حروب الإنترنت الخفية

أمير العمري

من بين أفلام وثائقية عديدة ظهرت خلال الفترة الأخيرة عن عالم الإنترنت وما يحيط به من أسرار وألغاز بل ومخاطر أيضا، لدينا الآن فيلم وثائقي جديد هو "الويب العميق" Deep Web للمخرج الأمريكي ألكس وينتر. وربما يكون الأفضل أن نطلق عليه "الإنترنت الخفي" إشارة إلى تلك الطبقات العميقة الدفينة من شبكة الإنترنت الدولية التي لا يسهل النفاذ إليها إلا بواسطة برامج خاصة شديدة التعقيد تخفي هوية المستخدم. ويطلق عليها البعض شبكة الإنترنت العميقة أو المظلمة. وتقول المعلومات إن المستخدم العادي لا يصل سوى إلى الطبقة السطحية من عالم الإنترنت، أي ما يوازي 16 في المائة فقط من محتوياتها.

ملصق الفيلم

من هذا المدخل يتحول موضوع الفيلم إلى قضية محددة تتعلق بالموقع الشهير الذي اتخذ لنفسه اسم "طريق الحرير" Silk Road والذي ظهر عام 2011، وهو موقع سري يقع في تلك المنطقة الخفية من عالم الإنترنت، تخصص في تجارة المخدرات بكل أنواعها: الحشيش والهيروين وعقارات الهلوسة وغيرها من العقاقير المدمرة، وقد حقق هذا الموقع وأصحابه نجاحا هائلا خلال فترة زمنية قصيرة، وحصد ما يوازي ملياري دولار قيمة مبيعات المخدرات. ووصل عدد المتعاونين معه في العالم - كما تقول معلومات الفيلم- نحو مليون مستخدم. وقد وصف "طريق الحرير" بأنه "أمازون المخدرات"- إشارة إلى موقع "أمازون" الشهير لتوزيع الكتب والشرائط والأفلام عبر العالم.

القرصان المخيف

أطلق مؤسس الموقع على نفسه اسم "القرصان روبرتس المخيف" وهو اسم مقتبس من رواية "الأميرة العروس" (2011) التي تحولت إلى فيلم بالعنوان نفسه عام 2013. أما فيلمنا الوثائقي هذا فهو فيلم متعدد الأوجه، فبعد أن يوجز لنا- دون توضيح كاف- طريقة بيع المخدرات عبر "طريق الحرير" باستخدام العملة الإلكترونية المبتكرة التي تعرف بـ "بيتكوين" Bitcoin والتي يمكن تحويلها إلى سيولة مالية، يتركز اهتمام مخرج تركيز على شخصية روس أولبريخت مؤسس موقع "سلك روود" وهو شاب أمريكي كان في التاسعة والعشرين من عمره عندما أسس الموقع عام 2011.

صورة لروس أولبريخت قبل القبض عليه

يستخدم المخرج ألكس وينتر، الكثير من المقاطع المصورة المأخوذة من أفلام الفيديو المنزلية، لروس في طفولته، وسط والديه وشقيقته، وكيف أنه وهو الذي ينتمي لعائلة ثرية، كان متفوقا في دراسته الجامعية وحصل على درجة عليا في العلوم لكنه قرر هجرة العلوم وافتتاح شركة لتوزيع الكتب، ثم غادر إلى استراليا ليعود ويؤسس "طريق الحرير" ويبدأ هذه التجارة عبر شبكة الإنترنت، استنادا إلى فلسفة خاصة تميل إلى تبني فكرة الدفاع المطلق عن "الحريات المدنية" وتقليص سلطة الدولة بل ورفض تدخلها في كل ما يتعلق بالحياة الخاصة واختيارات المواطنين الشخصية.

إننا نحيط بالموضوع من خلال المقابلات الكثيرة التي يجريها المخرج مع شخضيات عديدة منها صحفي يتابع قضية أولبريخت من بدايتها، وباحث متخصص في تكنولوجيا الإنترنت، وشاب ممن يستخدمون شبكة الإنترنت العميقة للترويج للأسلحة، ووالدا أولبريخت، ومحاميه، ومسؤولون في أجهزة التتبع والمراقبة الخاصة بالإنترنت، وشخص يتحدث بصوت مشوه أخفى المخرج معالم وجهه، يُعتقد أنه أحد المتعاونين مع ذلك الموقع.

روس في الصورة الوحيدة التي التقطتها والدته له داخل السجن

يظهر في الفيلم أيضا السيناتور الأمريكي تشارلز شومر الذي كان أول من لفت أنظار قسم مكافحة المخدرات وجرائم الإنترنت عام 2011 إلى خطورة ترك موقع مثل "سيلك رود" يعمل بحرية، ومن هنا بدأ تعقب الأجهزة الأمريكية وعلى رأسها وكالة المباحث الفيدرالية (إف بي أي) للموقع. وتمكنت الأجهزة الأمنية من رصد (الخادم) السيرفر الذي يحمل الموقع في أيسلندا، ثم توصلت إلى مكان الشاب الذي يديره ويدير بالتالي شبكة توزيع المخدرات على مستوى العالم وهو روس أولبريخت نفسه وألقت القبض عليه في 2 أكتوبر 2013 أثناء قيامه بتوجيه عملائه باستخدم أحد أجهزة الكومبيوتر في المكتبة العامة بسان فرانسيسكو.

يربط بين حلقات الفيلم المختلفة التعليق الصوتي بصوت الممثل الأمريكي كينو ريفز (الذي اشتهر بدوره في فيلم "ماتريكس"- 1999)، ولكن مع ترك المجال أمام المونتير لكي ينتقل بين الصور التوثيقية المختلفة، وبينها وبين المقابلات المباشرة المصورة العديدة، ومشاهد إعادة التمثيل، والبيانات والتسجيلات الخاصة بالمحادثات عبر الإنترنت بين "روس" وعملائه،  والدعايات التي كان يبثها الموقع في مجال الترويج لنفسه ولمنتجاته، وهي تركز بصفة خاصة، على قضية حرية الاختيار وتناهض بشكل أقرب إلى الفوضوية، فكرة الدولة، وهو خطاب يعجب الكثير من الشباب الذي يميل للتمرد على القوانين.

روس مع أسرته

ويشمل الفيلم أيضا لقطات تسجيلية مأخوذة من أرشيف أسرة أولبريخت، لروس في طفولته وشبابه الأول وحفل تخرجه من الجامعة، وكلك العديد من الصور الفوتوغرافية له مع أسرته وأصدقائه، وكلها تسعى لتقديم صورة "إنسانية" لشاب جميل الطلعة، بريء الملامح، سيعود الفيلم في الجزء الأخير منه للتركيز على قضيته من خلال الاستماع إلى شهادة المحامي الخاص به بعد اعتقاله، وما يرويه والداه عن المحاكمة وما شابها من "تجاوزات" حسب مشاهداتهما، وكيف أن الادعاء لم يرسل ملف الأدلة الذي يبلغ 12 ألف صفحة إلا قبل أسبوع من المحاكمة، وكيف أن ستة آلاف صفحة منها كانت مخصصة لشهادة شخص واحد.

اعتراف

لا توجد بالفيلم لقطات من داخل المحكمة بل رسومات متخيلة فقط . ولكننا نعرف من خلال التعليق الصوتي أن روس اعترف أمام المحكمة بأنه أسس الموقع لكنه قال إنه أسند إدارته إلى أشخاص آخرين، ولم يعد مسؤولا عنه، ونفى كونه "القرصان المخيف"، وقال إنه يعتقد أن أحد زملائه هو الذي ورطه ووشى به، وأكد أنه يؤمن بالحريات المدنية حسب المادة الرابعة في الدستور الأمريكي، ونفى ارتكابه أي مخالفة أو جريمة. وقال محاميه إن الأجهزة الأمنية زرعت داخل جهاز الكومبيوتر الخاص به محادثات مزورة مع أشخاص آخرين تدينه. ومن الجوانب الطريفة في الفيلم ما يتردد عن تكليف روس لقتلة محترفين دفع لهم مبالغ طائلة، من أجل قتل ستة من المتعاملين معه عبر الموقع، الذين كان هناك احتمال أن يكونوا مدسوسين عليه من جانب الإف بي أي. إلا أن هذه التهمة أسقطت بعد أن عجزت الشرطة في العثور على أي جثة من جثث الأشخاص المستهدفين!

رسم لروس أثناء المحاكمة

لاشك في طرافة المادة وتنوعها وثرائها، وفي قدرة المخرج على الوصول إلى الكثير من الأسرار والشخصيات التي تابعت تلك القضية عن قرب من البداية، بل إلى بعض مسؤولي الأجهزة الأمنية أيضا. ولكن ربما تكون المقابلة الوحيدة الغائبة عن الفيلم هي المقابلة مع بطل القصة أي روس أولبريخت نفسه، لكن المخرج لم يتمكن من إنجازها بعد أن فرضت المحكمة حظرا تاما بل ورفضت إطلاق سراحه مؤقتا بكفالة، وقد قضى في السجن عاما وبضعة أشهر إلى أن صدر الحكم عليه بالسجن مدى الحياة في مايو 2015. ولكن لايزال أمامه فرصة استئناف الحكم.

عيوب

يعيب الفيلم فشله في تناول موضوعه الأساسي الذي يشير إليه في عنوانه، أي "الويب العميق" أو عالم الإنترنت الخفي ومخاطره، واختيار مخرجه التركيز على قضية روس أولبريخت من زاوية التعاطف الواضح معه من البداية، وتبني وجهة نظر تتردد في الفيلم على لسان أكثر من شخصية، تكرر أن الحرب على المخدرات لم تؤد سوى إلى وقوع آلاف الضحايا سنويا، وأن العنف لا يقع فقط من جانب عصابات المخدرات سواء في خضم حروبها الخاصة فيما بينها، أو بينها وبين الشرطة،  وبينها ومستهلكي المخدرات الذين يشترونها في الأركان المظلمة من شوارع المدن الأمريكية، وأن بيع المخدرات عبر الإنترنت قلل كثيرا من حجم جرائم القتل التي تقع بسبب تلك التجارة. ويتردد أيضا أن من الجوانب الايجابية لنقل بيع المخدرات إلى الإنترنت، أن المستهلك في هذه الحالة، يمكنه التدقيق في اختيار الموزع ودراسة سجله "المهني" وتاريخه وشهادات المشترين السابقين في حقه، وبالتالي يضمن الحصول على مواد مخدرة أكثر نقاء وأقل ضررا. بل ويظهر في الفيلم أيضا أحد الشباب الذين تعاملوا بالشراء عبر الموقع مؤكدا نبل الفكرة ومقصدها ونقاء المنتج الذي يبيعونه.

الشاب المروج للأسلحة عبر موقع على الإنترنت كما يظهر ويتحدث في الفيلم

غياب الجانب الآخر

نتيجة طغيان وجهة نظر أحادية في الفيلم، يغيب الجانب الآخر الذي يعرض الأضرار الاجتماعية الخطيرة التي يمكن أن تنتج عن إساءة استخدام الأساليب التنكولوجية الحديثة في الاتصال. وتظهر على الشاشة في نهاية الفيلم معلومات تشير إلى أن ضلوع اثنين من عناصر المباحث الفيدالية في اختلاس مبالغ كبيرة من حسابات روس على الإنترنت بعملة البتكوين، وهي إشارة ذات مغزى، توحي للمشاهد بوجود فساد داخل الشرطة في مقابل دوافع روس التي تستند إلى نظرة فلسفية لقضية الحريات العامة المدنية، وحدود سلطة الدولة.

بعد اعتقال روس، اعتقل عدد كبير من الأشخاص الضالعين من بلدان مختلفة في نشاط الموقع. لكن سقوط "طريق الحرير" والقائمين عليه لا يغلق الملف كما يقول لنا الفيلم في النهاية، بل سيستمر ذلك الصراع بين الدولة وأجهزة المراقبة والتنصت والمتابعة من جهة، ومن يبتكرون يوميا وسائل اختراق لتلك الأجهزة باستخدام وسائل التكنولوجيا الحديثة من جهة أخرى.

 

 

قد ينال إعجابكم