نقد سينمائي

حماية 1881: بعيدا عن النمطيّة تُصنَعُ السينما الجميلة

صالح محمد سويسي

يُقدّم "حماية 1881" للمخرج طارق اِبراهيم والذي سبق أن عرض لأول مرة في ملتقى المخرجين التونسيين، وثيقة تاريخية مصوّرة عن مرحلة هامة وحسّاسة من تاريخ تونس المعاصر لم تأخذ نصيبها من البحث والتوثيق البصري.

مرحلة مفصلية شهدتها تونس وألقت بضلالها فيما بعد وبشكل مباشر على مستقبل البلاد ككل وخاصة في بداية القرن العشرين والتي شهدت تطورات كبيرة على المستوى الجيوسياسي للمنطقة بشكل عام، ويأتي شريط طارق اِبراهيم في سياق إبراز ملامح تلك الفترة بصورة تحمل كثيرا من الجمالية.

ملصق فيلم "حماية 1881"

على المستوى البصري، جاء الفيلم رائعا على جميع المستويات، حيث تجوّلت الكاميرا ومن خلال عين المخرج في مناطق عدّة من تونس وخاصة جهات الشمال الغربي التي شهدت مقاومة عنيفة للمحاولات الأولى لدخول الفرنسيين لتونس، ثمّة متعة كبيرة أثناء المشاهدة وهذا يُحسب لأصحاب الفيلم، حيث تنوّعت الصور وزوايا التصوير وكان الشريط أقرب لجولة في زحمة من الألوان والحركات. 

عودة لابد منها...

يعود الفيلم من خلال تفاصيل تاريخية دقيقة إلى تواريخ هامّة أثّرت في مصير تونس في تلك الفترة التي شهدت مشاكل إقتصادية جرّاء سوء تصرّف الوزير الأكبر وقتها مصطفى خزندار المملوك الذي صاهر العائلة المالكة، من ذلك اِقتراض تونس قرابة 35 مليون فرنك ذهبي من فرنسا سنة 1848 بعد أن شحّت مداخيل الدولة من الضرائب، ومضاعفة الجباية من قبل الوزير الأكبر، ثم ثورة علي بن غذاهم، كبير قبيلة ماجر، سنة 1864، لتتوالى الأحداث بالقرض الجديد الذي طلبته تونس من فرنسا، وصولا إلى سنة 1869 عندما أعلنت الإيالة إفلاسها لتختتم الأحداث بتوقيع الصادق باي لمعاهدة بارد والي تقضي بانتصاب الحماية الفرنسية على تونس سنة 1881.

الفيلم الذي شارك فيه عدد من الممثلين من بينهم سندس بالحسن والشاذلي صفر وأنس العبيدي، وهو شريط يوثّق للظروف التي مهّدت لفرنسا الدخول لتونس كمستعمر بعد معاهدة باردو في ماي سنة 1881، يُعدُّ وثيقة تاريخية يُمكن اِعتمادها لتدريس تاريخ تونس المعاصر لطلاّب المدارس عن طريق الصورة في سياق البرنامج الذي أقرّته وزارة التربية لجعل التعلّم عن طريق الصورة جزءًا من المنظومة التعليمية.

لقطة من فيلم "حماية 1881"

التوثيق في إطار  جماليّ

في مستوى آخر، تعمّد مخرج العمل أن يكون سرد الأحداث عن طريق راوية (الكوريغراف سندس بلحسن) لتقدم الحكاية في تعبيرات جسدية متنوّعة تكسر مع المتداول وتخرج بالشريط عن النمطية المعتادة في الأعمال الوثائقية، وتتواءم في كل مرّة مع أهميّة الحدث أو الخبر أو المُعطى التاريخي في ليونة وسلاسة زادت من جمالية المشاهد سيّما وقد راهن المخرج على المشاهد الطبيعية الخلاّبة للشمال الغربي لتونس ليقدّم في أحيان كثير لوحات فنيّة غاية في الروعة والإتقان صمّمتها الطبيعة على مرّ السنوات، وجعلت من تلك الربوع مواطن للجمال والفتنة.

وأكّد المخرج في تصريحات إعلامية أنّ  الراقصة ترمز لتونس التي تحكي حكايتها، فيما ذهب منتج الفيلم محى الدين التميمى إلى أن هذا العمل "يُعدُّ وثيقة تاريخية مزجت بين الوثائقية والروائية متعرضا للأحاسيس والمواقف التى تمثلت فى شتى أشكال المقاومة وخاصة المقاومة الشعبية البدوية سرد هذه الاحداث تم فى ثلاثة أماكن رئيسية تستقطب تاريخيا وفنيا ما جرى فى تلك المناطق وفى كل الاماكن السردية يجتمع رواة للتاريخ وممثلون يتناولونها بالتعليق والتشخيص الدرامى والنقدى.."

متعة السرد 

اِنطلق سرد الأحداث وسط غابة من غابات جبال خمير، ثمّ ينتقل السرد إلى مدينة الكاف مرورا بمدينة بنزرت ووصولا إلى ضواحى العاصمة وتحديدا إلى قصر الصادق باى أين تمّ إمضاء المعاهدة التى كرّست غرض الإحتلال فى شكل "حماية" ويمتد السرد فى أماكن ايحائية فى العاصمة وغيرها ليتم عرض مشاهد تختزل حالة البلاد وتشير إلى نتائج مباشرة ومحتومة لهذه الأحداث دون الغوص فى التفاصيل التي لن تضيف للعمل شيئا أمام طفرة الإيحاءات.

لقطة من الفيلم

في الفيلم أيضا مقاطع تمثيلية أضافت حركية أخرى للشريط، تلك الفقرات التمثيلية على قلّتها اِندرجت ضمن السياق العام للعمل وجعلته أكثر جديّة وعمقا، ولعلّ إعتماد ممثّل يحمل الكثير من ملامح البايات زاد من مصداقيّة الفيلم ولو أنّ حضوره كان رمزيّا أكثر منه مُعمّما أو فاعلا في سير الأحداث.

بشكل عام يعتبر هذا الشريط هامّا للغاية ويحمل أكثر من رسالة في طيّات سرده لمرحلة تاريخية، ولعلّ ما يُحسب لأصحابه أنّ لم يقدّم مادة توثيقية أو تسجيلية جافّة بل سعى ليكون شريطا يحمل معه المتعة على المستوى البصري كما أسلفنا فضلا عن عدم الإطناب في السرد بما يجعل العمل مملاّ أو رتيبا، فقد اعتمد المقاطع القصيرة والتواتر السريع أحيانا بما يخدم تسارع الأحداث في تلك الفترة التي يوثّقها الفيلم.

ولئن أراد صنّاع الفيلم على ما يبدو أن يكون عملهم تأريخا لفترة ما واستقراءً لما يحدث اليوم في تونس من خلال تلك العبارة على معلّقته الرسمية "التاريخ يعيد نفسه" ولئن بدا الأمر متقاربا من حيث تسارع الأحداث التي أدّت للإفلاس البلاد في آخر القرن التاسع عشر والأحداث التي تنبئ اليوم بإفلاس الدولة التونسية أو ما يعتبره المختصّون مؤشّرات خطيرة تتهدّد الإقتصاد الوطني إلاّ أنّ الأمر قد يختلف من حيث ردود الفعل، التي كانت قوية وشرسة خاصة على المستوى الشعبي والذي اِنعدم الآن، ويبدو أنّ الشعب لم يعد مستعدّا للدخول في مواجهات لا أحد يعلم نتائحها.

"حماية 1881" عمل سينمائي تونسي جديد يُضاف لخزانة الأشرطة السينمائية الوثائقية التونسية ويوفّر مادة تاريخية دسمة في إطار فنّي مميّز، يجعل المشاهد ينتظر بحماس أعمالا أخرى للمخرج طارق إبراهيم.

قد ينال إعجابكم