نقد سينمائي

حُماة الأمم المتحدة.. حين يستنجد الغريق بوحش بشري

قيس قاسم

المخرج سام كولينز يُحمّل الصحفية راميتا نافاي أسئلة ملتاعة قبل سفرها إلى بعض الدول الأفريقية، أراد لها أن تكون منطلقاً لبحثه السينمائي الدؤوب

المعطيات التاريخية وشهادات ضحايا كُثر تؤكد تعرض أعداد كبيرة من المدنيين وبخاصة من النساء والأطفال في البلدان التي شهدت حروبا، لعمليات اغتصاب وانتهاك جسدي من قِبل جنود الأمم المتحدة المكلفين حمايتهم.

الوثائقي الاستقصائي البريطاني "فضائح اعتداءات الأمم المتحدة الجنسية" يشرع في البحث عن الضحايا والاستماع لشهاداتهم، وذلك للكشف -من خلالهم- عن حجم الخروقات القانونية والأخلاقية الفظيعة لـ"حراسهم الأمميين".

يُحمّل المخرج سام كولينز الصحفية راميتا نافاي أسئلة ملتاعة قبل سفرها إلى بعض الدول الأفريقية، أراد لها أن تكون منطلقاً لبحثه السينمائي الدؤوب، مثل: لماذا لا تُحاسِب منظمة الأمم المتحدة جنودها "المُغتَصِبين" الذين يقومون بخرق حُرمات سكان بلدان جاؤوا إليها بصفتهم "حماة سلام"، وكُلفوا أصلاً مهمة منع مقاتلي الأطراف المتصارعة فيها من قتلهم وإذلال آدميتهم؟ ولماذا لا تقوم المنظمة الأممية بعد حصولها على وثائق دامغة ومعلومات مؤكدة من قِبل مفوضيها الساميين بسن قوانين صارمة تمنع موظفيها وجنودها من استغلال الناس الأبرياء الهاربين من الموت، وتقديم الجناة منهم إلى المحاكم لمحاسبتهم؟

 

ضحايا حُماة الأمم.. شجاعة البوح

شهدت عاصمة الكونغو كينشاسا (جمهورية الكونغو الديمقراطية) حرباً أهلية طاحنة أجبرت مئات الآلاف من المدنيين على الهروب من المدن إلى القرى، مما استلزم وصول قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة حيث أقاموا لهم معسكرات طارئة فيها، وكُلفوا حماية قاطنيها بأنفسهم. وهناك، قابلت الصحفية المحققة راميتا نافاي عدداً من النساء المُغتصَبات والأطفال المتعرضين للانتهاك الجسدي الجنسي من قِبل موظفي الأمم المتحدة، واقترحت على ضوئها توثيق شهاداتهم وعرض بعضها كـ"حقائق دامغة" أمام كبار مسؤولي المنظمة.

تركيز المخرج سام كولينز على الضحايا يُبرره بأن الفيلم وثائقي معلوماتي يعتمد على الأرقام والمعطيات والحقائق، ويستثمر ذلك على مستويين أحدهما عرض الواقع وطرح الأسئلة "المزعجة" على الجهات المسؤولة عن فعل الاغتصاب والانتهاك الآدمي، والآخر على مستوى البناء السردي حيث يعتد كثيراً بـ"الشخصيات" الراضية بسرد تجاربها، فليس كل الضحايا قادرين على البوح، بل إن الكثير منهم لا يعرف أمام مَنْ عليه البوح والكلام. فجُلّهم من المزارعين الفقراء لا حول لهم ولا قوة، يقبلون على مضض بواقعهم ويعترفون بعجزهم أمام معتدٍ تكفي صفته "الدولية" لتجنيبه المحاسبة، ومع ذلك يقوم الوثائقي بملاحقة الجناة بنفسه (الجنود والموظفين الذين ترد أسماؤهم خلال شهادات الضحايا)، وبذلك يستكمل شخصيته السينمائية كاستقصائي بامتياز.

واحدة من استنتاجات الوثائقي المهمة بعد سماعه شهادات الضحايا في الكونغو هو أن السلطة المطلقة التي يتمتع بها جنود الأمم المتحدة تشجعهم على فعل الاغتصاب

جنود أمميون.. "وحوش بزيّ حارس أمين"

واحدة من استنتاجات الوثائقي المهمة بعد سماعه شهادات الضحايا في الكونغو هو أن السلطة المطلقة التي يتمتع بها جنود الأمم المتحدة تشجعهم على فعل الاغتصاب، ففي ظل غياب عامل الخوف من المحاسبة يجدون أنفسهم طلقاء لا أحد يمنع عنهم ما يخططون للقيام به. أغلب الانتهاكات -وحسب الشهود- جاءت كاستغلال لحاجة الناس للطعام، فالجوع كان دافعاً للنساء والأطفال للاقتراب من "وحوش" تتنكر في زي "حارس أمين".

"لقد انتزعني عنوة وقام باغتصابي".. جملة نسمعها تتكرر على لسان أكثر من ضحية، والأسواق بدورها تتحول عند الجنود الأمميين إلى "فخ" يُسقطون فيه ضحاياهم الباحثين عن لقمة تمنع عنهم الموت جوعاً في أوقات لا أحد يوفر لهم ما يحتاجون إليه، ولا أحد يهتم بمصائرهم أيضا. فدولهم ورجالاتها وبسبب طمعهم في نيل السلطة وامتيازاتها لا يترددون للحظة في خوض معارك طاحنة مع منافسيهم. وحشيتهم هي السبب الرئيسي في مجيء الجنود الأمميين إلى ديارهم والعبث بها.

كل العناصر الموضوعية لبناء مسرح الاغتصاب والانتهاك نراها موجودة في أغلب تجارب الحروب الأهلية، وانطلاقاً منها راحت الصحفية البريطانية تجمع أقوى المشترَكات بينها لتتمكن من طرح الأسئلة "المحرجة" على كبار موظفي المنظمة الأممية.

ثمة تحرٍّ عن العنصر "الأبيض" المتفوق بالقوة يظهر جلياً في استقصاء الوثائقي للجرائم الجنسية المرتكبة وعدد الجنود الغربيين فيها، كما يرد أيضاً في شهادات الضحايا "السود"

العنصر الأبيض.. فوق القانون

لا تطلق الصحفية حكماً عاماً على كبار مسؤوليها المعنيين بملفات قوات حفظ السلام في بؤر التوتر، لهذا راحت تُميز بينهم من خلال مواقفهم المعلنة على لسانهم، فقد استعانت بالأرشيف المُصوَّر والتصريحات الصحفية لهم، وبمقابلة بعضهم وجهاً لوجه وجدت بعدها أن قسماً منهم قد انتبه إلى المشكلة الأخلاقية المخجلة واقترح حلولاً لها، لكنهم عادة ما كانوا يصطدمون عند التطبيق بذريعة قانونية قوية لها صلة بصلاحيات الأمم المتحدة نفسها، فقوانينها لا تمنحها حق تقديم المتهمين من الجنود إلى المحاكم، بل تقع تلك المسؤولية على عاتق الدول التي ينتمي إليها الموظف أو الجندي المشارك في وحداتها. لقد حاول بعضهم إقناع الدول المنضوية إلى المنظمة بتغيير قواعد التعامل مع جنودها، لكن الرفض كان ثابتاً بحجة حماية مواطنيها.

 تأخذ الصحفية البريطانية حالة متكاملة الأركان قانونيا وأخلاقيا وتتابع تطورها، إنها تتعلق بموظف فرنسي في الأمم المتحدة قام باغتصاب العشرات من الأطفال، وورد اسمه ومواصفاته الجسدية في كثير من شهادات الضحايا خلال مقابلاتها إياهم على انفراد، وهو ما دفعه للهرب إلى بلد أفريقي آخر، وعندما ألقي القبض عليه سجن وحكم عليه في فرنسا بالسجن مدة قصيرة لا تتناسب مطلقاً مع حجم جرائمه، وهو ما يُبيّن بوضوح طبيعة التواطؤ بين الدول وبين جنودها المرسلين في مهام يستغلونها دون خوف أبشع استغلال.

وفي مشهد مؤلم يجمع الصحفية به في غابة بعيدة، يعترف خلاله بجرائمه، لكنه يعترف أيضاً بعدم شعوره بتأنيب ضميره على ما فعله. وهنا يبرز جلياً سؤال "التفوّق العرقي" على الآخر الضعيف، إذ لا يشعر القوي المتسلح بقوة الأمم المتحدة ودولته بآلامه ولا بالظلم الذي يلحقه به.

ثمة تحرٍّ عن العنصر "الأبيض" المتفوق بالقوة يظهر جلياً في استقصاء الوثائقي للجرائم الجنسية المرتكبة وعدد الجنود الغربيين فيها، كما يرد أيضاً في شهادات الضحايا "السود". سيكرر الضحايا هنا جملة مؤلمة مستسلمة "سواء اعترف أم لم يعترف فقد حطم حياتي"، لماذا.. هل لأنهم فوق القانون؟ الجواب الذي يوصله لنا الوثائقي، نعم هم كذلك.

عدد "المُغتَصِبين" المُقَدَّمين للمحاكم قليل جداً، وعدد من أُدين منهم على جريمته يكاد لا يُرى لضآلته

ذئاب بشرية دون محاكمة

بالأرقام، فإن عدد "المُغتَصِبين" المُقَدَّمين للمحاكم قليل جداً، وعدد من أُدين منهم على جريمته يكاد لا يُرى لضآلته. ومن المفارقات المؤلمة أنه ولطبيعة المهمات المستعجلة الملقاة على عاتقها فإن الأمم المتحدة تلجأ إلى الاستعانة بجنود من الدول المجاورة والقريبة من مناطق التوتر التي يستلزم وجودها فيها على وجه السرعة، فقد استعانت مثلاً بقوات من جمهورية أفريقيا الوسطى في تدخلها لفضّ الصراع المسلح في دولة مجاورة، وسيتضح عبر ملاحقة الوثائقي العنيدة أن عدداً كبيراً منهم قام بعمليات اغتصاب بشعة أثناء اشتراكه في الحروب التي جرت في بلاده، أي أن "الجلاد" يأتي بقدرة الأمم المتحدة من بلده ليصبح "ملاكاً" في بلد آخر.

المؤلم أكثر أن أغلب جرائم الاغتصاب في وقت الأزمات والحروب لا يتم تسجيلها لخوف المجني عليهم من تقديم الشكاوى، وأملاً في صحوة ضمير الجاني يوماً. سيتضح أن الشكاوى المقدمة -وهي قليلة جداً مقارنة بعدد الجرائم الجنسية المرتكبة فعلا- لا تأخذ طريقها الصحيح وغالباً ما يتم تجاهلها.

لقد اضطرت الأمم المتحدة مؤخراً إلى استحداث دائرة خاصة مهمتها متابعة الشكاوى المقدمة ضد جنودها، لكن هل حققت شيئاً؟ لا ينتظر الوثائقي جواباً لأن الأسئلة الأكبر التي طرحها وعزز من مصداقيتها بالتحري الدقيق والموثوق تعلن بجرأة أنه من المستبعد -في ظل تركيبة المنظمة الدولية الحالية وسلوك أكثرية دولها الأعضاء- إعادة الاعتبار للضحايا ما داموا ضعفاء لا أحد يدافع عنهم، لا دولهم ولا حتى الأمم المتحدة التي ظهر قسم من جنودها وموظفيها في الوثائقي الرائع مثل ذئاب بشرية، كان لا بد من كشف خِسّة أفعالهم.

قد ينال إعجابكم