نقد سينمائي

"خارج الإطار: ثورة حتى النصر"

 
محمد موسى
 
هناك روايات غير مؤكدة تقول أن الجيش الإسرائيلي وعندما احتلّ بيروت في عام 1982، أخذ معه كل الأرشيف السينمائي الذي صورته أو جمعته منظمة التحرير الفلسطينية، والتي كانت تتخّذ وقتها من لبنان مركزاً رئيسياً لها. يتضمن ذلك الأرشيف وحسب روايات أخرى مئات الساعات المصورة ليوميات فلسطينيين في الشتات وأفلام تسجيلية وأخرى دعائية عن الثورة الفلسطينية المسلحّة وبدايات العمل الفدائي. وإذا صحّت هذه الروايات فإن سرقة التراث السينمائي الفلسطيني هو تفصيل فقط في حرب إسرائيلية مجهولة لكثر، متواصلة منذ عقود للاستحواذ وتهميش وتزييف التاريخ والثقافة الفلسطينية.
 
يتشكل الفيلم التسجيلي "خارج الإطار: ثورة حتى النصر" للمخرج الفلسطيني المقيم في رام الله مهند اليعقوبي، والذي يعرض الآن ضمن برنامج الأفلام التسجيلية في مهرجان تورنتو السينمائي (يُختتم في 18 من شهر سبتمبر الجاري)، في معظمه من الأفلام والصور الفوتوغرافية التي نجت من محرقة بيروت ومن الهزّات والانتقالات الجغرافية التي كانت دائماً عنيفة وغير مخطّطة لمنظمة التحرير الفلسطينية (الجهة الرئيسية التي كانت تحفظ معظم الأرشيف السينمائي الفلسطيني)، لأن بعضها هي أجزاء من أفلام  اشتركت في مهرجانات سينمائية وحُفظت ضمن أرشيف تلك المهرجانات، والبعض الآخر كان من توقيع مخرجين من جنسيات أجنبية، وتم الاحتفاظ به بعيداً عن الشرق الأوسط.
 
يربط المخرج الفلسطيني الشاب بين أفلام أرشيفية تختلف بجودتها ومناسباتها ومقارباتها وصور فوتوغرافية من حقب تاريخية مختلفة ويجعلها تروي قصة فلسطين والفلسطينيين، من بدايات القرن العشرين وحتى اليوم. يختفي المخرج خلف الصور، كما تغيب الشروحات عن الفيلم، سوى في مواضع قليلة، عندما ظهرت على الشاشة إشارة إلى أن الفيلم انتقل إلى مخيمات الفلسطينيين في لبنان.عدا ذلك يترك المخرج للصور أن تروي الحكاية، حيث المأساة والخيبات والأحلام المكسورة ستكون الدليل الذي يقود المشاهد عبر متاهات الصور المؤلمة للغاية التي نقلت نتفاً قليلة فقط من التاريخ الداميّ للفلسطينيين.
 
يبدأ الفيلم من البدايات، من بدايات عصر الصورة وما نقلته عن الحياة في فلسطين، وبدايات المأساة الفلسطينية في القرن الماضي. فيقدم في هذا الاتجاه صوراً فوتوغرافية من نهايات القرن التاسع للحياة في المدن الفلسطينية بعضها ساحر الجمال، وبدت أحياناً تشبه لوحات المستشرقين الغربيين المعروفة. 
 
يصل الفيلم سريعاً إلى عام 1948 المفصلي، والذي غيرّت أحداثه التاريخ الفلسطيني إلى الأبد، ويعرض صوراً وأفلاماً من تغطيات التلفزيونيات الغربية وقتها عن بدايات التغريبة الفلسطينية. كل ذلك سيسبق انطلاق العمل السياسي والعسكري لمنظمة التحرير الفلسطينية بسنوات، والتي ستولِّي الصور والسينما اهتماماً كبيراً، سيعكسان تطورّها ونضوجها من منظمة فدائية صغيرة إلى ممثل وحيد للقضية الفلسطينية ولعقود طويلة.
 
من أفلام الأسود والأبيض إلى الصور الملونة، ومن تلك التي صورّها هواة إلى مشاهد محكمة بتقنيتها، يتنقل الفيلم التسجيلي "خارج الإطار: ثورة حتى النصر"، متتبعاً من جهة التاريخ الفلسطيني الحديث بمحطاته المؤلمة، ومبرزاً من الجهة الأخرى تيمات خاصة أهمها: بديات الكفاح الفلسطيني المسلّح وشعاراته الواضحة التي لم تغفل السلام حينها، ودور النساء في ذلك التاريخ، والأطفال الذين عاشوا تحت ظلّ تلك الظروف، كما يمرّ الفيلم على محطات تاريخية مؤلمة وإشكاليّة، مثل الحرب التي شنّتها الأردن على الفصائل الفلسطينية في بدايات عقد السبعينات والتي تُعرف بأيلول الأسود، وما حدث بعدها في بيروت من نزاعات مسلحّة بين الفلسطينيين والقوى اللبنانية.
 
 
تبرز مشاهد أكثر من غيرها في الفيلم، كالحوار الذي تمّ مع فلسطيني، والذي شرح وبعفوية كبيرة أنه يكره العنف والقتل لكن الاحتلال هو من يجبره اليوم على حمل السلاح. أو المشاهد التي نقلت حصة درس تاريخ في مدرسة صبيان والنقاش الذي دار وقتها عن الوطن والهوية. وهناك اللقاء الآخر الذي كشف فيه فلسطيني أخفى وجه بكوفية وتحدث بانكليزية متقنة عن الأسباب التي جعلته يترك عائلته ووظيفيته من أجل الالتحاق بالحركة المسلحة، وحتى ياسر عرفات زعيم منظمة التحرير بدا في بعض المشاهد الأرشيفية في الفيلم عفوياً وصادقاً، وعلى عكس أدائه المتكلّف في خطبة الزيتون الشهيرة في الأمم المتحدة التي عرضها الفيلم التسجيلي. تحدّث عرفات للكاميرا في واحد من المشاهد القليلة له في الفيلم والبعيدةعن المبالغات التي كانت تطبع لقاءاته التلفزيونية، بأن منظمة التحرير حولت الفلسطينيين من لاجئين مهمشين إلى مقاتلين في معركة وجودهم.
 
ستنهي العمليات الفدائية في أوروبا واختطاف الفلسطينيين للطائرات وتفجيرها براءة حقبة الكفاح الفلسطيني الأولى، والتي جذبت وقتها تعاطفاً شعبياً حول العالم، ومناصرة مثقفين وفنانيين غربيين. في واحد من مشاهد فيلم "خارج الإطار: ثورة حتى النصر" تظهر الممثلة البريطانية "فانيسيا ريدغريف" والتي ستروي بتحدِّي النبوءة الإسرائيلية التي كانت تقول أن النضال الفلسطيني سينتهي مع موت الفلسطينيين البالغين الذين عاشوا النكسة، ونسيان الصغار الذين ولدوا وعاشوا بعيداً عن فلسطين. في مشاهد أخرى يُطلّ المخرج السويسري الفرنسي جان لوك غودار، والذي صوّر مشاهد من أحد أفلامه في فلسطين في بداية السبعينات من القرن الماضي.
 
يربط الفيلم الذي يعيد الذكريات ويفتح أبواب الحنين عشرات الصور والأفلام القصيرة ببعضها ضمن خط زمني تصاعدي، لكنه لا يبدو مشغولاً كثيراً بالسرد التاريخي بقدر اهتمامه بالأثر العاطفي التراكمي للصور المختلفة التي يُقدّمها. ينبش المخرج في الذاكرة الفلسطينية المكلومة، ويستحضر صور فلسطينيين عاديين، مرَّ الكثير منهم دون تعريفات أو أسماء. هم كانوا أبطال ذلك الزمن ومهزوميه في الآن نفسه، بوجوههم النضرة، وأحلامهم، وأسئلة حياتهم، و"فلسطينهم" التي لاتزال بعيدة. كل وجه يظهر في الفيلم هو قصة، وحكاياتهم التي لم تشرحها الأفلام وقتها مازالت تنتظر من يرويها. كالطفلة بالوجه المحترق من قصف إسرائيلي والتي كانت تجلس مذهولة بجوار أُمّها، او الفدائية الشابة التي كانت تنظر بعمق للكاميرا، وذلك الطفل في مدرسة اللاجئين. ليس بالإمكان معرفة مصائر تلك الشخصيات أو غيرها، لكن الفيلم يضعهم مجدداً في وسط العدسة السينمائية وليس خارج الإطار كما يقول عنوانه.
 
يختتم المخرج فيلمه بمشاهد صُورِّت تحت إدارته من مدينة رام الله حيث يعيش، وكأنه أراد بتلك المشاهد أن يضيف ويُحدِّث صورة فلسطين السينمائية ويضمن ديمومتها. صور المخرج في صف في مدرسة ابتدائية في رام الله، وبأسلوب ربما أراد من خلاله محاكاة مشاهد أرشيفية عرضها الفيلم من مدرسة فلسطينيين قبل أربعين عاماً. لم تتبدّل أحلام أطفال اليوم عن تلك السنوات، على الرغم من التحولات السياسية والاجتماعية الكبيرة التي حدثت، لكن فلسطين تبقى حاضرة كحلم أبدي، وكعلم كان يرفف في ساحة مدرسة في مدينة رام الله، والذي اختار المخرج أن يختم فيلمه المؤثر والمهم بمشهد له.

قد ينال إعجابكم