نقد سينمائي

"زهرة الصبار".. التحرر من قيود السوق

بوستر فيلم "زهرة الصبار"

أمير العمري

شهد الفيلم المصري "زهرة الصبار" عرضه العالمي الأول في قسم "المستقبل المشرق" بالدورة الـ 46 من مهرجان روتردام السينمائي الدولي، وهو الفيلم الروائي الطويل الأول للمخرجة وفنانة الصورة المصرية هالة القوصي التي أخرجت من قبل سبعة أفلام قصيرة، وعرفت باهتماماتها العميقة بفن الصورة، وما يعرف بفن الفيديو، وأسست أول مركز من نوعه للصورة المعاصرة في العالم العربي. وتستخدم القوصي في أعمالها البصرية التصوير الفوتوغرافي والتركيب في الفراغ والنص المكتوب والفيديو.

المخرجة وفنانة الصورة المصرية "هالة القوصي"

لا شك أن الخلفية الفنية للمخرجة انعكست بشكل واضح على فيلمها الذي يقع من حيث الشكل، خارج تصنيف الأفلام السائدة في السينما المصرية بشكل عام، كما لا يعتمد على أسماء النجوم، ولم يمر بطرق الإنتاج التقليدية، بل اعتمد على ميزانية محدودة من خلال المشاركة الجماعية مع دعم محدود من شركات ومؤسسات سينمائية في الإمارات والنرويج وقطر.

من المشهد الأول في الفيلم تتبدى الاهتمامات التشكيلية والبصرية للمخرجة بوضوح، في تكوين اللقطات، واختيار الملابس والألوان، وتصميم الديكور، والاختيار الدقيق لمواقع التصوير، والاهتمام بالتفاصيل الموجودة في خلفية الصورة، الأمر الذي يمنح فيلمها طابعا بصريا مدهشا، فالعناصر البصرية في اللقطة، مع الزوايا التي تتخذها الكاميرا، مع الحركة داخل فضاء المشهد، تلعب دورا في تقديم الشخصيات، وبناء العلاقات فيما بينها، ونقل الإحساس المطلوب للمشاهدين.

مشهد من فيلم "زهرة الصبار"

هالة القوصي تروي قصة تدور حول فتاة تمثل رغبة الفتاة المصرية المثقفة في تحقيق الاستقلالية وترغب في التحقق عن طريق الفن، وما يواجهها من عقبات ومشاكل اجتماعية محبطة، ومناخ قاس تجد نفسها مدفوعة للتعامل معه. هذا باختصار هو موضوع الفيلم. لكن المخرجة- المؤلفة، لا تهتم كثيرا بالحبكة، ولا تميل إلى حل التعقيدات الناتجة، على الأقل في معظم أجزاء الفيلم، بل بتقديم "رؤية" معاصرة للواقع الحالي في مدينة القاهرة، في ضوء التطورات السياسية التي وقعت في 30 يونيو 2013، وما نتج من فوضى في الشارع، وتصاعد حالة الاستنفار الأمني ووقوع الانفجارات، ثم فرض حظر التجوال. إنها ترصد من خلال تلك الرؤية واقع الشباب المتطلع إلى التحقق في ظل ظروف وأوضاع بدا في لحظة تاريخية أنها يمكن أن تلبي طموحاتهم في العيش الكريم والحرية، لكنها انتهت إلى الإحساس بالقهر وفجرت كل مضاعفات الكبت الاجتماعي والسياسي، وأدت إلى مزيد من الاغتراب عن الواقع والهرب، إما إلى التحليق خارج الواقع، إلى نوع من أحلام اليقظة، أو مقاومة الكوابيس التي تطاردها، أو من خلال الارتداد إلى الماضي، أو الغرق في غيبوبة المخدرات.

تتذكر بطلة الفيلم الشابة "عايدة" (سلمى سامي)، في أولى لقطات الفيلم، كيف كانت أمها تطلب منها أن تبتسم أمام الكاميرا وهي طفلة صغيرة، لكنها تقابل نداءات الأم والمصور أيضا، بسلبية تامة، في صمت وعناد، أو تبدو ببساطة، عاجزة عن الابتسام، وكأنها نشأت تفتقد تلك اللحظة التي تدعو للبهجة. ثم ننتقل على الفور إلى عايدة اليوم، بعد أن أصبحت شابة، فشلت في أن تصبح ممثلة (تقول إنهم يعتبرونها ممثلة صاعدة منذ عشر سنوات).. وهي تضطر للعمل في الإعلانات التلفزيونية التجارية، تروج لسلع استهلاكية أو للمدن والأحياء الجديدة التي تنشأ تلبية لمطالب طبقة الأثرياء الجدد، تتعرض لكل أنواع الضغوط: صعوبة في دفع إيجار الغرفة التي تستأجرها فوق سطح إحدى العمارات، مشكلة انقطاع المياه، انفجارات القنابل في الخارج، الزحام والحرارة الشديدة في قيظ الصيف، تحرش ابن صاحبة العمارة الفظ بها، الجيران الذين يعتبرون أنفسهم أوصياء على القيم والأخلاق، سلبية حبيبها الكاتب الشاب (أحمد) الذي لا يرد على اتصالاتها الهاتفية ويبدو أنه يتهرب منها.

بطلة الفيلم الشابة "عايدة"

واقعية سحرية

رغم كل هذه المشاكل الحياتية المباشرة، ليس من الممكن اعتبار فيلم "زهرة الصبار" فيلما ينتمي للواقعية، فهالة القوصي تريد أن تصنع عالما فنيا قريبا من الواقعية السحرية التي عرفت في الأدب الأمريكي اللاتيني والسينما. إنها تمزج بين الخيال والحقيقة، وبين الحلم والواقع، وبين الهواجس والإحباطات، عن طريق الصور التي نراها فجأة تقطع السياق دون منطق درامي، بل لنقل الحالة النفسية دون أن يكون التبرير النفسي هو العامل الأساسي في بناء الشخصية، وهذه الطريقة في السرد الحر، تجعلها تبتكر مشاهد تبدو كما لو كانت تحدث الآن غير أنها تعكس صورة متخيلة لما يمكن أن يحدث مستقبلا..

كما في المشهد الذي نشاهد فيه بائع مياه يقف أمام عربة عليها أوعية مليئة بالمياه، يعلن بصوته عن بيع المياه النقية، يقف أمامه صف من الفقراء العاجزين عن الشراء، وعلى مقربة منهم تجلس امرأة يبدو أنها كانت تنتمي للطبقة الميسورة الحال، تجلس الآن شريدة على مقعد وثير متهالك على رصيف الشارع، تتمتم بكلمات تشي بالجنون بعد أن طردت على ما يبدو من مسكنها، وهو المصير نفسه الذي ينتظر عايدة وجارتها العجوز "سميحة" ( منحة البطراوي) على يدي صاحبة المسكن المتعجرفة الجشعة، لتجد عايدة نفسها مع جارتها التي تعاني من عدم القدرة على السير بعد أن كسرت ساقها، تبحث عن مأوى لهما ولكن الاثنتين تصران على عدم الاستعانة بالأهل والأقارب في البداية. سميحة من جهتها تبدو كامرأة عاشت في الماضي حياة صاخبة، لكنها انتهت إلى الوحدة، وأصبحت تستنكر كل شيء من حولها، متبرمة، قلقة، نافذة الصدر، تحمل تعالي الطبقة الوسطى التي تنتمي إليها رغم فقرها الحالي، لكن التجربة القاسية الجديدة التي تخوضها الآن، تستخرج منها المشاعر الإيجابية.

عايدة وجارتها العجوز "سميحة" في مشهد من الفيلم

 تستعين عايدة بشاب من الجيران هو "ياسين" الذي يساعدها أولا في نقل سميحة إلى المستشفى لعلاج ساقها، ثم يبدأ الثلاثة رحلة عبثية في سيارات "التاكسي" عبر شوارع القاهرة المزدحمة الخانقة، بحثا عن مأوى، وخلال ذلك تتردد عايدة وسميحة على بعض الأقارب والمعارف والأصدقاء، تقضي الاثنتان يوما هنا، ويومين هناك، وتتدفق بعض الذكريات وتظهر أشباح من الماضي، ويكون النصف الأول من الفيلم هو الأكثر إثارة ومتعة وتشويقا بل ونجاحا في الربط بين الخاص والعام، أي بين أزمة عايدة الشخصية، والواقع الذي تعيشه مصر والمصريون بعد أن أجهضت أحلام الثورة، ولكن دون فقدان الأمل. 

تتميز هالة القوصي بقدرتها على التقاط الكثير من التفاصيل، وهي تعبر بكاميراتها على واجهات المنازل الممتدة في شوارع القاهرة على نحو يذكرنا بفيلم "آخر أيام المدينة" لتامر السعيد، في سياق يرثي ما وقع من تدهور وانهيار وإهمال أضر بالعمارة القديمة التي كانت تشهد في الماضي، على عبور مصر إلى عصر الحداثة. ولهالة- فيلم قصير بعنوان "البحث عن مدينة" يتناول ما كانت عليه القاهرة الإسماعيلية (نسبة إلى الخديوي إسماعيل صانع النهضة المصرية الحديثة) وما أصبحت عليه. 

هالة القوصي تبدو كما لو كانت تتابع في سياق شبه تسجيلي، بحث بطلتها الشابة عن التحقق أو الحرية، في ظل واقع يسحقها تماما ويرغمها على أن تفعل ما لا تريد، أما جارتها ورفيقة رحلتها العبثية، سميحة، فهي تتفوق عليها كونها أولا قد عاشت حياة أفضل في الماضي (أنتم لم تروا جمال المدينة، وكيف كنت أتوق شوقا للعودة من السفر في الخارج لكي أحتضنها) ورغم ذلك فهي تشعر بوطأة ما وقع من انهيار. وفي الوقت نفسه، تخرج هالة بين حين وآخر، عن السياق الواقعي الصارم لتحلق في الفضاء من خلال تلك الإسقاطات والتداعيات المتخيلة، كأن نرى مثلا مجموعة من الشباب، يرتدون ملابس زاهية الألوان بينهم بعض الفتيات، يتقدمون جميعا على إيقاعات موسيقى راقصة صاخبة، من عايدة وأحمد الجالسين في حديقة الأزهر، يضحكون ويسخرون ويتراقصون ويتطلعون في تهكم ومعابثة إلى عايدة، كما لو كانوا يسخرون من استحالة العلاقة بين الاثنين.

عايدة وأحمد في حديقة الأزهر

من الواقع إلى الخيال

تصور هالة الكثير من تفاصيل الشارع بأسلوب السينما التسجيلية: امرأة بائسة تدق علب الصفيح من مخلفات المشروبات الغازية، باعة الفواكه على الرصيف، إعلانات قبيحة ترتفع أعلى الشوارع، انتشار الحجاب بين الفتيات، حواجز الشرطة المنتشرة، تُوقف أحدها التاكسي أكثر من مرة، وتقوم الشرطة بفظاظة، بتفتيش ياسين تفتيشا يدويا، الممرضة التي تستقبل سميحة وتتحايل للحصول على رشوة، الحديث عن تآكل أنابيب المياه والصرف في العمارة التي كانت تقطنها عايدة وسميحة ثم انفجار أنبوب مياه وغرق الطابق بأكمله وهو مبرر طردهما من السكن، الإشارة الساخرة إلى حظر التجوال باعتباره "حفظ السلم"، مظاهر القبح المنتشرة في كل مكان، والتلوث القاتل، وما تبثه الإذاعات من أخبار تشي بالاضطراب الحاصل.

وخلال رحلتها في شوارع القاهرة تلتقي عايدة بصديقة قديمة لها هي هند (حنان يوسف)- كانت في الماضي تعيش حياة متحررة، وكانت تريد أن تصبح ممثلة، ثم فقدت رغبتها في استكمال الطريق تحت ضغوط الواقع، فارتدت الحجاب وتزوجت  وتبرأت من ماضيها مع بقاء مشاعر الضغينة تجاه عايدة، ربما بسبب احتفاظها باستقلاليتها، لكنها مع ذلك، تتباهى بالساعة الثمينة التي اشتراها لها زوجها، تنصح عايدة بالزواج، وتطالبها بـ "شراء ساعة" لكي لا يفوتها مراقبة مرور الزمن. والواضح أن فكرة الساعة برمزيتها استهوت هالة، وربما تكون مقتبسة من فيلم "عودة الابن الضال" ليوسف شاهين، وإن جاء هذا المشهد الطويل غامضا، فلم نعرف بالضبط طبيعة العلاقة بين عايدة وهند (صداقة- غيرة)، ولا مغزى تمتمة هند بكلمات التوبة والتماس الغفران على ما اقترفته أو تعرضت له في الماضي، فهل كانت تقيم مثلا علاقات متعددة، أو هل تم استغلالها جسديا.. لا يتضح شيء من هذا.

عايدة وصديقتها القديمة هند في مشهد من الفيلم

في مشهد خيالي نرى خياطا يقيس فستانا لعايدة ويقول لها مباركا "هذا فستان خطوبتك على نجيب بك محفوظ الذي سيكسب نوبل" أي الفستان وليس نجيب. وعندما تتحدث أمها (وهي خياطة أيضا) في مشهد استرجاعي، عن فساتين الأطفال وتعدد تغير ألوانها مع تقدم الأطفال في العمر، نشاهد فتيات ترقصن بينما تقف عايدة وهي طفلة وحيدة دون أن تشارك في الرقص، وفي مشهد آخر نرى مجموعة من الرجال ذوي الشعور الطويلة يتحركون حركات أقرب إلى التقلصات العضلية وفي وسطهن عايدة وهم يطبقون عليها تدريجيا من كل ناحية، بينما يتطلع رجال آخرون وضعوا رؤوسهم داخل أقفاص كأقفاص العصافير، ومع اندماج عايدة في الحركة، تشعر بالاختناق بينما يصفق "الرجال في الأقفاص". إن هالة القوصي تريد أن تعبر من خلال تلك المفردات الشعرية عن الحالة النفسية لبطلتها وتميزها عن الآخرين. وهي تنتقل في ثلثي الفيلم بين العالمين، متحررة من أسلوب السرد التقليدي ومنطقة الأحداث، لكنها في الثلث الأخير تعود للشرح ومنطقة الأشياء ومحاولة العثور على تفسير للعلاقة المبهمة بين عايدة وأحمد، مع كثير من الثرثرة والاستطرادات التي أضرت بالإيقاع العام.

زيارة عايدة وسميحة إلى "مراد" (زكي فطين عبد الوهاب) الذي يكبر عايدة بثلاثين عاما على الأقل، والمفترض أنه كان أستاذها في التمثيل، ثم تكتشف سميحة أيضا "يا للمفارقة" أنها كانت تعرفه دون أن نفهم طبيعة العلاقة بينهما، لم تكن ضرورية في السياق بل تبدو دخيلة ومفتعلة وغير مقنعة، خاصة عندما يلح مراد فجأة على عايدة أن تتزوجه ويؤكد لها أنه على استعداد للزواج منها فورا. وربما كان استبعاد هذا المشهد من الفيلم يمكن أن يضبط الإيقاع خاصة أن أداء الممثل يفتقر إلى الإقناع بسبب سطحية الشخصية.

عايدة وسميحة و"مراد" في مشهد من الفيلم

تُصمّم هالة مشهدا آخر خياليا تضع فيه معظم شخصيات فيلمها في ملابس فرعونية يعملون في حقل بالريف، وتبدو عايدة كما لو كانت أميرة فرعونية حزينة، بينما يظهر مراد وهو يضرب صفحة مياه الترعة بفرع من فروع الشجر وهو يتطلع إلى عايدة ويردد: هذا هو الفن الحقيقي، ربما على سبيل السخرية من عجز الشخصية وعقمها وليس مهما بالطبع أن يوجد تفسير للمشهد، فهو جزء من الصور الشعرية التي تغوي هالة وتسيطر على أحلامها من الناحية البصرية. ولا شك أنه مشهد بديع على مستوى الصورة.

الأداء

على مستوى آخر يبدو الشاب "ياسين" (مروان العزب) الذي تنمو بينه وبين عايدة علاقة صداقة لا نعرف إلى ماذا يمكن أن تنتهي، بملامحه الطفولية نموذجا يعبر عن قدرة الجيل الجديد، على حل المعضلات، مع الصمود والتفاؤل والعمل على تأسيس شيء خارج الأطر الرسمية، فهو يشترك مع أصدقائه في تأسيس إذاعة شعبية حرة يعبر من خلالها المصريون بحرية عن أنفسهم.

الشاب "ياسين" في الفيلم

ويظهر المغني باسم وديع في مشهدين من الفيلم، كشاب محبط هزمه الواقع فلجأ إلى تعاطي المخدرات دون أن يتخلى عن الحلم. فهو الذي سيؤدي وسيؤدي الجميع معه: عايدة وسميحة وياسين، أغنية الشيخ إمام "كلمتين لمصر" التي تنتهي بكلمات "شقشقت والنور بشاير.. زهرة الصبار يا سالمة.. يا نسيم الشوق يا طاير.. قل لمصر الصبح كلمة"، وسنسمع الأغنية نفسها في خاتمة الفيلم تؤديها فرقة بطريقة "الراب" السريع!

أتصور أنه لو توفرت لهالة القوصي إمكانيات أكبر لاستطاعت أن تتحرر أكثر وتترك لخيالها العنان أكثر، وتستعين بديكورات أكثر قدرة على التعبير عن خيالها الجامح، وتستعين بخبرات تمثيلية أكثر حنكة وتأثيرا، فعلى الرغم من براعة منحة البطراوي في دور سميحة، وانتقالها من المشاكسة والضيق والغضب، إلى المرح والضحك، والتعبير عن المشاعر الجياشة، تتضامن بحب مع عايدة، ورغم الأداء الحماسي من جانب عارفة عبد الرسول في دور الأم، واجتهاد سلمى سامي كثيرا في دور عايدة، إلا أن الأداء العام عند باقي الممثلين لم يرق إلى المستوى المطلوب، وخاصة أداء الممثل الذي قام بدور أحمد، الذي كان اختياره للدور خطأ من الأساس، فهو جامد، عاجز عن التعبير بالوجه أو بالصوت، أحادي النبرة، وغير مقنع أصلا في الدور. 

التجربة بشكل عام جيدة، ولا شك أن لدى هالة القوصي ما تملك أن تقدمه وتمده على استقامته في فيلمها التالي. لكن صنع الأفلام المستقلة فنيا وإنتاجيا، لم يعد سهلا في عالم اليوم.

 

 

قد ينال إعجابكم