نقد سينمائي

"سنودن" .. فضح المؤسسة

 
أمير العمري
 
في العام الماضي حصل فيلم المواطن 4  -Citizenfour    على جائزة الأوسكار كأحسن فيلم وثائقي طويل. وكان الفيلم الذي أخرجته الأميركية "لاورا بويتراس" يروي تجربة انشقاق الضابط الشاب في وكالة الأمن القومي الأمريكي، إدوارد سنودن، وقت وقوعها مباشرة، محذرّا من تدخل الوكالة مع غيرها من وكالات المخابرات وعلى رأسها (السي.آي.إيه) التي عمل لها سنودن أيضا، في الحياة الشخصية للأفراد، والتدخل في شؤون الدول الأخرى، عن طريق اختراق وسائل الاتصال الحديثة.
 
وبقدر ما كان الفيلم الوثائقي عن "سنودن" كشاب ذي أفكار مثالية، ورؤية أخلاقية نادرة، اختار أن يُعرّض حياته للخطر وأن يتخلى عن حياة الرفاهية والنفوذ والمستقبل الذي كان ينتظره في عمله، ليصبح شريدا مطاردا يقيم خارج بلاده، مطلوبا بتهمة الخيانة وتقديم معلومات تخدم العدو، بقدر ما كان الفيلم أيضا عن تجربة المخرجة بويتراس التي وقع عليها اختيار سنودن نفسه لكي تقوم بتوثيق قصة انشقاقه وهروبه وتداعيات هذه القصة المثيرة من خلال أسلوب الفيلم الوثائقي.
 
التقط المخرج الأمريكي الشهير أوليفر ستون Oliver Stone، الخيط من بويتراس، وقرر أن يُحوِّل قصة انشقاق سنودن إلى فيلم روائي طويل بعنوان "سنودن" Snowden 2016، قام ببطولته جوزيف غوردون ليفيت Joseph Gordon-Levitt . وربما يكون هذا أفضل أفلام ستون وأكثرها اتساقا مع رؤيته السينمائية وموقفه السياسي منذ فيلم "قتلة بالفطرة" (1994) الذي يُعدّ واحدا من أفضل الأفلام في تاريخ السينما الأمريكية. 
 
غير أن "سنودن" لا يشبه "قتلة بالفطرة" بل هو في الحقيقة أقرب إلى الأفلام التي ظهرت قبله وصنعت مجد أوليفر ستون مثل "جي.إف.كي" و"مواليد الرابع من يوليو" و"السلفادور". فهو هنا يعيد إحياء تقاليد "هوليوود الليبرالية" التي خرج منها الكثير من أفلام النقد السياسي الجادة منذ الستينات وحتى يومنا هذا، مصنوعة في سياق فيلم الحبكة المثيرة، ولكنها كانت تكشف الكثير من خبايا "مؤسسات السلطة". 
 
 
وكما كان "جي.إف.كي" يكشف فساد الحزب الجمهوري وكذب مؤسسة الرئاسة وصولا إلى "ووترغيت"، وكان "مواليد الرابع من يوليو" يكشف خيانة المؤسسة العسكرية لأبنائها، وكان "السلفادور" يكشف ممارسات مؤسسة المخابرات وتستُّر وزارة الخارجية على "العمليات القذرة" في الخارج، يركز فيلم سنودن" من خلال تقنية أكثر طموحا (ربما بحكم أن الفيلم نفسه يدور حول "رجل التقنية الرفيعة" سنودن)، على تحوّل شاب أمريكي طموح، من الولاء المطلق لـ "المؤسسة"- أي لوكالة المخابرات - تحت ضغط الشعور الأخلاقي بالوقوع في التجاوزات التي تُسبّب الأذى للكثيرين، لينطلق محذرا العالم من مغبّة تلك الممارسات القذرة، التي تخفي الرغبة المسعورة في السيطرة باستخدام أكثر الطرق والوسائل التكنولوجية المعقدة تقدما، بغض النظر عما يكمن في تطويع تلك الوسائل، من خيانة للشعب الأمريكي أولا، واعتداء على الدول والأفراد في العالم أيضا.
 
الجانب الشخصي
يبدأ الفيلم من نقطة مشابهة لما انطلقت منه مخرجة الفيلم الوثائقي عن سنودن، ولكنه يعود إلى الوراء، إلى ماضي الشخصية ليروي لنا كيف بدأ سنودن وكيف تطور على الصعيد المهني، ويقدم صورة مكثفة للعمل داخل وكالات الأمن والمخابرات، دون أن يهمل الجانب الشخصي في حياة بطله (علاقته بأسرته، وبحبيبته) ثم يُحلّل بأسلوب يتسّم بالوضوح والدقة والتدرُّج، كيف كان ممكنا أن يصل سنودن إلى ما وصل إليه، وما الذي حدث بعد ذلك، وما الذي دفعه لاتخاذ تلك الخطوة في عام 2013، وهي الخطوة التي قلبت حياته، بل ويمكن القول أيضا إنها قلبت حسابات أجهزة المخابرات في الولايات المتحدة رأسا على عقب.
 
من 2013 حيث انفجرت "قضية سنودن" يرتد الفيلم إلى 2004 لنرى كيف كان سنودن، مثله مثل بطل "مواليد الرابع من يوليو"، جمهوري، وطني، مخلص، مُحبّ لوطنه، يفيض بالحماس لموقف المؤسسة في أعقاب هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001، يؤيد غزو العراق، يدعم السياسة الأمريكية، يدفعه حماسه الوطني للالتحاق بالجيش لكي يقاتل ضد أعداء بلاده في الخارج، لكنه أضعف من أن يصبح جنديا. 
 
 
وبعد أن تنكسر ساقه أثناء التدريبات القاسية التي لا تلائم شخصيته التي تميل إلى التركيز الذهني وليس استعراض المهارة العضلية التي لا تتوفر عنده على أي حال، يتقدم لشغل وظيفة في وكالة المخابرات الأمريكية، ويلفت الأنظار خلال "المقابلة" مع ضابط المخابرات العتيد "كوربن" بذكائه وألمعيته، وقدراته الخاصة في مجال تكنولوجيا المعلومات، فيحصل على الوظيفة بعد أن يقول له كوربن أن الحرب الحقيقية القادمة ستكون ضد الصين وروسيا وأنها ستعتمد كليا على تكنولوجيا المعلومات.
 
نقيض سنودن
يبدأ سنودن علاقة عاطفية مع الفتاة الجميلة "ليندسي" التي تعتبر النقيض لأفكاره السياسية، فهي ترفض السياسة الأمريكية في العراق بشدة، في حين يُبرّرها هو ويدافع عنها، ولكنهما رغم ذلك يقعان في الحب وسرعان ما تنتقل للإقامة معه. وتستمر علاقة سنودن بليندسي حتى بعد أن تعرف طبيعة عمله، وسينتقل هو إلى وكالة الأمن القومي لكي يعمل في مجاله ليتمكن فيما بعد من تصميم برنامج طموح للتجسُّس، كما سيتفتح وعيه على توظيف الذكاء التكنولوجي في الإطاحة بكل ما يسمى بـ "حقوق الإنسان"، وسينتقل شعوره بالخطر إلى داخل منزله عندما يدرك أنهم يراقبونه ويسجلّون له كل دقائق حياته، ومن هنا تبدأ رحلة انشقاقه وإعلانه للعالم ملايين الوثائق السرية التي تدين السياسة الأمريكية.
 
الانتقال بين الأزمنة
يستخدم ستون المونتاج المتوازي للانتقال بين الماضي البسيط والماضي البعيد والحاضر المعقد، أي بين ثلاثة أزمنة، حيث تتداخل هنا الصور السريعة المعقدة لأنظمة الكومبيوتر وكيف تتركز عينا "سنودن" وتمرّ وتحفظ عن ظهر قلب كل ما يمرّ أمامها من معلومات ودقائق من تلك البرامج الخافية على معظم زملائه، وسننقتل أيضا بين آونة وأخرى، إلى الفندق الشهير الذي لجأ إليه "سنودن" بعد هروبه من أمريكا، في هونغ كونغ، واستقباله هناك للمخرجة - المصورة بويتراس التي ستصور المقابلة الشهيرة معه، برفقة صحفي الغارديان البريطانية وزميله، ونتابع ما سبق أن شاهدناه تفصيلا مصورا وقت وقوعه في فيلم "المواطن 4"، ولكن مع إضفاء مزيد من التوتر والإثارة والإضافات الهوليوودية المألوفة التي تضفي على تلك المشاهد طابع  التشويق وتجسد الشخصيات بشكل أكثر درامية.
 
يصور الفيلم الكثير من تفاصيل العمل داخل أجهزة المخابرات، وفي مشهد أو اثنين يطلعنا على ما يشبه مخزن كبير داخل وكالة المخابرات المركزية، يضم كل أجهزة الكومبيوتر منذ الاختراع الأول الشهير الذي استEخدم في التجسس، أي جهاز "إنيغما" الذي اخترعه البريطانيون لاختراق الشفرة الألمانية في الحرب العالمية الثانية (هذا الجهاز له دور مركزي في فيلم "لعبة المحاكاة" The Imitation Game) ولكن الطريف أن إدارة المخابرات أسندت مهمة الYشراف على هذا المخزن (المعادل للأرشيف في المصالح الحكومية العتيقة) إلى ضابط متقدم في العمر يقوم بدوره هنا "نيكولاس كايج" الذي يضيف نكهة كوميدية ساخرة إلى الشخصية، فهو كضابط سابق يشعر بأن عصره الذي كان، أي عصر التقارير الميدانية والتحليلات التي تقوم على أوراق الصحف وشرائط الفيديو، قد انتهت وأنه أصبح بالتالي مثل تلك الأجهزة العتيقة الموجودة في المتحف، أما العصر الحالي فهو عصر اختراق البيوت والمكاتب في العالم كله من خلال التكنولوجيا الجديدة التي يُمثلّها جيل سنودن.
 
 
وسيطلّع سنودن من زميل له في مكاتب الوكالة في جنيف على أحدث البرامج السرية الذي يكفل الحصول على أي معلومات أو صور أو تسجيلات صوتية أو رسائل بريد الكتروني من خلال الهواتف المحمولة وأجهزة الكومبيوتر والكاميرات السرية بل والكاميرات الموجودة في أجهزة الكومبيوتر المحمول .. (في لقطة ذات مغزى يطلب سنودن من ليندسي في منزلهما تغطية الكاميرا الموجود في جهاز الكومبيوتر المحمول الذي تستخدمه بعد تنامس شعوره بعدم الأمان هو شخصيا). وعندما يكتشف سنودن أن وكالات الاستخبارات تضرب عرض الحائط بالقانون الذي ينظم الحصول على المعلومات، وأنها حتى في حالة التقاضي تكون النتيجة دائما لصالح أجهزة الأمن وليس لصالح المواطن، تصبح هذه النقطة الفاصلة، عندها يقرر سنودن التمرُّد على المؤسسة، ويبدأ في التحول من اليمين إلى اليسار، أو من الخضوع للمؤسسة، إلى الانقلاب عليها وكشفها أمام الرأي العام في العالم.
 
شخصيات متحولة
الطريف أن هذه الشخصيات "المتحولة" - من الإيمان إلى الشك ثم التمرد - التي ينمو وعيها من داخل التجربة نفسها، هي من أكثر السمات التي هيمنت على أفلام ستون التي صنعت شهرته ربما منذ "السلفادور" ثم "الفصيلة" فقد كان ستون – على نحو ما - يجد نفسه في تلك الشخصيات، مراجعا ما وقع له شخصيا، بعد أن ذهب مدفوعا بحسّه الوطني للقتال في فيتنام، ثم عاد محبطا ليصبح شخصا آخر. 
كما تحول ستون من كاتب سيناريو يؤمن بفكرة التطهير الفاشي عن طريق العنف والدين (كما يتضح في فيلم "عام التنين" Year of the Dragon الذي كتب له السيناريو وأخرجه مايكل شيمينو) إلى أحد أهم مخرجي  هوليوود المتمردّين على النظام.
 
ومع ذلك يجب أن أستدرك لأقول إنه رغم قوة فيلم "سنودن" وبراعة ستون كمخرج وكاتب مشارك مع كيران فيتزجيرالد في كتابة السيناريو وفي دفع الأحداث بدقة بالغة داخل الفيلم، ورغم سيطرته المدهشة على الممثلين، خاصة جوزيف غوردون ليفيت في دور سنودن، إلا أن المرء لا يملك في النهاية سوى أن يتساءل (من خارج الفيلم): وماذا كانت نتيجة تلك "الضربة" العنيفة التي وجهها سنودن إلى "المؤسسة"؟ هل توقفت "المؤسسة" عن ممارساتها أو قلّصت من تدخلّها في حياة الأفراد في الداخل الأمريكي أو في الخارج؟ وهل ساهمت ضربة سنودن في كبح جماح السياسة الأمريكية، أم أنها أفادت أكثر، مؤسسات الإعلام التي عاشت وربما مازالت تعيش على قصته، إلى أن تظهر بالطبع، قصة أخرى أكثر إثارة!
 

قد ينال إعجابكم

متابعات

المخرج الخفيّ

في كل كارثة إنسانيّة، ما عليهم إلا أخذ تصريحات المسئولين قولًا واحدًا وفردها بنشابة مناسبة لتصير فيلمًا وطنيًّا يلعب...