نقد سينمائي

سُود أمريكا.. حياة بلا أمل

محمد موسى

نادراً ما يتسنى لأفلام تسجيلية أن تكون شاهدة على تحولات ذاتيّة مفصليّة في الفترات الزمنية القصيرة نسبياً التي ترافق فيها هذه الأفلام شخصياتها، وكما يفعل الفيلم التسجيلي "إلى أهكيم" للمخرجيْن "جيريمي أس. لافين" و"لاندون فان سويست" والذي كان أحد أفلام برنامج "فورام" في الدورة الأخيرة لمهرجان برلين السينمائي، ذلك أن الفيلم الذي لازم شخصيته الرئيسية "داجية" بين عامي 2013 و2014 لن يسجل فقط المنعطفات الكبيرة التي مرَّت بها حياة الفتاة التي كانت وقتها على مشارف سنتها السابعة عشرة، بل سيقدم نموذجاً قاتماً كثيراً للآفاق المغلقة لحيوات الكثير من الأمريكيين السود، والعالقين في شبكة من الظروف المعقدة المحكمة، وسيُبرز العثرات التي تسد طرق حتى أكثرهم ذكاءً وتفاؤلاً.

يُوجه العمل التسجيلي عدسته على "داجية" والتي تكاد تظهر أو تكون قريبة في كل كادر من الفيلم، ويقدمها المخرجان في لقطات قريبة للغاية أحياناً، وسيكونان معها في أكثر لحظات حياتها خصوصية وأهمية. كما يلتقط الفيلم المناخ العام الذي تربت فيه الفتاة الشابة الذكية، والقوى الظاهرة والخفية التي تحرك تلك البيئة الصعبة، كما يصور الفيلم "الغيتو" الأسود الذي تعيش فيه الفتاة الأمريكية والذي بدا أن الخروج منه أعظم من قدرات الشخصيات... هناك حيث يُتوارث الفشل والإحباط والأخطاء في دورة مُحكمة من الصعب كسرها.

يلمس الفيلم على العنف المفرط من جانب رجال الشرطة الأمريكية من البيض ضد الشبان السود.

يبدأ الفيلم بمشاهد مُهمة قاتمة لـ "داجية" التي كانت مع أُمّها في طريقهما إلى المحكمة التي ستقرر ما إذا كانت الشخصية الرئيسية ستبقى في المدرسة التي تدرس فيها والتي فُصلت منها في حادثة استدعت تدخل القضاء. لن نعرف الظروف التي قادت البطلة الشابة إلى هذا الموقع المضطرب في حياتها، لكن لهجة الحاكم الحاسمة تشير إلى سيرة عنيفة سابقة. ترسل "داجية" إلى مدرسة خاصة بالطلاب الصعبين، وسيسجل الفيلم يوميات الطالبة هناك، والتي ستتخللها قصة حب للفتاة الشابة مع ابن الجيران، ثم إنجابها لابنها (أهكيم) وهي في السابعة عشرة، وبعدها بداية عذاباتها مع صديقها الذي سيسقط في الإجرام والعنف، ويتركها الفيلم وهي تائهه تماماً في فوضى حياتها، وقريبة من خسارة بريق الذكاء الذي كان في عينيها، وانضمامها إلى النموذج السائد في حيّها، بمشاكله وأزماته المعروفة.

في خلفية القصة الشخصية للبطلة الشابة والناس القريبين منها في الفيلم، هناك التوتر الإثني الدامي المتواصل والذي يغلف الفيلم  بآنية متوترة تتصاعد تدريجياً  لتصل إلى ذروات جماعية تجلت في احتجاجات عامة تخلل بعضها العنف. تعيش شخصيات الفيلم في مجتمع اعتاد على الفقدان والقسوة، فالبطلة نفسها خسرت بعض أصدقائها وزملاء دراستها جراء جرائم الشوارع وأحياناً بسبب القسوة المفرطة للشرطة الأمريكية في تعاطيها مع مشاكل الشباب الأسود هناك. تبدي "داجية" بعض الاهتمام الواعي بما يجري حولها، وستشترك في إحدى التظاهرات ضد النظام القائم. وعندما تخسر قريبا يماثلها عمراً، تهزها تلك الحادثة كثيراً، كاشفة عن جوانب مُختلفة من شخصيتها.

ليست البطلة ضحية فقط، فهناك طبقة متمردة عنيدة في شخصيتها قادتها إلى ارتكاب مجموعة من الأخطاء والهفوات، والتي لم يُدِرْ الفيلم وجهه عنها، وبالتالي وازن في طبيعة البوتريه الذي صاغه لحياتها ولم ينزلق إلى استدرار العواطف أو تقديم مقاربة مبسطة لحياتها. فـ "داجية" مراهقة مشاغبة إلى درجات تثير الغضب أحياناً. كما ظهرت في مشاهد المدرسة مثلاً. وهي لم تبد عزيمة حقيقية على تطوير حبها للغناء إلى سعي لاكتشاف ما تخبئ موهبتها من إمكانيات. كذلك توافق البطلة الشابة ببعض تصرفاتها مع كل الصور النمطية عن فتاة بمثل ظروفها. وتخيّب (وحتى زمن تصوير الفيلم) التوقعات منها.

تعاني شخصيات الفيلم الرئيسية من غياب الأفق.. والأمل.

ولعل ما يُميز الفيلم عن غيره من أفلام القصص الذاتية هو في قسوة المسارات التي تأخذها الشخصية الرئيسية وإلى حد ما صديقها الشاب، وتأرجحهم على طوال زمن تصوير الفيلم بين بشائر حياة طبيعية قريبة تنتظرهم، وإخفاقهم في مواجهة المشاكل الأزلية التي تطبع حياة الأمريكيين السود. وهذا يتجلى في المشهد المؤثر الذي أعقب ولادة "داجية" لولدها " أهكيم "، والذي كان شديد التأثير على الأب الشاب، الذي وعد والدموع في عينيه بأنه سيرتب حياته وسيجد عملاً سريعاً ليعيل ابنه المولود لتوه. لكن الأب ذاك وبعد أسابيع من ولادة ابنه سيكون في السجن، وسنسمع صوته عبر الهاتف يطلب المساعدة للحصول على مبلغ الكفالة الذي كان يبلغ 300 دولار، والذي لم يكن أحد في العائلة يملكه.

الحلم بمستقبل لن يأتي

يُحقق المخرجان الشابان عملاً جيداً رغم صعوبة الموضوع والظروف التي صورا فيها، إذ إن تقديم بوتريه حميمي عن فتاة شابة بمثل ظروف "داجية" ليس بالعمل الهين أبداً، بخاصة مع سعي الفيلم ألا يعزل الشخصي عن العام والعلاقات التفاعلية المركبة بينهما، وأن ينفذ إلى جوهر الشخصية الطيب وتوقها الفطري إلى حياة سوية رغم طبقة القسوة المحيطة. بيد أن التصوير في الفيلم والذي شابته الكثير من المشاكل التقنية التي أصبحت ظاهرة في الأفلام التي تصور عن طريق الكاميرات الصغيرة، أثر على تدفق السرد وعلى بعض المشهديات التي كان يمكن أن تكون أشد تأثيراً، فاهتزاز الكاميرا المتواصل حتى في بعض المشاهد الداخلية، وتغير البعد البؤري للعدسة دون مُسببات أسلوبية شغلا في مواضع عما يجري على الشاشةً.

 

 

قد ينال إعجابكم

متابعات

العرب في قلب "إدفا"

تنوعت موضوعات الأفلام المشاركة في مهرجان "إدفا" بين الربيع العربي، والحرب السورية، وداعش، واللاجئين، والقضية الفلسطينية...
متابعات

عشاق بلا أمل

يختلف أنواع العشاق في السينما المصرية ولكن أشهرهم المصابون بالهوس العاطفي الذين يعشقون بلا أمل