نقد سينمائي

شرطة أوكلاند الأمريكية..عنصرية واغتصاب

قيس قاسم

حصل فيلم "القوة" على جائزة أفضل مخرج في الدورة الأخيرة لمهرجان ساندانس السينمائي.

وحدة شرطة مدنية أوكلاند، التابعة لولاية كاليفورنيا الأمريكية سمعتها سيئة جداً، كما يخبرنا صانع فيلم The Force “بيتر نيكز" الحاصل عليه جائزة أفضل مخرج في الدورة الأخيرة لمهرجان ساندانس السينمائي، وبخاصة تعامل أفرادها مع سكانها السود وقتل عدد منهم بدوافع عنصرية، الأمر الذي دفع الحكومة الأمريكية بعد كشف الكثير من فسادهم وتورطهم في فضائح جنسية ودعارة وإدارة تحقيقات بطرق غير صحيحة، تبرئ سلوكهم المشين، إلى اقتراح برنامج إعادة تأهيل لها وللوحدة المرقمة 717 السيئة الصيت. ربما لا جديد في إعلانه عن طبيعة سلوكها المجسد في مفتتحه، حيث مشاهد استخدام القوة المفرطة وإطلاق النار على المواطنين السود العزل وإشراك طائرات الهليكوبتر في ملاحقة بعضهم كما لو أن حرباً قائمة بينهم، لا جديد إلا مقدار إيحائه لمُشاهده بأن ثمة رغبة حقيقة في التغيير وتحسين الأداء، تستحق منه إعطاء فرص جيدة لعرض وجهات نظر المشاركين فيه من أساتذة أكاديمية الشرطة التابعة للولاية ومدراء بعض وحداتها وإعلانهم العمل من جديد على إعادة الثقة بينهم وبين السكان المحليين بعد أن انعدمت كلياً.

 فيلم "القوة" يلازم العمل في المشروع لمدة سنتين كاملتين يستقصي خلالهما عمل مسؤوليه وبالتدريج؛ قطرة فقطرة يكشف مآلاته ويتوصل عبرها إلى استنتاجات خطيرة تتعلق بهيكلية عمل الشرطة الأمريكية ونظامها القضائي، وأن الظاهر من سلوك رجالها إنما هو تعبير عن باطن سيء مكرس عبر تربية اجتماعية وقناعات راسخة عند رجال جُبلوا على تمجيد الذكورية والعنف والتعامل مع ما بين أيديهم من "سلطة" باعتبارها مكسباً شخصياً مطلقاً غير خاضع للرقابة والمحاسبة، وبالتالي فـ"القوة" التي يتمتعون بها هي في جوهرها قوة الدولة ونظامها السياسي، المُتيح لهم النطق بلسانها بوصفهم أكثر حماتها اعتماداً عليهم.

يتحدث الفيلم عن وحدة شرطة مدنية أوكلاند، التابعة لولاية كاليفورنيا الأمريكية و تعامل أفرادها مع سكانها السود وقتل عدد منهم بدوافع عنصرية.

رغم ملازمته الملحاحة لشخصيات فاعلة في مشهد المدينة القضائي وتحركه في كل مكان تقريباً؛ جرى حاملاً كاميرته في شوارعها ودخل مراكز شرطتها وأكاديميتها، وصاحب زيارات المشرفين عليها وقابل قسما من المتضررين من سلوك رجال الشرطة، إلا أنه كان يُبيّت خلفها دائماً مفاجآته بطريقة مدهشة، هي وبقية العناصر الدرامية، جعلت منه واحداً من أفضل الأفلام المتناولة ظاهرة التصادم مع السود، وردود فعلهم المضادة المُعبر عنها بالاحتجاجات والتظاهرات. قدم العلاقة غير المتوازنة بين الطرفين بأسلوب سينمائي متفرد وميل إلى عرض الحقائق من داخل مَنْ تَرك لهم فرص جيدة لتقديم أنفسهم وبهذا أغلق عليهم لاحقاً منافذ التهرب من تجاوزاتهم ليتحول بحثه في تفاصيل مشروع يدعي "التغيير" إلى محاكمة الشرطة الأمريكية وسلوك رجالها المثير لردود فعل ليست كلها عنفية بالضرورة، بل إن بعضها أخذ، كما ينقل لنا الوثائقي في فصله الأخير طابعاً مدنياً يطالب بمنح الناس حق تقييم عمل رجال الشرطة ومحاسبتهم على أخطائهم، من خارجها.

بين كلام مديرها المشحون بالعواطف والجُمل الرنانة والاعتراف الخجول بالعجز والرغبة الحقيقية بالنهوض بالمؤسسة على كل ما فيها من فساد، وبين تشكيك الناس في الشارع بجدواها، وضعف مصداقية قادتها يتحرك الوثائقي في بحثه عن أسباب قلة التعاطف مع ما يطرحه مديرها اللبق! واحدة من المفاجآت المثيرة، التي سيفجرها الوثائقي الأمريكي، أن المشروع الجديد إنما هو في حقيقته امتداد لمشرع قديم بدأ العمل به عام 2003، وخلاله تم استبدال خمسة مدراء شرطة تولوا الإشراف عليه، ما يشي بفشله الذريع ولهذا بالنسبة للسود بشكل خاص، المشروع الجديد ربما لن يكون مستقبله أحسن من الذي سبقه!. في مرحلة أخرى من تطور مسار الوثائقي الديناميكي المتعدد المستويات المصور بكاميرا حساسة ولقطاته المصحوبة بموسيقى معبرة عن مضامينها، كتبت له خصيصاً، سيكشف أنه وخلال العمل في المشروعين لم تتوقف الشرطة عن سلوكها المعتاد بل الأَمَر منه، اضطرار قياداتها وحتى لا يتهمون بالتقصير وبفشل ما كلفوا بتحقيقه التستر على الكثير منها، وإحالة السبب وراء استخدام رجالهم العنف وإشهار المسدسات وإطلاق العيارات النارية منها، ضد مرتكبي جرائم عادية أو المشكوك مقدماً بشروعهم بفعل غير شرعي، إلى سلوك "الخارجين عن القانون".

استغرق العمل على الفيلم سنتين كاملتين يستقصي خلالها عمل الشرطة الأمريكية وخلص إلى أن هناك قناعة راسخة عندهم وهي التعامل مع ما بين أيديهم من "سلطة" باعتبارها مكسباً شخصياً مطلقاً غير خاضع للرقابة والمحاسبة،

من المفارقات الصارخة أن مدير المشروع الجديد ومع كل كلامه المعسول وفي أول انتهاك لآدمية شاب أسود البشرة، تدخل بنفسه لحرف الحقائق أثناء التحقيق وأن تسجيلات الكاميرا المربوطة بأجساد رجال الشرطة والمتفاخر هو بوجودها، تم حذفها وبدلاً منها راح يرتكن على ما تناقلته وسائل الإعلام وغالباً ما تحيل، هي الأسباب على الضحية لا الجاني. من داخل أكاديمية الشرطة المُعول على تخريجها دورات جديدة من رجال شرطة يختلفون في فهمهم لوظيفتهم واحترامهم لحقوق الإنسان، سيخرج بحقيقة طالما حاولت شرطة أوكلاند طمسها والمتمثلة؛ بكونها من أكثر المناطق الأمريكية توتراً بين السود والشرطة وأن عدد ضحايا الأخيرة يزيد بكثير عن عدد قتلى مدينة فيرغسون، التي أخذت الاحتجاجات المرافقة لها طابعاً عنفياً شاهده العالم بأسره، في حين يجري طمس حقائق مخيفة عن حجم فساد شرطة أوكلاند.

من حذاقة صانعه أنه بين فترة وأخرى كان يقدم شخصية ما بأسلوب كاريكاتوري؛ مثل مسؤولة البلدية المتحدثة دوماً بطريقة فوقية، وبجمل عديمة التأثير في الطرف الثاني السامع مثل خطابها الكثير ويعرف بالتجربة؛ أن الساسة لا يقدمون حلولاً مجدية لهم، بل يسعون في الغالب للحفاظ على مراكزهم على حسابهم وحساب أرواحهم أبنائهم. في مبحثه عن تاريخ العلاقة بين الشرطة وسكان أحيائها الفقيرة، يتوصل إلى حقيقة أنه وقبل أكثر من ستة عقود من الزمن، قامت البلدية بذات المشروع الذي تعمل به الآن، وأن جوهر الصراع ظل كما هو؛ عنصري يميل لصالح رجال السلطة. الفضيحة الجنسية لبعض رجال الشرطة والمثارة أثناء مصاحبة الوثائقي للمشروع ستدفعه لملاحقة عدداً من المتورطين بها، وسيتوصل إلى معطيات تؤكد وجود أشخاص ماضين في نهجهم العنفي والعنصري دون خوف من طردهم. واحد منهم سيظهر تورطه في عميات قتل سود وتم تجميده من وظيفته بسبب سلوكه الأهوج فترة قصيرة ثم عاد بعدها يمارس نفس ما كان يقوم به من أفعال. بكاميرا خفية يرصد سلوكه في متابعة بعض الحالات "الجرمية" وتكشف التسجيلات بما لا يقبل الشك طريقة تفكيره وتوغله في أفعال لا تمت للعدالة بشيء.

حاولت الحكومة الأمريكية بعد كشف الكثير من فساد وتورط الوحدة 717 في فضائح جنسية ودعارة وإدارة تحقيقات بطرق غير صحيحة، إلى اقتراح برنامج إعادة تأهيل لها .

أكثر من هذا سيقدم مدير المشروع نفسه استقالته لعجزه، وخلال أيام قليلة سيلتحق به مدراء آخرون دون تقديم أسباب مقنعة لسبب استقالتهم لكن بحثه يشير إلى طردهم بسبب تورطهم في قضايا فساد وحرف تحقيقات داخلية عن مسارها الصحيح. إقالات ملتبسة تشي بأزمة هيكيلية لا علاج لها بمشروع شكلي، ما سيدفع بعض سكان المدينة إلى إعلان تأسيسهم جمعية مدنية مستقلة من مهامها مراقبة عمل الشرطة والتحقيق في خروق رجالها من خارجها، بعد أن ثبت أن التحقيقات الداخلية غالباً ما تصب في مصلحة الشرطي وتبرئ ساحته فيما يذهب دم الضحايا هدراً، وينتقل بسببها التوتر في المدينة إلى مستويات عالية، حاول الوثائقي رصد بعضها وعرض واقع أرادت الشرطة بكل "قوتها" التستر عليه.

من مفاجآت الوثائقي كشفه فساد مدير المشروع الجديد وتورطه في تزييف الحقائق الخاصة بعملية اغتصاب شابة العام الفائت، وعلى المستوى "الأكاديمي" تنقل كاميرته النقاشات المحتدمة بين الطلاب السود وأقرانهم البيض الذين غالباً ما يميلون إلى تبرير سلوك الشرطة العنفي ويحيلون السبب على السود فيما الحقائق تقول كما ترينا الصور غير ذلك. بالأرقام والمعطيات ينهي "بيتر نيكز" زمن الوثائقي المتبع  تسلسلاً ممنهجاً يشبه اليوميات، عرض من خلاله مساحة كبيرة من المشهد المحتقن اليوم على الساحة الأمريكية الداخلية، والذي يُعيد بدوره أسئلة العنصرية وفساد مؤسسة الشرطة إلى المربع الأول، حيث إصلاح العلاقة يحتاج إلى ما هو أبعد بكثير من إجراءات ترقيعية لأزمة في جوهرها مجتمعية ـ تاريخية حاول فيلم "القوة" التعبير عنها من خلال تحليله العميق لمعنى الكلمة الدالة؛ على السلطة وسوء استخدامها.

 

 

قد ينال إعجابكم

متابعات

قراءة في فيلم لم يفز

إذا كانت لديك مشكلة فأرسل رسالتك إلى الرئيس مباشرة، لكن إذا كانت مشكلتك أنك تريد أن تصور فيلماً عن رسائل الرئيس فلا ترسل