نقد سينمائي

شعور أقوى من الحب..!

محمد موسى

يتمحور الفيلم حول علاقة النساء بالحركات السياسية والنقابية في لبنان

"من أين نبدأ..؟". يُطل هذا السؤال مكتوباً على شاشة سوداء في افتتاحية الفيلم التسجيلي "شعور أقوى من الحب" للمخرجة اللبنانية الأصل ماري جرمانوس سابا. سيعاود هذا السؤال الظهور في ربع الفيلم الأول، مُصاحباً الانتقالات الزمنية والجغرافية التي يقفز الفيلم بينها، وبعد أن فتحت المخرجة كتاب التاريخ الحديث المعقد لبلد آبائها، منطلقة من حادثة حصلت منذ ما يقارب النصف قرن عندما احتج عمال وعاملات لبنانيون على ظلم المعمل الذي يشغلهم، ودفعوا حيوات ودماء في تلك الاحتجاجات. تتنقل المخرجة بعدها بسلاسة كبيرة بين أحداث كبيرة أخرى، مركزة في علاقة النساء بالحركات السياسية والنقابية في لبنان، وهي التيمة التي تهم المخرجة المولودة في الولايات المتحدة.

بثقة لافتة، تبدل المخرجة المسافة وطبيعة المقاربة لموضوعتها، فتقرب عدستها في مواضع على تفاصيل مهمة من الماضي اللبناني، وتبعد هذه العدسة في مواضع أخرى من أجل نظرة تأملية للمشهد العام، فحادثة معمل غندور للدخان في عام 1972 ضد جشع أصحاب المعمل حينها، ستتداخل مع مشاهد لعمال يعملون في حقول التبغ في لبنان اليوم، والذين مثل أقرانهم في الماضي يواجهون مشقة توفير قوت يومهم، كما سيمرّ الفيلم على احتجاجات عام 2011 في لبنان ضد النظام الطائفي في البلد. وتبحث عن شخصيات نسائية كانت في وسط الأحداث والولادات العنيفة للحركات الفكرية والسياسية في البلد. وتقتفي أثر شابة قتلت في احتجاجات عام 1972، والتي اختفت من الوعي الجمعي وبالكاد يتذكرها أقرباؤها أنفسهم.

يرتكز الفيلم التسجيلي (عُرض أخيراً في مهرجان قرطاج السينمائي، وفاز بجائزة جمعية النقاد الدوليين كأفضل فيلم تسجيلي في تظاهرة "فورم" في مهرجان برلين السينمائي) على مشاهد أفلام لبنانية أيقونية من عقدي السبعينيات والثمانينيات، والتي تتحول لما يشبه أرشيفاً للزمان والمكان الماضيين، وتُشَّكل إلى جانب المادة الصورية التي صورتها المخرجة مادة الفيلم الأساسية. يمنح الأرشيف السينمائي شاعرية وخصوصية كبيرتين لفيلم " شعور أقوى من الحب" يبعده عن التناول التاريخي التقليدي، إذ تطفو درامية مشاهد الأفلام اللبنانية المعروفة (وبالخصوص مشاهد الفيلم التسجيلي "مائة وجه ليوم واحد" للمخرج كريستيان غازي من عام 1971) على العمل التسجيلي، وستغطيه بطبقة من النوستالجيا المحببة، والتي يعززها مقاربة المخرجة التي لا تبحث عن أجوبة أو خلاصات متعجلة، بل تفتش عن قصص ناس ذاك الزمان، لاسيما النساء اللواتي كُن في مقدمة قوى التغيير.

المخرجة اللبنانية الأصل ماري جرمانوس سابا

يتركب الفيلم من ثلاثة أجزاء رئيسة، أولها سيكون عاطفياً ومؤلماً بشكل غير متوقع، وفيه تبحث المخرجة عن آثار فاطمة خواجة التي قتلت في احتجاجات عمالية أمام معمل غندور للدخان في بيروت في عام 1972. ولعل مصدر الألم في هذا الجزء، أن الفيلم يأخذ على عاتقه مهمة تشكيل بوتريه عن امرأة شابة منسيّة ضاعت قصتها في طوفان الأحداث الدموية التي شهدها لبنان والمنطقة منذ ذلك التاريخ. تصل المخرجة إلى صحفية لبنانية التقت فاطمة في وقتها، وبهرتها - وهي الآتية من طبقة فقيرة غير متعلمة - بعزيمتها ورفضها للظلم. بيد أن قصة فاطمة تفقد زخمها ما أن يصل الفيلم إلى البيت الذي عاشت فيه في بيروت ويلتقي أقرباءً لها، والذين سينفون نشاطها النقابي او انضمامها للحزب الشيوعي اللبناني، فموتها – وحسب روايتهم – حدث بسبب رصاصة طائشة من عامل أمن في المعمل، رغم أن تقرير الطبيب الشرعي تحدث عن أكثر من رصاصة اخترقت جسدها.

في القسم الثاني من الفيلم نتعرف على "لينا"، المرأة اللبنانية الآتية من طبقة برجوازية كما تسميها هي نفسها، والتي جذبتها الحركات الشيوعية في شبابها، واختارت منظمة العمل الشيوعي لأنها أكثر راديكالية من الحزب الشيوعي اللبناني. انضمت لينا إلى احتجاجات معمل الدخان وستنشأ صدقات مع العمال هناك. ستلعب لينا دور البطولة في فيلم "بيروت اللقاء" (1982) للمخرج اللبناني برهان علوية، وستهاجر مثل بطلة الفيلم ذاك إلى فرنسا في بداية الثمانينيات حيث تعيش لليوم. لم تخفت السنوات من غضب لينا، وستتناول بشفافية لافتة أمراض اليسار العربي من شقتها الباريسية، وستتذكر سنوات نشاطها الحزبي كأفضل سنين حياتها، عندما كانت تحمل اسم "وردة" كاسم حركي لها، وزواجها برفيقها في الحزب، ثم تمردها على كل ذلك عندما شعرت أن رجال الأحزاب لم يتخلوا عن ذهنياتهم الذكورية الشرقية. "عندما طلبوا منا نحن النساء تحضير الفطائر بينما كانوا يحضرون لاحتجاجات، ذهبت إلى بيتي وبقيت هناك"، تكشف "لينا" عن القشة التي كانت وراء تركها العمل الحزبي في حوارها الطويل في الفيلم.

ملصق الفيلم

يجمع الفيلم في قسمه الثالث لينا مع رفاق وعمال اشتركوا في الاحتجاجات العمالية في عقد السبعينيات، ليبدأ عندها تقليب الذكريات والمحاسبة والنقد. بدا واضحاً أن استعادة ذكريات تلك الأيام صعب للبعض، بينما مازال غضب تلك الأحداث باقياً على حاله للبعض الآخر. توجه لينا انتقاداتها إلى حركة اليسار في لبنان، وتتهمه بالتخلي عن العمال واستغلالهم وعدم إنصاته الفعليّ لهمومهم ومشاكلهم. في اتجاه التذكر ذاته، يبحث الفيلم عن نساء ظهرن في فيلم أنتجه الحزب الشيوعي اللبناني في مطلع السبعينيات من القرن الماضي، وعندما يجدهن، كن بالكاد يتعرفن على أنفسهن وصورهن المتمردة والقوية التي ظهرت في ذلك الفيلم.

تطبع المخرجة فيلمها التسجيلي الطويل الأول بتمرد فنيّ خاص، وتُغامر بمجموعة من الخيارات الأسلوبية التي تثبت فعالية قوية، بدءاً من تأجيرها سيارة تاكسي تحمل ميكروفونا يدعو الناس في مدينة النبطية اللبنانية إلى التظاهر ضد استغلال أرباب العمل في محاكاة لتقاليد منقرضة من الماضي، وإلى اختيارها مشاهد من السينما اللبنانية لتكون مادتها الأرشيفية الأساسية. يسأل الفيلم أسئلة عديدة، ويحقق في حال اليسار في الماضي واليوم، ويبرز شخصيات نسائية مجهولة، بعضها من النساء العاملات اللواتي لم يعد لهن مكان ضمن الحراك المجتمعي في ظل صراع الطوائف في لبنان. كما يستعيد الفيلم الزمن المنقضي بروح حزينة، كحال من يجد صورة قديمة له تذكره فجأة بزمن ماضٍ أضحى بعيداً. في أحد مشاهد الفيلم تسأل "لينا" من باريس زوجها السابق الذي مازال يعيش في بيروت: "ماذا كان اسمك الحركي يا محمد وهل تتذكر عندما أخرجتني من السجن بكفالة".

يستعيد الفيلم الزمن المنقضي بروح حزينة، كحال من يجد صورة قديمة له تذكره فجأة بزمن ماضٍ أضحى بعيداً

قد ينال إعجابكم

حوارات

الأبديّة في مصنع هندي

هل فكرت يومًا كيف وصلت إليك قطعة القماش الفريدة هذه؟ تعرف على يوميات عمال هنود منسيين يشتغلون في أحد المصانع الهندية...
متابعات

العرب في قلب "إدفا"

تنوعت موضوعات الأفلام المشاركة في مهرجان "إدفا" بين الربيع العربي، والحرب السورية، وداعش، واللاجئين، والقضية الفلسطينية...