نقد سينمائي

شعور أقوى من الحب

محمد موسى

الفيلم التسجيلي يرتكز على مشاهد أفلام لبنانية أيقونية من عقدي السبعينيات والثمانينيات

"من أين نبدأ..؟". يُطل هذا السؤال مكتوبا على شاشة سوداء في افتتاحية الفيلم التسجيلي "شعور أقوى من الحب" للمخرجة اللبنانية الأصل ماري جرمانوس سابا، ويعاود هذا السؤال الظهور في ربع الفيلم الأول مُصاحباً الانتقالات الزمنية والجغرافية التي يقفز الفيلم بينها. وبعد أن فتحت المخرجة كتاب التاريخ الحديث المعقد لبلد آبائها منطلقة من حادثة حصلت منذ ما يقارب النصف قرن، وذلك عندما احتج عمال وعاملات لبنانيون على ظلم المعمل الذي يشغّلهم، ودفعوا حيوات ودماء في تلك الاحتجاجات؛ تتنقل المخرجة بعدها بسلاسة كبيرة بين أحداث كبيرة أخرى مركزة في علاقة النساء بالحركات السياسية والنقابية في لبنان، وهي الثيمة التي تهم المخرجة المولودة في الولايات المتحدة.

 

لبنان.. الحنين إلى الماضي
بثقة لافتة تبدل المخرجة المسافة وطبيعة المقاربة لموضوعها، فتقرب عدستها في مواضع على تفاصيل مهمة من الماضي اللبناني، وتبعد هذه العدسة في مواضع أخرى من أجل نظرة تأملية للمشهد العام، فحادثة معمل غندور للدخان عام 1972 ضد جشع أصحاب المعمل حينها، تتداخل مع مشاهد لعمال يعملون في حقول التبغ في لبنان اليوم، والذين مثل أقرانهم في الماضي يواجهون مشقة توفير قوت يومهم، كما سيمرّ الفيلم على احتجاجات عام 2011 في لبنان ضد النظام الطائفي في البلد، وتبحث عن شخصيات نسائية كانت في وسط الأحداث والولادات العنيفة للحركات الفكرية والسياسية في البلد، وتقتفي أثر شابة قتلت في احتجاجات عام 1972 واختفت من الوعي الجمعي وبالكاد يتذكرها أقرباؤها أنفسهم.

يرتكز الفيلم التسجيلي -الفائز بجائزة جمعية النقاد الدوليين كأفضل فيلم تسجيلي في تظاهرة "فورم" في مهرجان برلين السينمائي- على مشاهد أفلام لبنانية أيقونية من عقدي السبعينيات والثمانينيات، والتي تتحول لما يشبه أرشيفاً للزمان والمكان الماضيين، وتُشكل إلى جانب المادة الصورية التي صورتها المخرجة مادة الفيلم الأساسية.

يمنح الأرشيف السينمائي شاعرية وخصوصية كبيرتين لفيلم "شعور أقوى من الحب" يبعده عن التناول التاريخي التقليدي، إذ تطفو درامية مشاهد الأفلام اللبنانية المعروفة (وبالخصوص مشاهد الفيلم التسجيلي "مائة وجه ليوم واحد" للمخرج كريستيان غازي من عام 1971) على العمل التسجيلي، وتغطيه بطبقة من النوستالجيا (الحنين إلى الماضي) المحببة، والتي يعززها مقاربة المخرجة التي لا تبحث عن أجوبة أو خلاصات متعجلة بل تفتش عن قصص ناس ذاك الزمان، لا سيما النساء اللواتي كُن في مقدمة قوى التغيير.

المخرجة تبدل المسافة وطبيعة المقاربة لموضوعها، فتقرب عدستها في مواضع على تفاصيل مهمة من الماضي اللبناني، وتبعد هذه العدسة في مواضع أخرى

نساء في مقدمة التغيير
يتركب الفيلم من ثلاثة أجزاء رئيسية، أولها سيكون عاطفياً ومؤلماً بشكل غير متوقع وفيه تبحث المخرجة عن آثار فاطمة خواجة التي قتلت في احتجاجات عمالية أمام معمل غندور للدخان في بيروت عام 1972، ولعل مصدر الألم في هذا الجزء أن الفيلم يأخذ على عاتقه مهمة تشكيل بورتريه عن امرأة شابة منسيّة ضاعت قصتها في طوفان الأحداث الدموية التي شهدها لبنان والمنطقة منذ ذلك التاريخ. تصل المخرجة إلى صحفية لبنانية التقت فاطمة في وقتها، وبهرتها -وهي الآتية من طبقة فقيرة غير متعلمة- بعزيمتها ورفضها للظلم. بيد أن قصة فاطمة تفقد زخمها ما أن يصل الفيلم إلى البيت الذي عاشت فيه في بيروت ويلتقي أقرباء لها، والذين بدورهم سينفون نشاطها النقابي أو انضمامها للحزب الشيوعي اللبناني، فموتها –حسب روايتهم– حدث بسبب رصاصة طائشة من عامل أمن في المعمل، رغم أن تقرير الطبيب الشرعي تحدث عن أكثر من رصاصة اخترقت جسدها.

في القسم الثاني من الفيلم نتعرف على لينا المرأة اللبنانية الآتية من طبقة برجوازية كما تسميها هي نفسها، والتي جذبتها الحركات الشيوعية في شبابها، واختارت منظمة العمل الشيوعي لأنها أكثر راديكالية من الحزب الشيوعي اللبناني. انضمت لينا إلى احتجاجات معمل الدخان وأنشأت صدقات مع العمال هناك. تلعب لينا دور البطولة في فيلم "بيروت اللقاء" (1982) للمخرج اللبناني برهان علوية، وستهاجر مثل بطلة الفيلم ذاك إلى فرنسا في بداية الثمانينيات حيث تعيش اليوم. لم تخفف السنوات من غضب لينا، وتتناول بشفافية لافتة أمراض اليسار العربي من شقتها الباريسية، وتتذكر سنوات نشاطها الحزبي كأفضل سنين حياتها عندما كانت تحمل اسم "وردة" كاسم حركي لها، وزواجها برفيقها في الحزب، ثم تمردها على كل ذلك عندما شعرت أن رجال الأحزاب لم يتخلوا عن ذهنيتهم الذكورية الشرقية. "عندما طلبوا منا نحن النساء تحضير الفطائر بينما كانوا يحضرون لاحتجاجات، ذهبتُ إلى بيتي وبقيت هناك"، تكشف لينا عن القشة التي كانت وراء تركها العمل الحزبي في حوارها الطويل في الفيلم.

يجمع الفيلم في قسمه الثالث لينا مع رفاق وعمال اشتركوا في الاحتجاجات العمالية في عقد السبعينيات، ليبدأ عندها تقليب الذكريات والمحاسبة والنقد. حيث بدا واضحاً أن استعادة ذكريات تلك الأيام صعب للبعض، بينما لا يزال غضب تلك الأحداث باقياً على حاله للبعض الآخر. توجه لينا انتقاداتها إلى حركة اليسار في لبنان، وتتهمها بالتخلي عن العمال واستغلالهم وعدم إنصاتها الفعلي لهمومهم ومشاكلهم. وفي اتجاه التذكر ذاته، يبحث الفيلم عن نساء ظهرن في فيلم أنتجه الحزب الشيوعي اللبناني في مطلع السبعينيات من القرن الماضي، وعندما يجدهن، كن بالكاد يتعرفن على أنفسهن وصورهن المتمردة والقوية التي ظهرت في ذلك الفيلم.

المخرجة تطبع فيلمها التسجيلي الطويل الأول بتمرد فنيّ خاص، وتُغامر بمجموعة من الخيارات الأسلوبية التي تثبت فعالية قوية

تقاليد منقرضة من الماضي
تطبع المخرجة فيلمها التسجيلي الطويل الأول بتمرد فنيّ خاص، وتُغامر بمجموعة من الخيارات الأسلوبية التي تثبت فعالية قوية بدءاً من تأجيرها سيارة تاكسي تحمل ميكروفونا يدعو الناس في مدينة النبطية اللبنانية إلى التظاهر ضد استغلال أرباب العمل في محاكاة لتقاليد منقرضة من الماضي، وإلى اختيارها مشاهد من السينما اللبنانية لتكون مادتها الأرشيفية الأساسية.

يسأل الفيلم أسئلة عديدة ويحقق في حال اليسار بين الماضي واليوم، ويبرز شخصيات نسائية مجهولة بعضها من النساء العاملات اللواتي لم يعد لهن مكان ضمن الحراك المجتمعي في ظلّ صراع الطوائف في لبنان. كما يستعيد الفيلم الزمن المنقضي بروح حزينة كحال من يجد صورة قديمة له تذكره فجأة بزمن ماضٍ أضحى بعيداً. في أحد مشاهد الفيلم تسأل لينا من باريس زوجها السابق الذي لا يزال يعيش في بيروت "ماذا كان اسمك الحركي يا محمد، وهل تتذكر عندما أخرجتني من السجن بكفالة؟".

قد ينال إعجابكم