نقد سينمائي

"ضرب السماء" وصخب السبعينيات

 
أمير العمري
 
من مفاجآت السينما الوثائقية في عام 2016 جاء الفيلم الوثائقي الإيطالي "ضرب السماء" (82 دقيقة) Assalto al cielo للمخرج فرنشيسكو مونزي وهو من مواليد 1969، أي أنه كان وقت أحداث ثورة الطلاب والشباب في إيطاليا لايزال طفلا صغيرا، فقد بدأت الأحداث التي هزّت إيطاليا عام 1967، وانتقلت فيما بعد إلى فرنسا (انتفاضة مايو 1968) وألمانيا وبريطانيا، ولكن بينما تم إجهاض هذه الثورة في البلدان الثلاثة الأخيرة، استمرت في إيطاليا أعمال الاحتجاج والغضب التي انتهت إلى انتهاج العنف حتى عام 1977.
هذا الفيلم البديع يمكن اعتباره أكثر الأفلام التي وثقّت للثورة الشبابية في إيطاليا اكتمالا وشمولية بفضل ما حصل عليه مخرجه من مواد أرشيفية تعتبر وثائق سينمائية نادرة، كانت تقوم الكاميرا السينمائية بتسجيلها وقت وقوع الأحداث في ظروف بالغة الصعوبة من مواقع مختلفة، في مدن إيطالية عدة، ما يجعل الفيلم عملا ملحميا نادرا بفضل تلك الصور التي تمكن فريق الفيلم عن طريق البحث الشاق، من الحصول عليها من الأرشيف الخاص بشركة تليفزيون "راي" ومعهد لوتشي السينمائي، ومؤسسة مدينة السينما في بولونيا.  
كانت حركة الاحتجاج والغضب التي اندلعت في الجامعات والمصانع حركة يسارية ثورية في عمومها، وكان يتعين عليها بالتالي أن تواجه الجانب الآخر، أقصى اليمين أي شباب الجماعات الفاشية التي كانت لاتزال قوية في إيطاليا في تلك الفترة. ونتيجة لما تعرضت له الحركة اليسارية من قمع وشعور بالإحباط بعد أن فشلت في تحقيق أهدافها المعلنة في قلب النظام التقليدي المحافظ، فقد أفرزت مباشرة بعد إجهاضها، الحركة الإرهابية التي عرفت باسم "الألوية الحمراء".
 
بناء ذكي
لا يتضمن الفيلم مقابلات مع الأشخاص الحقيقيين الذين شاركوا في تلك التظاهرات  والإضرابات والاعتصامات التي شلت وجه الحياة في عموم إيطاليا لسنوات، كما لا يستخدم التعليق الصوتي، وذلك لكي يتفادى منح المتفرج الانطباع بأي نوع من "النوستالجيا" أو الحنين إلى تلك الفترة من جانب من شاركوا في أحداثها وأصبحوا الآن ممن آثروا الاندماج في المجتمع الذي كانوا يرفضونه في السابق، كما يتفادى مخرج الفيلم التدخل في الأحداث بتحليل ينطلق من اللحظة الحاضرة، مفضلا استخدام البناء السينمائي الذي يتميز بالذكاء الشديد في تركيب الصور وتقسيم الفصول، حتى يترك للصور أن تتحدث بنفسها، كما يترك لجموع الطلاب والعمال من تلك الفترة أن يعبروا عن أفكارهم كما كانت في ذلك الزمان، كما لا يستخدم الموسيقى إمعانا في الرغبة لترك المجال أمام الصور وحدها، تعبر من خلال الأصوات الحقيقية المسجلة وقت وقوع الأحداث.
 
تثبت تجربة صنع هذا الفيلم أنه من الممكن صنع فيلم وثائقي صادق اعتمادا على الصور المباشرة وحدها دون حاجة إلى شروح خارجية أو تدخلات من جانب شخصيات معاصرة تتحدث وتحلل وتقدم رؤيتها – بأثر رجعي - للأحداث، كما يثبت أن قوة الصورة يمكنها أن تصمد وأن تعبر وحدها خاصة إذا ما وقعت بين يدي مخرج متمرّس من طراز مخرجنا، يعرف جيدا طبيعة موضوعه وخلفياته التي درسها عبر سنوات، كما يعرف طبيعة الوسيط السينمائي الذي يقوم على سرد قصة مشوقة بقدر ما هي مثيرة، تتدرج لتصل إلى نهايتها الطبيعية المحتومة.
 
بانوراما الثورة
هدف الفيلم هو تقديم بانوراما دقيقة لما وقع من أحداث، وكيف بدأت أولا بإلقاء الطلاب الورود على رجال الشرطة، إلى إغلاق الطرق ثم التوقف عن الدراسة والإضراب عن العمل، والاستمرار في عقد الاجتماعات مع غياب واضح لأهداف تلك الحركة أكثر من مجرد الرغبة الرومانسية التي كانت تدفع ملايين الشباب وقتذاك إلى إعلان العصيان عن الخضوع للدولة، رغبة في إعادة تشكيل مجتمع يقوم على نوع من "اليوتوبيا" بدعوى أن المجتمع القائم لا يحقق العدالة والحرية الحقيقية بل يقوم على الاستغلال واستعباد العمال وقولبة التعليم في نظام عتيق يجعل الطالب خاضعا لا مشاركا. ويقيم المخرج فيلمه على بناء موسيقي يتكون من ثلاثة مقاطع أو حركات كما في الأوبرا، المقطع الأول يحمل اسم "نريد كل شيء الآن فورا"، والثاني "ربما"، والثالث "الثورة إذا كان الرجال مستعدين".
 
 
الأمر اللافت للنظر في هذا الفيلم قدرة مخرجه بمساعدة المونتير، على استخدام الوثائق المصورة في رواية قصة، تبدأ مثل كل قصة، بداية واعدة طموح، تتصاعد أحداثها، وتتعدد شخصياتها، وترتفع أصوات أبطالها وهم الطلاب المضربون الذين يفترشون الشوارع أمام زحف قوات الشرطة، ثم يصطدمون مع الجماعات الفاشية التي تلجأ للخديعة واستخدام العنف بما في ذلك إطلاق الرصاص والقتل، إلى أن تنتهي القصة نهايتها الحزينة.
"ضرب السماء" وهو الاسم الذي أطلقه المخرج على فيلمه، اقتبسه من شعار كوميونة باريس عام 1876 تلك الحركة الثورية التي كانت تطمح إلى الإطاحة بالنظام الملكي وتأسيس جمهورية عمالية، والشعار يرمز إلى الرغبة في الوصول للمستحيل، وهو يشبه على نحو ما شعار حركة الشباب في بريطانيا في نفس الوقت، "كن واقعيا واطلب المستحيل".
 
من الاجتماعات العامة الصاخبة لطلائع الطبقة العاملة في ساحات المدن، ومن تجمعات الطلاب وكيف تصدّوا لقياداتهم التقليدية وانتخبوا قيادات جديدة أكثر راديكالية، ومن المواقف المضطربة داخل البرلمان بعد أن قرر عدد من النواب الانشقاق وانضموا إلى الحركة الثورية على النظام، ينتقل الفيلم ليعرض تلك الصورة اليوتوبية لعالم جديد يتطلع الشباب إلى تحقيقه، بتجسيد فكرة العودة إلى الطبيعة، في مشاهد هائلة مصورة في غابة لامبرو في ضواحي ميلانو Parco Lambro فنرى تجمعاتهم وهم عراة يفترشون الأرض، يعزفون الموسيقى ويمرحون ويعبرون عن طريق هذا الشكل الصارخ عن غضبهم على الشكل التقليدي السائد، كما لو كانوا يرغبون في خدش وجه المجتمع القديم.
 
من الذكريات
صحيح أن الفيلم يبحر في الماضي، لكنه يتطلع أيضا إلى المستقبل، يطرح بطريقة غير مباشرة الكثير من التساؤلات عن إيطاليا، إلى أين تسير، وكيف تركت الأحداث القديمة ندوبا على وجه الحياة السياسية وأدت إلى أن تصبح على ما هي عليه اليوم. وكيف أن شباب اليوم أصبح ربما بفعل التكنولوجيا الحديثة، منقطع الصلة عمليا مع ما وقع في تلك الحقبة الثرية المضطربة، ولكنه عثر على وسائل جديدة للتعبير عن الاحتجاج والغضب.
يقول مخرج الفيلم فرنشيسكو مونزي إن فكرة عمل الفيلم جاءته من ذكريات طفولته التي مازالت حاضرة في ذاكرته.  لقد كان في التاسعة من عمره، وعندما كان ذاهبا ذات يوم إلى المدرسة، وجد نفسه أمام ما يصفه بـ"أحد مشاهد الحرب"، فقد أطلق أعضاء في منظمة الألوية الحمراء الرصاص على أحد أعضاء الحزب الديمقراطي المسيحي، وشاهد مونزي وصول قوات الشرطة، وظل المشهد قائما في ذهنه، كما ظل دائما يتطلع إلى فترة السبعينيات التي كان عمه يحدثه عنها باستمرار ويروي له الكثير من أحداث عام 1968.
 
أراد مونزي أن يعيد رواية الأحداث ولكن ليس من وجهة نظر أيديولوجية، فهو لا ينتمي إلى تلك الحركة ولم يكن جزءا منها، بل من خلال وعي رجل يريد أن يتعرف على جزء من تاريخ بلده في فترة ألقت بظلالها بقوة على ما لحقها زمنيا. إن الصور التي عثر عليها كانت قد صورت بالفعل ولم يكن له يد فيها، لكن دوره كان إعادة تنسيقها معا في نسق سردي يتيح له الفرصة للتأمل، للمقارنة، لخلق المتقابلات.
ومن المشاهد الطريفة في الفيلم تلك المقابلة التليفزيونية المدوية التي دارت بين أحد قيادات الشباب وأحد القادة السياسيين اليمينيين على الهواء مباشرة حيث يتهم الرجل اليميني الشباب بنشر الفوضى والتخريب بينما يوجه له الشاب اتهامات قاسية بإفساد الحياة السياسية واحتكار السلطة والفساد والتستر على الجريمة، كل هذا في تدفق وقدرة مدهشة على التعبير بسلاسة وكأننا أمام مرافعة قضائية.
 أما عن اختياره تقسيم الفيلم إلى ثلاث حركات مثل السيمفونية يقول مونزي إنه أراد أن يوصل من خلال هذا التقسيم "الموسيقي" الإحساس بنبض السبعينيات، وأن يجعل الجيل الجديد من الشباب يتأمل في أحداث تلك الفترة ثم يحكم عليها بنفسه.
 
 
 
 
 

قد ينال إعجابكم