نقد سينمائي

"عزيزي الديكتاتور".. فيدل كاسترو

عدنان حسين أحمد

يدور الفيلم حول "فيدل كاسترو" ويُحيل إلى حقبته الزمنية، بدءًا من معالمه الخارجية، ورتبته، وبدلته العسكرية، مرورًا بالدعم الأميركي للمتمردين عليه، ومحاولات الإطاحة بنظام حكمه.

ما إن يرى المتلقي اللقطات والمَشاهِد الافتتاحية من فيلم "عزيزي الديكتاتور" للمُخرجتين الأميركيتين ليزا أداريو  وجو سيراكيوز حتى تحضر صورة الطاغية الكوبي فيدل كاسترو الذي حكمَ الجزيرة الكوبية قرابة خمسة عقود، فكل شيء يشير إليه، ويُحيل إلى حقبته الزمنية، بدءًا من معالمه الخارجية، ورتبته، وبدلته العسكرية، مرورًا بالدعم الأميركي للمتمردين عليه، ومحاولات الإطاحة بنظام حكمه، وانتهاءً ببعض الإشارات الصريحة إلى زوجته التي انفصل عنها قبل وفاتها، وابنته التي أحبّت "خائنًا للوطن"حسب توصيفه فأعدمه كي يلقِّن المتآمرين درسًا لن ينسوه أبدًا.

لم ينجح هذا الفيلم على الصعيد الفني رغم أنه يضمّ في طاقمه التمثيلي نجومًا كبار من طراز الفنان مايكل كين الذي جسّد شخصية "الجنرال أنتون فنسنت"، والممثلة الأميركية كيتي هولمز، والممثلَين الأميركيين سيث غرين، وجيسون بيغز، إضافة للنجمة الشابة أوديا راش التي تناصفت البطولة مع  مايكل كين، وبذلت قُصارى جهدها كي تبدو بالمظهر اللائق أمام أيقونة السينما البريطانية الذي اشترك حتى الآن في 128 فيلمًا و 44 عملاً تلفازيًا، كما نال جائزتي أوسكار عن فيلم "هانا وأخواتها" 1986، و "قواعد بيت سايدار" 1999، وجائزة البافتا عن فيلم "تعليم ريتا" 1983 وثلاث جوائز غولدن غلوب تعترف بعبقرية هذا الفنان المشحون بقوة مشاعره وأحاسيسه الداخلية، والمجبول على حُسن الأداء، وجودة تقمّصه للأدوار الفنية التي تُسنَد إليه مهما كانت صعبة، وعصيّة على التجسيد.

لعل القارئ يتساءل عن السبب الكامن وراء فشل الفيلم الذي يحتضن هذة النُخبة المنتقاة من الممثلين اللامعين، والنجمات المتألقات اللواتي قدّمن أفضل ما عندهن من مواهب أدائية وخاصة أوديا راش التي أدّت بإتقان كبير دور "تاتيانا ميلز"، الفتاة الأميركية ذات الستة عشر ربيعًا التي تعيش مع أمها الأرملة دارلين ميلز "كيتي هولمز". ولكي لا نلقي كل اللوم على الممثلين الذين هبطوا عن مستوى أدوارهم السابقة كثيرًا، ولم يقنعوا المُشاهدين بما قدّموه في هذا الفيلم لابد من تحميل المُخرجتين، وهما كاتبتا النص أيضًا، عن الخلل الكبير في سيناريو الفليم الذي لم ينجح في أن يكون كوميديًا، كما أُريد له، ولا ساخرًا سُخرية مُرّة أو سوداء، ولا ينطوي على أي مفارقة رغم أنّ المُخرجتين سعتا إلى ذلك ولم تُوفقا في مسعيهما.

الفيلم من بطولة مايكل كين الذي جسّد شخصية "الجنرال أنتون فنسنت"، والممثلة الأميركية كيتي هولمز، والممثلَين الأميركيين سيث غرين، وجيسون بيغز.

لم تنطوِ القصة السينمائية على حبكة أصيلة رغم أن الفيلم يتوفر على العديد من المفاجآت التي تتعلق بغالبية شخصياته الرئيسة مثل الدكتاتور الذي فاجأنا بمهاراته المتعددة التي لم يكن يعرفها الكثير من المُشاهدين ربما مثل تصليحه لباب المرآب، والمروحة الهوائية، وصنبور الماء، وإجادته للطهو، وجزّه لأعشاب الحديقة وما إلى ذلك. أما شخصية الابنة تاتيان ميلز فقد برعت في المراسلة أو الصداقة البريدية مع الدكتاتور ، إذ كانت تُحبّذ طريقته في كتابة الرسائل، وتنسجم مع أسلوبه الذي تراه مُقنعًا وجميلاً ولهذا اختارته كنموذج مُحبب إلى نفسها في الواجب المدرسي ولم تختر شخصًا آخر كما فعل أقرانها في الصف المدرسي الذي تدرس فيه. وربما تُذكرنا هذه الصداقة البريدية بنموذجين شائعين على مستوى العالم، وهما الأميركية سارا يورك ذات الأعوام العشرة التي راسلت مانويل نورييغا، ودعاها لزيارة ﭘنما في خاتمة المطاف، والطالبة الأميركية سمانثا سميث التي كتبت العديد من الرسائل ليوري أندروبوف، السكرتير العام للحزب الشيوعي السوفييتي وتلقت منه أيضًا دعوة لزيارة  البلد آنذاك.

تتميز حقبة الديكتاتور بظاهرتي تعذيب المعارضين، وقتل المناوئين له فلا غرابة أن تقْدم الأجهزة الأمنية على إعدام مجموعة من الرجال المُشتبه بخيانتهم من دون أدلة تدينهم، فلقد كان الديكتاتور يعتقد بوجود أدلة جنائية في حواسيبهم، ولكن تبيّن في خاتمة المطاف أنهم لا يمتلكون أية حواسيب، وقد تمّ إعدامهم بطريقة عشوائية يعرفها جيدًا أبناء هذه الجزيرة المُبتلاة بالأنظمة الطاغوتية المُتعاقبة.

لم يركِّز الفيلم كثيرًا على خطابات الديكتاتور الطويلة والمملة ويبدو أن المُخرجتين قد اختارتا نموذجًا واحدًا من هذه الخطابات التي ينتقد فيها الجنرال أنتون فنسنت الرأسمالية "الحقيرة" التي تحرّر منها شعبه لكن التحديات مازالت كثيرة مثل قلّة الغاز والحليب، وندرة الخبز والصابون وسواها من المواد الضرورية التي يحتاجها أبناء الجزيرة، ثم يردد مقولته الشائعة "الوطن أو الموت" ويعِد شعب الجزيرة بالانتصار الأكيد على أميركا التي تُحاصرهم من الجهات الأربع، وتبذل قصارى جهدها عدوها الاشتراكي اللدود. وحينما يعترض أحدهم يأمر أزلامه ببساطة: "أن أطلقوا النار على هذا الرجل المُحتجّ!".

يؤخذ على الفيلم الخلل الكبير في السيناريو الذي لم ينجح في أن يكون كوميديًا، كما أُريد له، ولا ساخرًا سُخرية مُرّة أو سوداء.

من مفارقات هذا الفيلم أن الديكتاتور يلتجئ إلى منزل صديقته الأميركية تاتيانيا ويختبئ من مرآب البيت لكن الأمر لن يطول كثيرًا حتى تكتشف أمها دارلين ميلز أن الديكتاتور موجود في منزلها وسوف تقبل بالأمر الواقع بحجة أنه لاجئ سياسي، كما تذهب تاتيانا، وهي مضطرة لحمايته بموجب القانون!

وبما أن الدكتاتور مازال يعوّل على خطاباته الفكرية الكلاسيكية فقد طلب من صديقته تاتيانا أن تسجل له مقطعًا خطابيًا وتسلّم نسخة منه إلى قناة الـ "سي أن أن"، ونفهم من خلال هذا الخطاب الموجّه إلى مساعديه وأنصاره أن الجنرال أنتون فنسنت مازال على قيد الحياة، وأنه يؤلف جيشًا قوامه الآلاف من المواطنين المخْلصين للجزيرة، وأنهم سوف يثورون جميعًا على الغزاة الطامعين، ولن يستسلموا أبدًا، فإما الوطن أو الموت.

تتطور الأحداث وتتشعب بحسب الشخصيات الأخرى فالأم دارلين ميلز التي رأيناها في مستهل الفيلم مرتبطة بطبيب الأسنان تشارلز سيفر تتذبذت علاقتها العاطفية به بين مدِّ وجزر، والبنت تاتيانيا تبتعد عن صديقها "ديني" الذي يخونها مع فتاة أخرى ثم يلقي بنفسه من الطابق الثاني، ويصاب بكسور ورضوض متعددة لكنه لم يفارق الحياة. أما الديكتاتور الذي يبقى محاصرًا في المنزل أو يخرج متنكرًا لشراء الملابس، أو يتصل برفاقه ومساعديه عبر الإنترنيت بمساعدة صديقته تاتيانيا التي يُقبض عليها بالجرم المشهود، إذ تَبيّن من رسائلها الإليكترونية والورقية أنها كانت على علاقة مباشرة بالدكتاتور حيث تُحاصر الشرطة منزلها وحينما يخرج الديكتاتور رافعًا يديه يقولون إنهم ليسوا بحاجة إلى الجد وإنما إلى تاتيانا ميلز التي اعتقدوا أنها حفيدته. وحينما ينتهي التحقيق مع تاتيانيا، التي احتجزها الديكتاتور هي وأمها كرهينتين، تجد نفسها حُرة طليقة بعد أن برّأت نفسها من كل التهم الموجهة إليها. أما الديكتاتور فقد شاهدناه سجينًا، وقد زارته تاتيانيا في معتقله وكان سعيدًا بها لأنها تحولت إلى ثائرة. وسوف تتم محاكمته محاكمة عسكرية بتهم جرائم ضد الإنسانية، وسوف يتم نفيه إلى أميركا البلد الذي ناصبه العداء طوال حياته.

لم يركِّز الفيلم كثيرًا على خطابات الدكتاتور الطويلة والمملة ويبدو أن المُخرجتين قد اختارتا نموذجًا واحدًا من هذه الخطابات.

ينطوي السيناريو على أفكار مهمة لكنها لم تُعالَج بشكل جيد، ولو كانت جو سيراكيوز وليزا أداريو كاتبتين مُحترفين لحَبكتا منها قصة متينة شديدة الدلالة والتعبير مثل فكرة السيطرة على الشعب بواسطة عنصري "الحُب والخوف" أو المُقتبسات المأخوذة عن مسرحية "الملك لير" أو تحول تاتيانا، الفتاة الأميركية الشابة المُولعة بالأشياء الغريبة، إلى ثائرة أو متمردة في الأقل على الأوضاع الراهنة، واستجابتها للثورة الاجتماعية الموازية للثورة السياسية التي تجتاح الجزيرة.

لابد من الإشادة بجمالية التصوير الذي نفّذه وايت ترول وأبدع في لقطاته الفنية التي تبقى في الذاكرة، كما أنّ المونتاج الذي قام به "كينت بيدا" قد أنقذ الفيلم من السقوط في فخّ الرتابة والملل بسبب عثرات السرد البصري للقصة السينمائية التي لم تُحبكها كاتبتا السيناريو، ومُخرجتا الفيلم في آنٍ معًا. باختصار شديد، أن فيلم "عزيزي الديكتاتور" جدير بالمُشاهدة من ثلاث نواحٍ فقط وهي التصوير، والمونتاج، وأداء الشخصيات التي خذلتها القصة السينمائية المهلهلة، وأربكتها الرؤية الإخراجية القاصرة لصانعتي الفيلم اللتين تطاولتا على كتابة السيناريو من دون أن تتمكنا من هذا الفن الذي يتألق بمبدعيه، وكُتّابه المتخصصين به.

 

 

قد ينال إعجابكم