نقد سينمائي

عسكرتارية إسرائيل.. للبيع!

قيس قاسم

هل ستُصدر إسرائيل نموذجها العسكري والأمني إلى أوروبا؟ للإجابة على هذا السؤال الإشكالي، كان على المخرجة "نيريت بيليد" تبرير طرحه سينمائياً، حتى يأتي مقنعاً، لا افتراضياً يراد به التخويف واستباق مخطط عمل غير موجود على الأرض ولا في الأذهان!؟ لاستبعاد التعمد "المسيء" كان على صانعة State of Alret: Israel Style استقصاء توجهات ومعرفة عقليات وطريقة تفكير الطرف، المُشار إلى نيته في "بيع" نموذجه العسكري والأمني إلى القارة الأوروبية، لهذا راقبت بعناية كل فعل له صلة مباشرة بموضوعها والذهاب بنفسها كـ "صحفية" لمناقشته مع المعنيين به داخل إسرائيل وعرض وجهات نظر آخرين يدركون أبعاده وخفاياه ويعرفون العقلية "العسكرية"، التي تطمح بتصدير نموذجها إلى العالم، غير عابئة بآثارها التدميرية مستغلة كل فرصة للنفاذ منها.

ليس هناك أكثر من العمليات الارهابية فعلاً جاهزاً، مثالياً تبرر به إسرائيل سياساتها وسلوكها العدواني واستغلالها أيضاً مناسبة لتسريب فكرة اعتماد نموذجها "الأمني" في الدول الديمقراطية حتى تتساوى في النهاية معها ولا تعود كما هي. دولة غير عادلة تحتل بالقوة أراضي الغير وتنتهك حقوق شعب آخر وتبني مجتمعاً عسكرياً بامتياز. تلك واحدة من الاستنتاجات، التي خرج بها الوثائقي الهولندي خلال استقصائه وبحثه عن سر الزيارات المتلاحقة لوزراء داخلية ومسؤولين أمنيين أوروبيين -على وجه الخصوص- إلى إسرائيل بعد تفجيرات باريس وبلجيكا. ومدخلاً لمعرفة السر وراء حضور خبراء أمنيين إسرائيليين وأصحاب مصانع إنتاج أسلحة إلى مواقع أمنية "حساسة" في بعض الدول الأوروبية؟

للتواجد في المكان المناسب لطرح الأسئلة ومقابلة المعنيين استغل الوثائقي فرصة إقامة معرض دولي للأسلحة في إسرائيل حضره مسؤولون أوربيون من بينهم وزير الداخلية والأمن البلجيكي. مقابلتها لبعض أصحاب المعارض وتسجيلها مقاطع من الإعلانات الترويجية للأسلحة وبقية البضائع الحربية مهدت للشروع في الغوص عميقاً في ثنايا موضوع خطير شائك ليس من السهل الحصول فيه على أجوبة شافية من طرف يعرف مصالحه جيداً ويعرف كيف يموه على أهدافه النهائية. من المقابلات المقرونة بالتسجيلات الجاهزة، المعبرة بقصدية عن مضمون عنصري يركز على تشويه الفلسطيني والعربي المسلم وتقديمه كـ "إرهابي"، الأسلحة المعروضة موجه فقط للحد من شروره، ووضع نهاية لها بفضل تطورها وتفصيل مقاساتها عليه!

 أغلبية أصحاب الشركات الأمنية والمصانع الحربية الإسرائيلية من المتقاعدين المشتغلين سابقاً في السلك العسكري والمخابراتي وشغلوا فيها مناصب رفيعة. انتبهت إلى حديثهم جيداً وحرصت على تثبيت جمل محددة، الغريب أنهم جميعاً تقريباً نطقوا بها وكأنهم اتفقوا فيما بينهم على ترديدها أمام كل من يسألهم من الأوروبيين؛ سينمائيين كانوا أم صحافيين أو سياسيين. الجملة مفادها أن أوروبا والأوروبيين تنقصهم الخبرة في التعامل مع "الإرهاب" وأن ثقافتهم التي ترجح "الخصوصية" على "الأمن" ستكون وبالاً عليهم.

 يستخدم الضباط السابقون وأصحاب الشركات الخاصة اليوم بعينها مثل؛ "الموروث" "الوعي الجمعي" "الموروث الجيني" كثيراً حين يتحدثون عن نقص الوعي الأمني عند الأوربي ويقارنوه بما لديهم وكيف ترسخ في ذهن مواطنهم، بسبب خوضهم حروباً مع عدو أحاط بهم من كل جهة، إلى جانب حذرهم الشديد من مهاجمته لهم في عقر دارهم! كان على "الصحفية" وفق ذلك المنطق "القوي" أن تلعب هي أيضاً دورها بقوة، دون نسيان مهمتها الأساس كمخرجة عليها الجمع بين الصورة والحوار وألا يغلب الصوتي على المرئي في كل الأحوال. تفهم "نيريت بيليد" الأستاذة المحاضرة في السينما أن كل ما منقول على الشاشة يعد اشتغالاً بصرياً بشرط توفره على منطق سينمائي ومن ذلك الفهم راحت دون خوف تقابل شخصيات وتترك لهم حرية التعبير عن أفكارهم وكأنها تنصب بها لهم فخاخاً، لا يستطعيون معها نكران نواياهم والتغطية على جوهر أفكارهم. يريد الاستراتيجيون العسكريون كما قال بعضهم أمام الكاميرا؛ تخلي أوروبا عن ديمقراطيتها وإشاعة الخوف في نفوس مواطنيها، فعندها فقط يصبح التنازل عن حريتهم الفردية مبرراً لصالح الحفاظ على أرواحهم من الهجمات الإرهابية! على جانب ثانٍ ولكون الكثير منهم يملك شركات أمنية خاصة ومصانع لإنتاج أسلحة متطورة مخصصة للقضاء على "الإرهاب" يعملون على ترويج فكرة بطلان فعالية الأسلحة التقليدية وعلى أوروبا البحث عن الجديدة -التي ينتجونها- والمستوية مع حجم التهديد الجدي الذي يواجههم كل اليوم. لا يشيرون إلى تبعات تلك التوجهات العسكرية ولا إلى أثمانها الباهظة على ثقافة ليبرالية ترسخت عبر تاريخ طويل.

يرافق الوثائقي زيارة ميدانية نُظمت للوزير البلجيكي إلى محطة قطارات رئيسية. شرحوا له الطريقة التي يحمون بها ركابها والأفكار "الطليعية" التي أضافوها إلى العلم الأمني والعسكري. بدا الزائر مقتنعاً ومبهوراً بها وتلك أولى الخطوات لجره إلى ساحتهم ثم التأثير عليه. أما ثانيها، والتي يدفع ثمنها الشعب الفلسطيني دمه وحريته بسببها، فتتمثل في تعكزهم على فكرة "السلاح المجرب". من فهمهم لسيكولوجية المشتري وميله إلى البضاعة المجربة على الأرض يقدمون منتجهم العسكري على غيره كونه مجرب من قبل وعلى البشر. تُراجِع صانعة الوثائقي الاستقصائي "دولة الحذر: الطراز الإسرائيلي" تاريخاً من الاستخدام السيء والشنيع للأسلحة الإسرائيلية ضد المدنيين الفلسطينيين وكيف كانت سبباً في اندلاع انتفاضات عارمة ضدهم. لم توقف أسلحتهم وتكتيكاتهم العسكرية المتباهين بها الشعب الفلسطيني بل زادته إصراراً على المطالبة بحقوقه المشروعة فيما زادت هي من "عسكرة" مجتمعها، فغدت مع الوقت دولة أمنية بامتياز لا صلة لها لا بالديمقراطية ولا بالدولة المدنية المتعارف عليها. زيارة الوثائقي، العنيد والعارف أين يضع قدميه في منطقة خطيرة مزروعة بألغام "تكتيكية" و"بعيدة المدى"، إلى كلية الأمن الدولية تميط اللثام عن جانب أمني آخر عابر للحدود. خريجوها لا يراد لهم العمل في الداخل، فحسب أستاذ محاضر فيها وهو عسكري متقاعد أيضاً، "عند إسرائيل الكثير منهم" لهذا يتوجهون للعمل في الخارج لنقل خبراتهم الأكاديمية/ الأمنية والعسكرية إلى مجتمعات أخرى. المثير للانتباه علاقة هؤلاء بالأطفال المتطوعين لللتدريب العسكري خلال العطل المدرسية، والتي تشرف الجامعة على جزء منها. تنظم الجامعة دورات دراسية للأطفال وبرامج تدريبية عملية في المناطق القريبة من الفلسطينيين ويساهم طلبة الكلية في الإشراف عليها وتطبيق ما تعلموه نظرياً عليهم. يعتبر الطلبة والأساتذة اهتمام الصغار بالألعاب الفيديو والأجهزة الالكترونية مضيعة للوقت والأجدى بهم تعلم فنون القتال قبل تجنيدهم الإلزامي ليتشبعوا بالروح العسكرية "الحقة"!

حوارتها مع أساتذة ومحاضرين في الجامعات العسكرية تكشف ذلك التوجه وتبيَّن العقلية، التي لازمت سياسييها وقادتها طيلة عقود احتلوا خلالها أراضي عربية لكنهم فشلوا في إيقاف العمليات المسلحة تماماً، ولا منعت من الاحتجاجات المدنية السلمية. سيكشف الوثائقي الشجاع حقيقة أن الشركات الأمنية الخاصة هي الأكثر نشاطاً في أوروبا اليوم، وبالتحديد بعد تفجيرات باريس وبعض الدول الأوروبية ومهاجمة المدنيين، من خلالها ينفذون إلى عقول مسؤوليها عبر سخريتهم من إجراءاتهم الأمنية وخذلان جدواها، بدلالة ما يحدث فيها من خروقات تؤدي إلى موت مواطنيها. عبر منطقها المتماسك ذاك والمرهون بحيّرة الطرف الأوروبي وانفتاحه على أي أفكار ومشاريع تحد من العمليات التي يتعرضون لها يحاول أصحاب الشركات اقناعهم بضرورة الاستعانة بخبراتهم المتراكمة وشراء منتجهم العسكري. من أحاديثهم توصل الوثائقي إلى وجود استراتيجية فعالة تريد نقل النموذج الإسرائيلي المعمول به في "المعابر" ونقاط التفتيش إلى أوروبا أيضاً. مراجعتها للتسجيلات والمقابلات مع الفلسطينيين في المناطق المحتلة وطريقة تعامل الجنود والعاملين في الشركات الأمنية الخاصة معهم أثناء محاولة عبورهم إلى مناطق داخل الحدود الإسرائيلية، تجسد الامتهان المذل لكرامة الانسان وتتعارض بالكامل مع معايير احترام حقوق الإنسان المتمتعة بها المجتمعات الأوروبية. كل ما بنته أوروبا من ثقافة ومعرفة إنسانية تريد إسرائيل استبداله بثقافة أخرى لا صلة لها بحقوق الانسان ولا بقيمته.

 في مقابلة مهمة مع باحثة إسرائيلية في حقل الأمن، نقلت إثرها الوثائقي إلى مستوى تحليلي أعمق وأدخلته في مجال البحث عن الجوانب النفسية والسلوكية الناتجة عن "عسكرة" المجتمع الإسرائيلي، وخصلته الأشد وضوحاً؛ الخوف من الآخر والحكم عليه من مظهره الخارجي. تورد مثالاً تطبيقياً على نفسها؛ يوم بدأت بالدراسة، شعرت تحت تأثير الهاجس الأمني أن كل شخص لا يشبهها ولا تنطبق عليه مواصفات "المواطن الجيد" مشكوك فيه وكل مختلف عن ثقافتها موضع اتهام لدرجة تحولت فيها إلى حارس أمني متيقظ ليل نهار دون أن يكلفه أحد بالمهمة. يريد الاستراتيجون صراحة كما يستنتج الوثائقي الميال للبحث والاستقصاء في آن، تغير طريقة تفكير الأوروبي، من خلال استغلال حالة الخوف والهلع التي يعيشها اليوم. يريدون تحويلة كما مواطنهم خائف يرتضي بالسلوك العسكري، المُحد لحريته ومع الوقت يتحول إلى "برغي" في آلته القمعية عندها فقط يغدو النموذج الإسرائيلي مقبولاً وقابلاً للتطبيق في منطقة ظلت ترفضه وتتعامل معه بحذر شديد. في السؤال عن انفتاح الساسة الأوروبيين اليوم على النسخة الأمنية الإسرائيلية يذهب الوثائقي عميقاً لعرض مشهداً متخيلاً لأوروبا ثانية، تشبه إسرائيل؛ لا تقبل بالتنوع الثقافي ولا بالآخر. مذعورة يحمل سكانها السلاح ويشهرونه في وجه كل من يشكون به، يبنون غيتوات وجدران عازلة. بمعنى آخر يطمحون عبر عسكرة المجتمع الغربي إلى تغيير أسلوب حياة سكانها وتطبيق نموذج "جاهز" بدلاً منه. نظام بوليس يعتمد على؛ تشجيع المواطن على التحري وجمع المعلومات ليل نهار، فيغدو عبداً لنظام معتمد كثيراً على خبرات مجربة مطبقة على البشر، ويُقبِل بدافع الخوف على شراء المزيد من منتجاتتها الحربية فيزداد حجم دخلها منه وربما إذا جرى كل شيء وفق تصور الاستراتيجيين والتجار العسكريين ستصبح أسلحة "القتل" الإسرائيلية مدخلاً لعسكرة أوروبا المتحضرة!

قد ينال إعجابكم

حوارات

أيام رعب في مقديشو

مخرج نرويجي يكلف جنديين من بوروندي بتسجيل ما يصادفهما من أحداث صعبة في الصومال، ليتحول فيما بعد إلى وثائقي يعرض في عدد...
متابعات

فينسيا 74: جوائز مُستحقة

في مفاجأة مُستحقة، فاز بجائزة أفضل ممثل، الفلسطيني "كامل الباشا"، عن دور المهندس "ياسر"، في فيلم المخرج اللبناني زياد...