نقد سينمائي

على خطى جهادي فرنسي

محمد موسى

يُحاكي المخرج الأمريكي المُقيم في فرنسا إريك بودلير في فيلمه التسجيلي "المعروف أيضاً باسم جهادي" (Also Known as Jihadi) الرحلة التي أخذها شاب فرنسي من أصول مسلمة اسمه "عبد العزيز"، من مدينته الصغيرة في فرنسا إلى سوريا في عام 2012، لكن الفيلم سيتوقف قريباً من النقطة الجغرافية على الحدود التركية السورية الذي عبر منها الشاب إلى سوريا مُلتحقاً بجبهة النصرة ولا يغامر باكتشاف ما بعدها. كما سيستعيد الفيلم رحلة عودة عبد العزيز إلى فرنسا في عام 2013، والتي كانت مُعقدة هي الأخرى، وستنتهي به في قبضة الأمن الفرنسي. كل ذلك دون أن يظهر الفيلم وجه الشاب أو أي مادة صورية أرشيفية له، ودون حوارات أو حتى كلمة واحدة في الفيلم كله، في تجربة تسجيلية تُعد فريدة، وتُعيد الاعتبار للصورة وللبناءات الراديكالية في السينما التسجيلية.

سيمرّ بعض الوقت قبل أن تتضح المقاربة الجريئة للغاية للفيلم، والذي يستند بالكامل إلى تحقيقات الأمن الفرنسي مع عبد العزيز، الشاب الفرنسي من الأصول الجزائرية والمولود في مدينة فيتري الفرنسية. فالمخرج لا ينبش بصورة تقليدية في البيئة الاجتماعية التي ولد ونشأ بها الشاب المسلم، كحال معظم الأفلام التسجيلية التي تخوض في موضوعات مشابهة، كما أنه سيبتعد أيضاً عن محاولة رسم بوتريه لشخصيته عبر حوارات مع الذين عرفوه، أو الوصول إليه شخصياً. في المقابل، يستعيد الفيلم أجزاءً طويلة للغاية من تحقيقات الأمن الفرنسي مع "عبد العزيز"، ويعرضها كما هي دون مجادلة أو تشكيك، تاركاً لنا كمشاهدين مهمة التقييم النهائي، ليس فقط للشخصية الرئيسية، بل يتعداه إلى ما يمثله من نموذج لجيل ضائع، يتأرجح بين قيم شرقية غير واضحة المعالم، وعدم انتماء واضح للمجتمع الذي يعيش فيه.

الشاب الذي كان أُفق حياته يضيق في فرنسا، بدأ يرى في العالم العربي الحلم والأمل

يختار الفيلم أن يعرض أوراق التقرير الأمني كما وصلت إليه. فيضع على الشاشة الورق المتقشف الأصلي الذي طبعت عليه، وبدون تعليق صوتي، مفسحاً المجال للمتفرج لكي يقرأ ما عليها. ينقل التقرير تحقيقاً مطولاً مع "عبد العزيز"، يبدأ من أسباب توجهه إلى سوريا، ويغوص بعدها في تفاصيل يومياته هناك، كما ينقل التقرير حرفياً ما دار في مكالمات هاتفية (تم تسجيلها سراً) أجراها عبد العزيز من فرنسا إلى سوريا، وبالعكس، مع فرنسيين كانوا معه في سوريا، أو قريبين من التوجه إلى هناك للانضمام إلى فصائل مقاتلة. يعرض التقرير الفرنسي ذاته تفاصيل عن شابة فرنسية من أصول تركية توجهت في ظروف مشابهه إلى سوريا، وسنعرف لاحقاً أنها ستتعرف بـ "عبد العزيز" وسيتزوجان هناك ويرزقان بطفل.

يقطع عرض التقرير الأمني الطويل على الشاشة، مشاهد صورها الفيلم للأماكن التي مر بها "عبد العزيز"، فيبدأ من مدينته الفرنسية، ويذهب أيضاً إلى الجزائر حيث كان يقضي الشاب أوقاتا طويلة (على غير المعتاد) في السنوات الأخيرة قبل توجه إلى سوريا، ثم يذهب المخرج إلى تركيا، ويصل إلى الحدود التركية السورية، تميزت المشاهد تلك، ومثلها مثل مشاهد التقرير الأمني بتقشفها الشديد، وطولها وسكونها وتركيزها على اليومي غير المثير. كما بدا أن المخرج لم يشأ أن يلفت الانتباه، فصور بكاميرا صغيرة، ودون تحضيرات مسبقة، لتفتقد الكثير من المشاهد الإتقان الفني، إذ كانت الكاميرا تهتز باستمرار، كما لم يهتم المخرج بالبحث عن زوايا مبتكرة للكاميرا.

الفيلم سيتوقف قريباً من النقطة الجغرافية على الحدود التركية السورية الذي عبر منها الشاب إلى سوريا مُلتحقاً بجبهة النصرة

لا تختلف قصة "عبد العزيز" كثيراً عن قصص الشباب الأوروبيين المسلمين الذين التحقوا بالقتال الدائر في بعض مناطق الشرق الأوسط. فالشاب الذي كان أُفق حياته يضيق في فرنسا، بدأ يرى في العالم العربي الحلم والأمل، فاقترب من هذا العالم، وزاد من معدل زيارته إلى بلد الآباء في الجزائر، ثم توجه إلى مصر لتعلم العربية، وبعدها التحق بالقتال المعقد الدموي في سوريا. تفتح الوثائق الأمنية نافذة (وعلى قدر ما تستطيع هذه الوثائق فعله) على حياة الشاب الفرنسي قبل ذهابه إلى سوريا، فواحدة من الوثائق التي حصل عليها الأمن كانت تتضمن "سيرة عمل" التي كتبها هو نفسها قبل سنوات، والتي تكشف عن مطبات وأخطاء وعثرات، فهو جرب الدراسة الجامعية مرتين، وتوقف بعد سنة واحدة من كل دراسة، ليبدأ بعدها العمل كسائق في وظائف كانت تنتهي بعد فترات وجيزة.

ينكر "عبد العزيز" تهمة الإرهاب التي وجهت له، ويصر أنه كان في سوريا في مهام إنسانية، وغادر البلد العربي بعد أن تكشف له زيف شعارات الجهات التي استقبلته. بيد أن المحقق سيتحدى زعمه ببعده عن العنف في سوريا، بصور وجدت على هاتفه وهو يحمل أسلحة نارية هناك. يتواصل رمي الاتهامات ونفيها بين المحققين الفرنسين و"عبد العزيز"، وسيتبين أن الشاب الفرنسي لم يكن الوحيد الذي ترك سوريا من الجهاديين الآتين من فرنسا، إلى الحد الذي أزعج مسؤول التجنيد في تنظيم النصرة، والذي توقف عن تسهيل سفر الفرنسيين إلى سوريا في نهاية عام 2014، وحسب مكالمة هاتفية جرت بين "عبد العزيز" وزميل له وقتها.

وفي حين تبدو مُقاربة المخرج الجريئة للغاية بعدم تقديم حوارات أو صورة أرشيفية واحدة للشخصية الرئيسية التي يدور العمل عنها مناسبة أكثر لعمل تسجيلي قصير، إلا أن المحصلة النهائية لهذا العمل التسجيلي الطويل (102 دقيقة) كانت مُرضية للغاية، ربما بسبب السكينة التي تلف الفيلم، والتي تسير على النقيض من معظم الأعمال التسجيلية الحديثة التي تفيض بالشهادات والحوارات والمونتاج السريع. يضع المخرج مشاهدي فيلمه في موقع القاضي، الذي عليه أن يفكر ملياً بشهادة الشاب الطويلة، وليصل بعدها إلى الاستنتاج الخاص به، لكن المخرج وعبر الرحلة الصورية التي قطعها، يمنح الوقت أيضاً للتأمل في حياة الشاب ذاك، والطريق الذي سار عليه والمحطات المضطربة التي توقف بها.

سيبتعد الفيلم أيضاً عن محاولة رسم بوتريه لشخصية بطله عبر حوارات مع الذين عرفوه، أو الوصول إليه شخصياً

قد ينال إعجابكم

متابعات

العرب في قلب "إدفا"

تنوعت موضوعات الأفلام المشاركة في مهرجان "إدفا" بين الربيع العربي، والحرب السورية، وداعش، واللاجئين، والقضية الفلسطينية...
بورتريه

السادات .. ممثلاَ!

لم يكن السادات يعشق السينما فقط.. وإنما كان يتمنى أن يصبح من نجومها.. وكان منذ فجر شبابه يحلم بالوقوف أمام كاميرات...