نقد سينمائي

على معزة وإبراهيم.. الحدوتة تهزم الشِّعر

رامي عبد الرازق

يقول أندريه تاركوفسكي في معرض حديثه عن الشعر في السينما (إن الشعر يبدأ حين تنتهي المعلومة في الفيلم) أي أن تتابع اللقطات والمشاهد الذي يولد الحالة الشعرية أو روح القصيدة يتجلى في صياغة الفيلم بعد أن تكون الدراما قد فرغت من تقديم المعلومة التي ليست هي الغرض الأساسي، لأن المعلومة هي حِمل الحكاية أما الشعر فهو مسؤلية الصورة ومنتهاها.

وعندما يكون لدينا فيلم يتحدث عن شاب يتجلى له – ولا نقول يتوهم- أن روح الفتاة التي يحبها قد سكنت في جسد معزة بيضاء، فيطلق عليها اسم حبيبته الراحلة ندى، ويعانقها معانقة العشق بمفهومه الواسع، ثم ينطلق هذا الشاب في رحلة مع شاب آخر يعاني من مرض غريب، يجعله يستمع إلى أصوات ضخمة بداخل رأسه هو فقط، كمن به مسّ من الجنون، أو هلاوس قاهرة للأذن والدماغ، عندما يجتمع الاثنان (على معزة وإبراهيم) في رحلة وجودية قوساها البحران – الأبيض والأحمر- فنحن إذن لسنا أمام حكاية تقليدية أو لسنا أمام حكاية من الأساس، بل ثمة لمسة شعرية ذات ألق سحري واضح يكاد يتاخم الفانتازيا في النهاية إلا أنه لا يتجاوز عتبتها.

علي لا يرغب في التخلي عن حب ندى، وهو مقتنع تمام الاقتناع أن روح حبيبته تتجسد في المعزة.

إن أزمة فيلم على معزة وإبراهيم (من إخراج شريف البنداري وسيناريو أحمد عامر) في كونه فيلما شعريا لم يتمكن صناعه من الانحياز للقصيدة بدلا من الحكاية، فكثرت فيه المعلومات ومحاولات التفسير والتبرير بدلا من التحرر من تلك القيود الظاهرية، والانطلاق نحو متعة مغايرة، تلعب فيها الأسئلة والشكوك والصورة على اتساع تأويلها الدور الرئيسي وليس الانتقال من حدث لحدث باتجاه ذروة لا هي بالشعرية ولا بالدرامية.

الدب المتجول

في الأفلام التي يدرك صناعها ماهية الأسئلة التي يريدون للجمهور أن يتورط فيها نجد أن اللقطات الأولى والمشاهد الأولية ترتبط ارتباطا عضويا-غير مباشر- بمختلف فصول الفيلم دراميا وبصريا، ولكن في على معزة تتفتت تلك الفرضية على أرضية الشارع الأسفلتي لمنطقة وسط البلد حيث نرى دمية لدب ملون لا ندري إن كان محمولا أم مرفوعا تجوب الشوارع على خلفية أغنية (الكوتشي اللي باش) أي الحذاء الرياضي الذي ذاب نتيجة المشي فوق أسفلت المدينة وهي أغنية ذات بعد سياسي وإنساني يخص فكرة الوطن بمفهومها الواسع.

يبدو كأن الدب يغني الأغنية عن حذائه الذائب حبا في شوارع المدينة التي نراها فيما بعد غير أليفة بالمرة، الأغنية مع اللقطة الطويلة للدب المتجول دون أن يظهر حامله بهذا الشكل يمهدان لمعالجة فيلمية مختلفة تبدو واضحة الملامح والأسئلة خلال الفصل الأول من الفيلم وهو أكثر الفصول اتساقا مع شعرية السياق وطبيعة التفاصيل التي يتشكل منها السرد.

تتضاءل كتلة علي الدرامية والشعرية ليتحول لمجرد تابع لإبراهيم وندى

يلعب الدب دورا مهما في إبراز عبثية المدينة التي يتحرك فيها علي وكماتا رفيق رحلته الأولى بالمدينة سائق الميكروباص الذي يعملان عليه –لأن رحلته الثانية خارج المدينة سوف تتشكل مع رفيق آخر هو إبراهيم- فعندما يتوقف الميكروباص في كمين للشرطة يتعامل الضابط بشكل عبثي جدا مع دمية الدب كأنها مشتبه به، وهو واحد من أفضل مشاهد الفيلم في بلورة الواقع اللامعقول الذي تتحرك فيه شخصية علي، إنه مشهد بلا معلومات بل هو حالة من العبث المتاخمة للشعر، فالضابط يجلس مع الدبدوب في السيارة وكأنه يقنعه بالاعتراف عن المخدارات التي يخبئها بداخله، ثم ينهال عليه في اللقطة التالية طعنا مستخرجا أحشاءه القطنية في سوريالة طريفة، بينما لا يلتفت لاستغاثة الفتاة التي تمر من الكمين دون تفتيش داخل سيارة متهالكة.

في المشهد التالي يخوض على وصديقه معركة بالمولوتوف تشبه معارك الثوار مع الشرطة وقت الثورة ولكن ليس من أجل التظاهر، ولكن من أجل تحرير الفتاة من قبضة ثلاثة شباب أشقياء سوف يعرفون فيما بعد أثناء الفيلم بأنهم (شباب اللادا) اي ماركة السيارة التي هاجمها علي وكماتا لتحرير نور.

نور نفسها التي تحمل اسما آخر هو صباح ليست سوى فتاة ليل، أي أن نصف استغاثتها لم يكن بسبب أنها ضحية اختطاف بل بسبب أن ضغط العمل كان مبالغا فيه من قبل الأشقياء الثلاثة، وهنا أيضا يبدو جانب من العبث الشعري الطريف الذي يفسح المجال للأسئلة دون أحكام أخلاقية مسبقة.

صباح تصافح "ندى" في أول لقاء بينهما.

بالتوازي مع هذا السياق العبثي يقدم لنا السيناريو الخط الخاص بإبراهيم مهندس الصوت الشاب الذي يعاني من أصوات غريبة تطارد رأسه المسكون بالموسيقى، ثم محاولته الإمساك بتلك الاصوات عبر تسجيلها، من أجل التحكم فيها أو التخلص منها. ويفرد الفيلم مساحة خاصة لعملية مطاردة الأصوات من خلال كليب مكثف لخليط الاصوات التي تنبعث من أحشاء المدينة حيث يسكن إبراهيم وعلي متجاورين.

إلى هنا ويبدو سياق الفيلم متسقا مع سياق العبثية الشعرية الممزوجة بحس شعبوي طريف، خاصة مع الكشف عن شخصية المعزة ندى التي يعيش معها علي وأمه والتي يطلق عليه أهل المنطقة بسببها لقبه الرائع (على معزة).

إلى هنا وحجم المعلومات المتاحة لا يزاحم الأسئلة التي تتشكل تدريجيا في ذهن المتلقي، بل على العكس فإن قلة المعلومات تمنحنا حافزا أكبر للتأمل والتساؤل عما وراء الشخصيات وعوالمها المختلفة ومدينتها الغريبة. 

ثلاثة أحجار.. وبحران

بداية من الفصل الثاني وبعد اتفاق على وابراهيم على القيام سويا برحلة إلقاء الأحجار في البحر يبدأ السرد في التخبط على مستوى الحالة العبثية التي مهد لها في الفصل الأول، أولا: لا تبدو أهداف علي واضحة مثل أهداف إبراهيم من وراء الرحلة، لقد بدأ الأمر عندما التقيا عند الدجال المودرن الذي منح لك منهم ثلاثة أحجار لإلقائها في المسطحات المائية الثلاثة في مصر( البحران الأبيض والأحمر والنيل) ولكن بينما يبدو هدف إبراهيم الظاهري هو إلقاء الأحجار من أجل التخلص من الأصوات يبدو هدف علي مبهما وسطحيا حيث يبدو مبرر الرحلة الوحيد بالنسبة له أن يهرب من مطاردة أمه له كي يتخلص من حبه لندى /المعزة الصغيرة.

إن علي لا يرغب في التخلي عن حب ندى، وهو مقتنع تمام الاقتناع أن روح حبيبته تتجسد فيها، ولا يجد أي غضاضة في حالة العشق بينه وبينها في صورتها الحيوانية، إذن لماذا يقرر المضي مع إبراهيم وإلقاء الاحجار في البحر لكي يتخلص من ولعه الصوفي بندى على حد رغبة أمه والمحيطين به!!

بدا أداء أحمد مجدي في إطار تقديمه لانهزامية شخصية إبراهيم وخروجه في أضعف حالاته بعد كل نوبة من نوبات الأصوات أكثر توهجا ورهافة.

في الرحلة تبدأ شخصية إبراهيم في التبلور بثراء واضح بينما تتضاءل كتلة علي الدرامية والشعرية ليتحول لمجرد تابع لإبراهيم وندى! رغم إمكانيات شخصية علي التي مهد لها السيناريو في البداية عبر تفاصيل دمية الدب وإنقاذ العاهرة والتمرد على نظرة الأم لندى على اعتبارها معزة.

لدى شخصية إبراهيم تلك الطبقات المتراكمة من التعقيدات والأفعال والقرارات وهي التعقيدات الشعرية التي تبهت فوق ملامح علي، فعندما يذهب إبراهيم للإسكندرية نكتشف أن مسألة إلقاء الأحجار ليست سوى غطاء لنواياه التي تتكشف بالتدريج، النية الأولى هي أن يتعمد تمزيق ثيابه من أجل الذهاب إلى خياط عجوز نكتشف من خلال حديثه معه أنه أبوه الذي هجره صغيرا هو وأمه ذات يوم.

بينما في سيرنا على شاطئ البحر الأحمر تتكشف ثاني نوايا إبراهيم وهي التخلص من حياته كلها بعد شعوره بالفشل في التخلص من الأصوات التي تطارده في الكثير من لحظات السعادة والاستمتاع في حياته كسباحته مع علي أو استسلامه لغواية إحدى الفتيات العابرات على شاطئ أرض القمر.

في مقابل هذه الأزمات الشعرية والوجودية لا نجد لدى علي عمقا مماثلا أو نوايا مستترة أو أسئلة يريد أن يطرحها أو يجيب عليها، بل على العكس ينساق علي وراء علاقة إبراهيم وندى التي تسفر عن اختفائها الغامض على الطريق وبالتالي إنقاذهم من حادث موت محقق في الميكروباص الذي رفض سائقه انتظارهم لحين العثور على ندى. ويستسلم لشعوره بالخوف والخواء والتوتر عندما يتلقى خطاب إبراهيم الذي يبلغه فيه أنه سوف ينتحر لكي يتخلص من الأصوات.

كان إبراهيم هو صاحب الفعل خلال الفصلين الثاني والثالث في الفيلم وعلي مجرد لا بطل يتلقى فقط نتائج أفعال الآخرين.

إن علي يبدو بلا أزمة حقيقية باستثناء غضبه من إطلاق لفظة معزة على ندى، فيما عدا ذلك فلا شئ يشغله حتى نظرة الناس له كعلي معزة، بل إنه يبدو على استعداد لقطع الرحلة والعودة للقاهرة في أي وقت دون تحقيق أي هدف لأنه ببساطة لا يملك هدف سوى أن يريح رأسه لبعض الوقت من إلحاح أمه عليه بالزواج من فتاة حقيقية وليست روحا في جسد معزة.

ومع غياب أزمة علي يغيب جزء كبير من الجانب الشعري في الفيلم، ويبهت أداء على مصيلحي – الحاصل على جائزة أفضل ممثل في مسابقة المهر العربي لمهرجان دبي في دورته الأخيرة- بل إن أحمد مجدي في إطار تقديمه لانهزامية شخصية إبراهيم وخروجه في أضعف حالاته بعد كل نوبة من نوبات الأصوات يبدو أداؤه أكثر توهجا ورهافة خاصة مع تعدد أزمات الشخصية وتراكم طبقات معاناتها التي لا تنتهي.

متى يبدأ الفيلم!   

بالعودة إلى مفتتح حديثنا عن مقولة تاركوفسكي فيما يخص حلول الشعرية في السياق الفيلمي فإننا يمكن أن نقول إن على معزة وإبراهيم من فئة الأفلام التي لا تبدأ- أو لا تتشكل- إلا حين تنتهي المعلومة، أي أن وفرة المعلومات التي قدمها السيناريو والإخراج على حد سواء في محاولة الإجابة على أسئلة الدراما، وإعطاء وجاهة منطقية لحكاية هي أصلا ابنه للعبث والواقعية السحرية، خاصة في الفصلين الثاني والثالث –أي منذ قرر إبراهيم الانتحار ثم مع عودته هو وعلي للقاهرة عقب خبر وفاة جده-.

ملصق فيلم "علي معزة وإبراهيم" من إخراج شريف البنداري

هذه الوفرة المعلوماتية تسببت في فرار الشعر أمام الحدوتة، ويكفي أن نضرب مثلا بمشهد اعتراف إبراهيم لعلي أن الخياط العجوز هو أبوه الذي هجره صغيرا، في حين أن سياق مشهد لقاء الأب كان كافيا على مستوى الشعر والمعلومة في ذات الوقت، ولم نكن في حاجة لتأكيده بمعلومة حوارية مجانية، كأنما ثمة إصرارا على اعتبار المتلقي أقل ذكاء من أن يستشف هذا أو أن الصورة أقل قوة في التعبير.

وحتى حين أقدم الفيلم على متاخمة الفانتازيا حين استطاع إبراهيم السيطرة على الأصوات وتوجيهها للدفاع عن علي –نلاحظ أن إبراهيم هو صاحب الفعل خلال الفصلين الثاني والثالث وعلي مجرد لا بطل يتلقى فقط نتائج أفعال الآخرين- فإن السيناريو يعود ليشرح في المشهد التالي عقب الانتصار على الأشقياء الثلاثة ماهية فعل إبراهيم من وجهة النظر التقنية على لسانه، وذلك لأم علي التي هي بالمناسبة آخر شخص يمكن أن يفهم في طبيعة التقنيات التي استخدمها إبرهيم لتسجيل الأصوات أو إعادة بثها بهذه الصورة الغرائبية في سماء الحي كله !

ولكنها معلومة أخرى اراد السيناريو أن يضعها حواريا على لسان الشخصيات لكي نفهم المزيد دون أن يدري بأنه يخاطر بالشعر لصالح منطقة الحكاية.

تمثال المعزة..

وتبقى مشكلة الفيلم الأساسية في ذروته التي تأتي بصورة مغايرة تماما لكل التمهيد العبثي والشعري الذي قدمه الفصل الأول اعتمادا على دمية الدب المتجول، فشتان بين الجملة الحوارية الرائعة التي يقولها علي للخياط العجوز ملخصا حكاية الدب (أصلي كنت جايب دبوب لندى بس الظابط غزّه) أي طعنه بالسكين شكا فيه، وكأن ما حدث للدب قد حدث لشخصية حقيقية وليست مجرد دمية، وهو منطق علي الشعري في التعامل مع كل ما يخص ندى حيث كل شئ له روح حقيقية تشعر وتتأمل وتتألم.

استسلم الفيلم لغواية المعلومة في مقابل سحرية الشعر وتجاوز بحره لشواطئ الحكايات مهما كانت غرابتها.

وبين الجملة الخاملة المدرسية التي تتبادلها شخصيات المنطقة الشعبية في النهاية عقب سماعهم للأصوات التي أطلقها إبراهيم دفاعا عن علي (ندى جات لي في الحلم وقالت لي كلام)، فما هي علاقة الأصوات بندى! حتى على المستوى الشعري أو الوجودي! وما علاقة سيطرة إبراهيم على الأصوات بعد مواجهته لمخاوفه من عُود جده -وعزفه عليه في مشهد رائع- بفرار ندى من علي ؟ واختفائها! وتحولها إلى أيقونة شعبية تُصنع من أجلها التماثيل ويطلق اسمها على الحارات وتوضع الملصقات التي تبحث عنها!

هنا لا يبدو الربط لا شعريا ولا دراميا، بل هي مزايدة فلسفية بلا طحن حقيقي، وفي سياق تمثيلي ومعلوماتي ركيك وباهت، فليس ثمة من علاقة على سبيل المثال ما بين أزمات شخصيات مثل سائق الميكروباص وخطيبته العاهرة التي استتابها وبين ظهور ندى في أحلامهم لكي تقول لهم (كلاما) لا ندري هل هو حكمة أم نبوءة أم وحي !!

حتى هذه الشخصيات نفسها تبدو شخصيات متصالحة مع كل شئ سواء السائق والعاهرة في علاقتهما الكلاسيكية أو حتى تقبلهما لفكرة أن ندى هي حبيبة علي وليست معزة!

لقد أفسد تمثال المعزة في النهاية جهد الدب المتجول في البداية وأضر كثيرا بالذروة الشعرية المفترضة لهذا النوع من الأفلام. بل إنه لم يمثل أيضا ذروة درامية أو حكائية ذات قيمة، وإذا ما حاولنا ربطه بأغنية البداية مثلما يسهل أن نفعل في الافلام متقنة الحكي والمشاعر فإننا لن نفلح.

إن على معزة وابراهيم تجربة كان من الممكن أن تصبح نموذجا لشعرية شعبوية مبتكرة، بل إنه سوف يظل واحدا من مغامرات العبث واللامعقول الشحيحة في السينما المصرية لكنه أضر نفسه عندما استسلم لغواية المعلومة في مقابل سحرية الشعر وتجاوز بحره لشواطئ الحكايات مهما كانت غرابتها.

 

 

قد ينال إعجابكم