نقد سينمائي

"عندي صورة".. انتصار لجنود السينما المجهولين!

قيس قاسم

فكرة أن يوفر فيلم وثائقي واحد فرصة نادرة لثلاثة أشخاص كي يحققوا فيه ما لم يحققوه في الحياة السينمائية من قبل، فكرة مغوّية، استدرجت المخرج "الشاب" محمد زيدان والممثل الكومبارس "المخضرم" مطاوع عويس ومساعد المخرج "الأزلي" كمال الحمصاني وقادهم للمشاركة في كتابة نص يتأسس وقبل كل شيء على صفاتهم ونعوتهم السينمائية لا على الشخصية، وبهذا يبدون وكأنهم اتفقوا فيما بينهم وقبلوا أن يكون فيلمهم عن السينما والانتصار لها وحدها، لا لذواتهم، بالمعنى المتعارف عليه. وكنتيجة متوقعة لهذا الفكاك لا غرابة في أن يأتي الوثائقي بإطارات مفتوحة تسمح بالتجريب والتسريب وتجاوز القواعد. والكليشيهات المصاحبة لتقديم شخصيات تكميلية في صناعة السينما، كالممثلين الكومبارس أو مساعدي المخرج أو حتى المخرجين في تجاربهم الأولى أحياناً كـ “ضحايا". وهذا ما تجنبه "زيدان" عبر إبعاد صفة "المظلومية" عنهم وتقديمهم كما هم في الواقع؛ محبيّن وعشاق لمهنة قبلوا بأدوارهم فيها دون شعور منهم بالحيف أو الظلم. فمساعد المخرج "الحمصاني" يعي دوره ويفضله في مستوايات معينة على دور "المخرج" الرئيسي لأسباب يوردها على لسانه وبسخرية لاذعة. من بينها؛ تجنب ملاحقة دوائر الضرائب كما تفعل عادة مع المخرجين وشدة الطلب على مهنته الفريدة.

والكومبارس المخضرم "عويس" لم يشعر بالحيّف على زمن قضاه في الظل والظهور الدائم في خلفية المشهد، لأنه ببساطة كان يحب السينما ولا يعرف مثل كل محب درجات التفضيل الجمالي أو المكانة "الاعتبارية" لحبيبته. لأنه كان يحبها كما هي، والمخرج في تجربته الأولى قَبِل بترك مساحات من مسؤوليته لأبطاله الجدد، ليحقق فيلمه الطويل الأول عبرهم، وليتيح لهم فرصة التقدم خطوات أمام الكاميرا للكومبارس وخلفها لمساعد المخرج! تبادل أدوار وانفتاح في سياق رؤية إخراجية تريد تقديم "دروس" خاصة في السينما إلى جمهورها، الذي عرفها من خلال نجومها وأبطالها لا عبر "مكملاتها"، وبهذا المعنى فـ"عندي صورة: -الفيلم رقم 1001 في حياة أقدم كومبارس في العالم- فيلم وثائقي لا يؤطر نفسه كاملاً بحياة "عويس"؛ الكومبارس الذي قضى عقوداً يعمل في ظل السينما، لكنه كان يشعر على الدوام أنه في قلبها، فيلم عن السينما كصناعة وحرفة وعن بشر اشتغلوا فيها وظلوا حتى في سنوات ابتعادهم عنها يكُنون لها حباً جماً. أليس هو في النهاية إذن تحية لتاريخ السينما المصرية؟ نعم، سيكون الجواب إذا تعاملنا مع هذا السؤال شكلياً ومن زاوية تقليدية، لكن وبما أن النص الذي أمامنا لا يرتكن للتقليد ويميل بوضوح للتجريب ومعاندة التسلسل والقواعد فأنه يكون؛ أكثر من تحية لمقاربته ذوات بشرية لا تنفصل تجربتها الشخصية عن مهنتها (السينما) وبالتالي هو ربما أقرب إلى مراجعات للحرفة وعرض مشوق لأبطالها المجهولين وفرصة نادرة لهم ليظهروا بكل جلاء على الشاشة ويروا أنفسهم وسط الأمكنة التي كانوا يشتغلون فيها. 
في فيلمه اختار المخرج المصري أن يكون حضوره من خلال تعليقاته الصوتية ومصاحباً في بعض المشاهد ممثله ومساعده، الذي طلب منه تولي نفس وظيفته السابقة إضافة إلى مهمة اقناع صديق عمره "الكومبارس"؛ العويس بالمشاركة في فيلم عنه، يلعب هو دور البطل لكن بشكل مختلف عن الأدوار التقليدية لأبطال الأفلام الروائية الطويلة التي شارك فيها، لأنه هذه المرة سيكون بطل فيلم "تسجيلي".

نوع فيلمي لم يألفه ودوره فيه بدا له ملتبساً غامضاً، قَبله لشدة قناعته وثقته بمساعد المخرج، الذي هو بدوره أراد لعب دور المخرج الأول مستغلاً رخاوة المخرج "الهاوي" وترك له حرية اختيار الأماكن والحوارات وزوايا التصوير وتشكيل المشاهد، وإذا كانت الحرية مصدر ارتياح لكمال وتحقيق رغبة مبطنة داخله، فأنها بالنسبة لعويس؛ الكومبارس "الأقدم" في العالم، كانت مدعاة لقلق، أضفى بروزه بوضوح صدقية وحيوية على المنجز كله، عكس تعليقات المخرج التي بدت أحياناً توضيحية يراد بها (شفاهاً) تقريب فكرة الفيلم!  المفارقة اللافتة في الشخصيتين ترفعهما عن الذات "الأنا" لصالح العام السينمائي، فتراهما وطيلة الوقت يميلان للحديث عن "المناخ" الجميل الذي كان يحيط بهما وبعملهما وعن زمن كان كل شيء فيه رائع! وكلما حاول زيدان جرهما إلى مواقع الحديث عن السياسة وتحولاتها رجعا إلى عالمهم المحبب الأليف الخالِ من المنعطفات الدراماتيكية إلا في حدود عالم الشهرة والنجومية ومناكفاتها؛ كحب أحد النجوم لممثلة لم تستجب له فراح وتزوج من غيرها، لمجرد تطابق اسم الزوجة مع الحبيبة الغائبة، وقصص قصيرة سريعة أخرى كانت تأتي في سياقها وغالباً ما كانا يضعانها في اطارها المجتمعي وزمانها الواقعي فبالنسبة اليهما كانت السينما هي مصر ومن دونها لا يكتمل معناها، حتى ثورة 1952 لم يتعاطفا معها كما بقية الشعب، لأنهم وجدوا فيها خدشاً للعالم المثالي الذي أحبوه، وممراً لسطوة اللصوص والرعاع!!

ربما لهذا كانت استجابتهم سريعة للمشاركة في فيلم عن السينما، قبل أن يكون عنهما، وبخاصة عن (الكومبارس الأقدم في العالم!). مرافقتهم الطويلة وحرية تحركهم أضفا أبعاداً درامية، تبدو وكأنها لم تكتب على الورق أصلاً، وهذا ليس انتقاصاً من الفيلم بقدر ما هو تشخيص لما شاهدناه أمامنا على الشاشة، وإذا كان يعني شيئاً بالمعنى "الدرامي" فأنه يعني تماسك الفكرة الأساس في ذهن صانعه وقلة اكتراثه بالطريقة التي سيتم بها تحقيقها سينمائياً، وهذا يفسر بدوره تنازله أمام رغبات مساعده في رسم المشاهد وتنفيذها وتركه له مهمة شرح المشهد لممثله الرئيسي وعبره إلى المُشاهد، الذي سيتكشف مقدار معرفته وفهمه لأصول الحرفة والمامه بتفاصيلها الدقيقة، وكأنه بها يحيل مهمة شرح وعرض المهام التكميلية في الصناعة الفيلمية إلى البطل نفسه، محولاً له من ممثل إلى معلم شارح لها، وللحق فقدرة مساعد المخرج التعبيرية ساعدت كثيراً على رفع مستوى الفيلم كما ساعدت بدرجة كبيرة عفوية الكومبارس ودقة نقله التاريخي/ الشخصي المسنود على الصورة بالدرجة الأولى ـ لا على المشاهد المسجلة لوحدها ولا الأحاديث ـ ليشكل ذلك الميل مفارقة ثانية تُلفِت إلى نص سينمائي جيد، نال جائزة أفضل فيلم عربي في الدورة الأولى لمهرجان الجونة السينمائي. 

على الصور  والعنوان متأثر بها أو يريد به لفت الانتباه اليها ـ شُيّد جزء من معمار النص وعلى التعليقات والذاكرة المصاحبة لعرضها صف المونتاج (مي زايد) مشاهده وسلسلها بتوافق رائع، أوقف ما هو منفلت وفاقد لبوصلته. دون شك لكن المونتاج حارساً يقظاً، سرعان ما كان يعيد المبتعد إلى سياقه الدرامي، ومشهد سرد رحلة الكومبارس من مدينته سوهاج إلى القاهرة مثالاً على ذلك التوازن الداخلي الذي كاد أن يضيع في مرات لكنه في النهاية وبسبب طبيعة التشتت المتعمد أكمل مهمته النهائية؛ في رسم مسار حيوات انسانية ساهمت في كتابة فصول من تاريخ السينما المصرية بأسلوب ذكي، مشوق لا يخلو من المجازفة وتجريب طرق توصيل غير معتادة، غير أنها لم تخرج عن سياقها ولم تفقد منطقها السينمائي. فيلم "عندي صورة" أعاد قراءة فصل من تاريخ السينما المصرية وأعاد الأعتبار لإثنين من المساهمين فيها، عبر اتاحته لهما فرصة رؤية أنفسهم على الشاشة كأبطال مجردين من مفاخر البطولة السينمائية، منحازين بالكامل إلى معانيها مثل محاربين يرون انتصار جيشهم أمامهم، فيشعرون بالزهو ووقتها فقط لا يغدو السؤال عن حجم المشاركة له معنى، فهؤلاء وغيرهم من المجهولين عايشوا مرحلة كان الفصل فيها بين حياتين: الواقعية والسينمائية المتخيلة صعباً، ولحرمان صانعه من تلك المعايشة اقترح إعادة تشكيل عوالمها عبرهما ومن خلالهما يمكنه صنع عالم "مواز" كف الكومبارس القديم عن متابعته وظل مساعد المخرج يدركه بوعيه فيما المخرج الشاب يحقق به في النهاية حلم تجسيد عالم، يحبه مثلهم وعليه يمكن التأسيس للقادم! أما بالنسبة لـ "مطاوع عويس" الكومبارس الذي وصف عمله المخرج مرة بـ "الممنوع من الإبداع، التارك المقدمة للبطل" فكلها عبارات لم يعبأ بها ولم يلتفت اليها، لأنه ما زال يعيش مع صوره ومع ماضيه بكل حلاوته وجماله. 

 

 

 

 

قد ينال إعجابكم

حوارات

دراما في شقة "تقسيم"

فيلم نفسي عن المسؤوليات والانتماء، وتأثير الأحداث السياسية والاجتماعية العامة على العلاقات الشخصية...