نقد سينمائي

"غرباء تماما"

 
عبد الكريم قادري
 
من الصعب على المخرج السينمائي أن يُسيّر فترة زمنية تقدر بـ 97 دقيقة، في فضاء مكاني مغلق كلية تقريبا، دون أن يطرح على نفسه سؤالا جوهريا، كيف سيتقبل الجمهور هذا العمل دون أن يشعُر بالملل؟
هو رهان صعب رفعه المخرج الإيطالي باولو جينوفيزي paolo genovese 1966، في فيلمه غرباء تماما Perfect Strangers 2016، الذي دخل به المسابقة الرسمية بـ "مهرجان القاهرة السينمائي الدولي"، في دورته الـ 38 (15 ـ 24 نوفمبر/ تشرين الثاني 2016)، وقد نجح في هذه المُغامرة السينمائية إلى حد ما،  حيث انعكس هذا من خلال التفاعل الإيجابي مع الفيلم داخل قاعة العرض، إذ استعان المخرج بتقلبات الدراما وخصائصها القريبة من الواقع، وخفّة الكوميديا وما تتركه من أثر لطيف، ونسج من خلالهما شبكة من المشاهد التي استحوذت على انفعالات المُتلقّي وحاصرته، وكأنّ المخرج عقد صفقة مع المُتلقّي الافتراضي، كي يستخرج ما فيه من تقلبات النفسية، وتعدد للشخصيات، ثم يُعيد تصديرها له في قوالب جديدة، من هنا، وعندما يتفاعل مع شخصيات الفيلم وكأنما يتفاعل مع شخصياته المتقلبة التي تسكنه، يحزن أو يفرح مع تلك المشاهد التي تسكنه.
 
أنا لا أعرفني/ أنا لا أعرفك
فتّت فيلم "غرباء تماما" النفس البشرية، بعد أن لعب على ثنائية السرّ/العلن، ما الذي حدث، وما الذي سيحدث، أي ماذا لو تدخلت أسئلة "لو" في حياتنا، هل سنفترق؟ هل سيتفهم أحدنا الآخر؟ هل من المفترض أن يكون الإنسان واضحا في كل شيء؟ هل هناك أسرار لا يجب معرفتها؟ هل نكتفي بما هو مُتاح ؟ هي أسئلة وأخرى حضرت بقوة في هذا الفيلم، الذي استحضر النفس البشرية، التي تختبئ في الكثير من الأحيان وتظهر عبر ما تُوفّره التكنولوجيا الحديثة، مثل الإيميلات، مواقع التواصل الاجتماعي، والهواتف الجوالة، التي تكون بمثابة "العلبة السوداء"، تكشف علاقة الأنا بالآخر، وهي الخاصيّة التي اختارها المخرج لتكون محورا لفيلمه، متخذا من "الهاتف الجوال" مطيّة لكشف جوانب من هذه الأسرار والتي إن خرجت للعلن سنصبح من خلالها "غرباء تماما" كما جاء في العنوان، حتى وإن كان أحدنا قريبا من الآخر. قصة الفيلم وحسب ما جاء في الملخص، تتمحور حول "سبعة أصدقاء قدامى، يتناولون العشاء، وعلى سبيل المرح يقررون أن يضعوا الهاتف المحمول الخاص بكل منهم على الطاولة، ويبدءون في قراءة كل الرسائل والمكالمات التي من الممكن أن تصلهم تلك الليلة، حتى يثبتوا أن لا أحد منهم يخفي شيئا، بمزيد من المرح والدراما تنكشف الأسرار، ويجد الأصدقاء أنفسهم غرباء كلية عن بعضهم البعض".
 
 
في هذا الجو من الإثارة توضع الهواتف الجوالة "العُلب السوداء" على الطاولة، حتى تصبح متاحة لكل فرد، أي رسالة تصل يجب أن تقرأ من الجميع، وأي مكالمة أيضا تسمع من الكل، لتبدأ بعدها الأسرار في التكشّف، بين الأزواج، الأبناء والأصدقاء، الكل يعرف الكل، ولا أحد يعرف الآخر، الضيافة عند روكو marco Giallini 1963 الذي يرتاد طبيبة نفسية كي يصحح العلاقة مع زوجته الأخصائية النفسية والتي تريد هي الأخرى إجراء عملية جراحية لتكبير صدرها، تبدأ الرحلة من خلال روكو الذي ترك المائدة بعد أن نادته ابنته، ومن هناك استعمل هاتفها وأرسل رسالة لصديقه كوسيمو Edoardo Leo 1972، توحي بأنها من امرأة اشتاقت جسده، من هنا خلق جوا من التوتر، لكن بعد أن عاد كشف عن نفسه وعن هاتف ابنته الذي أرسل منه الرسالة، فعاد المرح من جديد، تغيرت ملامح زوجته كارلوتا anna foglietta 1979، لتبدأ بعدها المكالمات السرية، من المرأة التي تريد إرسال حموها إلى دار العجزة، من الابنة التي تكلم والدها عن أمها الحقيرة ايفا Kasia Smutniak 1979، وعن صديقهم بابي GiuseppeBattiston 1968 الذي اكتشفوا في تلك الجلسة بأنه شاذ جنسيا، وعن صديقهم الآخر  لولو Valerio Mastandrea 1972، وزوجته بيانكا Alba Rohrwacher 1979.
 
على طاولة العشاء، حدثت الكثير من الأشياء المسلية والمحزنة، عكسها ما يوجد بهواتف الأصدقاء السبعة، من رسائل ومكالمات، جعل الكل يثور ضد الكل، تم اكتشاف خيانة كوسيمو الذي حملت منه امرأة أخرى، وفي نفس الوقت يقيم علاقة مع إيفا زوجة صديق طفولته روكو، والتي أهداها قرطين جميلين، ومن أجمل المقالب التي حدثت في المنزل، تلك التي كان بطلها لولو، حيث لجأ إلى صديقه بابي الذي لا زوجة له، وقال له بأنه سيستقبل صورة لامرأة على الساعة العاشرة ككل يوم، وعليه أن يستبدل هاتفيهما بحكم أنهما من ماركة واحدة، وهكذا تم الأمر فعلا، ليستقبل بابي صورة امرأة عارية، أما لولو فقد وصلته مكالمة من رجل تغزل معه فيها، وقال عنه أشياء لم تحدث أو حدثت مع صديقه، من هنا انكشف أمام امرأته على أنه شاذ جنسيا، لكن العكس هو صحيح، بحكم أنهما استبدلا الهواتف، ناهيك عن المقالب الأخرى التي حدثت، ومن خلالها تفرق الأصدقاء عن بعضهم، وانكشفت الخيانات والأسرار، وترك الأزواج زوجاتهم، والعكس صحيح، المهم أن الكل تفرق عن الكل، من خلال هذه اللعبة التي أصبحت سخيفة، وبعد أن افترق الكل وفي ختام الفيلم تبين بأن الذي حدث لم يحدث، حيث ظهر بأن الذي وقع ما هو إلا تصور لما يمكن حدوثه في حالة تمت هذه اللعبة، وبأن العلاقات سارت بشكل عادي جدا، لأن لا أشياء انكشفت، بقت الخيانات كما هي، والأسرار مكتومة إلى حين، لا فراق، ولا بعاد.
 
 
الإسقاط والأسطرة  
اختار مخرج الفيلم  باولو جينوفيزي ليلة الكسوف كعنصر زماني دارت فيه أحداث الفيلم، مع أنه كان بإمكانه مثلا اختيار ليلة يكون فيه القمر بدرا، لكنه كان أكثر عمقا من هذا، وذهب حيث الكسوف، وهو الوقت الذي يحمل العديد من الدلالات في كل تراث إنساني، و في كل قبيلة أو جيل أو جنس بشري لديه تصور خاص عن هذا الحدث العظيم، لكن الكل يتفق على مبدأ واحد تقريبا، وهو أن الكسوف نذير شؤم، وفأل سيئ، ويوم غضب الآلهة، وفيه تحلّ اللعنات، وتنكشف الأمور، إلى غيرها من الأساطير الأخرى، وهو توظيف وإسقاط جيد من طرف المخرج، كما أنه وظّف الرقم سبعة، بحكم عدد الأصدقاء الذين اجتمعوا حول المائدة، إذ لهذا الرقم رمزية كبيرة في كل ديانات العالم تقريبا، وهو علامة أيضا ليوم الحظ والسعد، وهو الرقم الأكثر شيوعا، في الحياة العادية، القمار، التراث، الأيام، وغيرها من الأساطير.
 
البناء والحبكة 
من الممكن لكل من وقف على الفيلم وشاهده أن يطرح سؤالا جوهريا فور الانتهاء من فعل المُشاهدة الواعية، كيف لكاتب السيناريو أن يلم بهذه التفاصيل الصغيرة في عمليات خلق الشخصيات والتعرف على نفسيات أبطالها دون أن يقع في فخ التكرار أو التشابه، لكن سرعان ما يزول هذا التساؤل بمجرد معرفة بأن الكتابة تمت جماعيا بين خمسة كتاب، من بينهم المخرج نفسه، أما البقية فهم كل من فيليبو بولونيا، باولو كوستيلا، باولا ماميني، رولاندو رافيلو، لهذا جاءت الشخصيات متباعدة في التفكير، ومتقاربة فيما يجمع بينها من المعشر والصداقة، لذا نرى هذا التفاعل من المُتلقي، الذي أحس بكل تفاصيلها الصغيرة التي صنعت شعرية ما.
 
رغم المساحة الضيقة التي جرت فيها الأحداث، غير أن المخرج تغلّب على هذه الجزئية، بفضل القصة القوية والمترابطة، وكثرة الأحداث وتزاحمها، وما فيها من عناصر التوتر العالية، بالإضافة إلى المونتاج السريع والمتوازن، وتنوع الكادر السينمائي، كل هذه المعطيات ساهمت بشكل أو بآخر في خلق مشاهدة بصرية متنوعة، ساهمت بشكل كبير في تعويض الفضاء الخارجي المحدود جدا، وهذا ما كسّر خاصية حصر المتلقي في زاوية ضيقة، وإرغامه فنيا على مشاهدة جميع الأحداث بدون كلل أو ملل.
 
عودة إلى بدء
جاء فيلم "غرباء تماما" لطيفا وعميقا، خاليا من الخطابية والكليشيهات الجاهزة، حيث فتح نافذة شاهدنا من خلالها أسرار النفس البشرية، وما يمكن لها أن تُخبئ، وكأن المخرج يقول بأن لكل إنسان سرّ أو أسرار ما، لا يمكن في حال من الأحوال كشفها آو الاطلاع عليها، لأنه في هذه الحال ستتأذى العلاقات الإنسانية وتتدمّر، وتنقطع جميع الروابط، خصوصا في هذا الزمن التي طغت فيه الآلة، وأصبحت مستودعا للأسرار.
 باولو جينوفيزي مخرج إيطالي استطاع أن يبرز خلال السنوات الـ15 الأخيرة بفضل أعماله التي يقدمها، والتي تحمل في مجملها الحسّ الكوميدي، وقد كرس اسمه كمخرج بعد تطرقه إلى العديد من المواضيع، ومعالجتها بطريقة مبتكرة وغير مكررة، ومن بين أبرز تلك الأعمال "عصابة سانتا كلوز" وغيرها من الأفلام الأخرى التي قاربت في مجملها 10 أفلام، آخرها "غرباء كلية" الذي شارك في العديد من المهرجانات الدولية، وحصل على عدة جوائز من بينها حصوله على جائزة أحسن سيناريو من مهرجان ترابيكا السينمائي.
 
 
  

قد ينال إعجابكم