نقد سينمائي

"غنّيلي".. أغاني للأحزان!

عبد الكريم قادري

لم تعُد الشاعرية حكرا على الأفلام الروائية، بل تعدتها إلى الأفلام الوثائقية، خاصة الحديثة والتجريبية منها، أين بتنا نرى الكثير من هذه الأعمال تعتمد في مجملها على إبراز مقارنات بصرية جمالية، تكون متكئا للمُنتج، ودافعا له لخلق بؤر توتر عالية، وسندا أساسيا لـ"ثيمة" الفيلم، إذ لم يعد مخرج الأفلام الوثائقية يكتفي بمخاطبة العقل وحده، وجد أن هذا لا يكفي، لا يترك الأثر المناسب على المُتلقي/الجمهور، لهذا ذهب إلى ملامسة الأحاسيس وسبر أغوارها، عن طريق القلب وخباياه، ليصبح الفيلم الوثائقي يسير في اتجاهين متوازيين، أحدهما يكمل الآخر ويدعمه، من أجل الوصول إلى التقبل العام، ورضا الجمهور، خدمة للقضية العامة التي سُطّرت كهدف أساسي، واتخذت من الفيلم الوثائقي مطية لتثبيتها وإيصالها.

الغربة داخل الوطن

هي معطيات جمالية وفنية حضرت بقوة في الفيلم الوثائقي "غنّيلي" 2015، للمخرجة العراقية سما وهّام، التي تناولت فيه موضوع الهوية والوطن، بمعناهما المطلق، فتّت مفهوم "الاغتراب"، الذي يتعدد ويتمدد داخل الوطن وخارجه، الغربة بالنسبة للمخرجة سما هي أن يُحس المرء بمرارتها وهو داخل الوطن، أن يُعايش هذا المفهوم ذاتيا، الغربة بالنسبة لها أن يُهمش المرء في دينه واعتقاده، وأن لا يتم تقبله من طرف الآخر، الذي يسعى إلى إلغائه من خارطة الانتماء والتوجه والوطن، أن يرميه خارجا ويأخذ منه حضارته التي صنعها عبر أجيال، أن يلوث الماء الذي يصنع طقوسه.

المخرجة رفقة المصور

"غنّيلي" وحسب ملخص الفيلم هو" قصة بحث عن الهوية، واستجواب لفكرة الوطن، يتناول قضية إحدى الأقليات المهددة في العراق، وهي الطائفة المندائية وفكرة التواصل مع الجذور، "غنيلي" هي قصة شخصية تبحث في تاريخ عائلة لرسم صورة مبسطة عن تاريخ العراق الحديث، عبر طرح شعري تجريبي، الفيلم يجسد رحلة للوصول إلى بغداد، ولوحة من القصص المتداخلة التي تسافر من خسارة إلى خسارة، في وطن مزقته الحروب والمجازر المتواصلة، وطائفة يهددها الشتات، وغربة أصبحت وطنا"..

استطاعت المخرجة سما وهّام من خلال هذا العمل، أن تقدم قراءة جديدة لواقع عراقي مرّ، بعد أن جعلت نفسها طرفا أساسيا في معادلة الفيلم وقضيته، التي عكستها الطائفة المندائية التي تنتمي إليها، تعكس دينها وهويتها وانتماءها للعراق، الذي تعيش خارجه بحكم الظروف القاهرة، هذه الطائفة رغم ما قدمته عبر تاريخها للعراق، من علماء وأدباء وأعلام، غير أنها تعرضت وعبر تاريخها إلى الكثير من المشاكل والتصفيات، من أجل محو هذه الأقلية وسحقها، وقد استعانت سما في هذا الفيلم بصور أرشيفية للعراق والعائلة، مع تقديم شهادات ممن عاشوا فيه وذاقوا مرارته، بسبب الحروب دائما والأنظمة القمعية، إذ تغيّرت الشوارع والمدن والمساكن، ولم يبق من العراق سوى بنايات جديدة وأخرى مدمرة، بلا روح، لأن من صنعوا هذه الروح إما ماتوا أو هاجروا وتركوا هويتهم.

المخرجة سما وهام

الماء وحده من يروي ظمأ قصصهم

جعلت المخرجة من بداية الفيلم آسرة وشاعرية إلى درجة كبيرة، إذ تم تصوير صفحات ماء النهر وتلألؤه، ساعة الغروب، وفي أوقات ووضعيات مختلفة، النهر عبر امتداد البصر، علاقة الإنسان به، تصوير داخل الماء، حيث يتم تثبيت الكاميرا من الأسفل للأعلى، حيث يمكننا مشاهدة طقوس المندائيين وهو يتعاملون مع الماء في النهر، لباسهم الأبيض الناصع، حضر الماء بقوة في هذه المشاهد وفي بقية الفيلم طبعا، لكن عملية ضبط الكادرات التصويرية أكسبها رهبة جمالية، وشعريّة طافحة، قدّمت من خلالها للمتلقي/الجمهور سببا ليبقى ويشاهد كل تفاصيل الفيلم، وجعلته يُقدم عليه بكل ارتياح، وفي نفس الوقت كانت هذه المقدمة بطاقة تعريفية للفيلم من ناحية الـ"ثيمة"، إذ سنعرف فيما بعد لم تمّ التركيز على الماء والنهر، بحكم أن الاغتسال بماء النهر طقس ديني ضروري للطائفة المندائية، ولا بد من حضوره وإجرائه لكل فرد ينتمي لهذه الطائفة، من هنا تكون المخرجة سما وهّام قد تعاملت بذكاء  بهذه المقدمة، خاطبت بها قلب وعقل المتلقي/المشاهد، بعد أن وعدته ضمنيا بتقديم قضية مهمة بطريقة جمالية وفنية.

الاغتسال بماء النهر طقس ديني ضروري للطائفة المندائية

شعرية العنوان

 هذه الشعريّة لم تتخلّ عنها المخرجة حتى في العنوان، الذي جاء هلاميا يطرح أسئلة جمالية واستفهامية، مثل من هو الذي طلبت منه المخرجة أن يغني لها، بحكم أن العنوان هو "غنيلي"، هل هو والدها، أو العراق، ربما الاغتراب، ولما لا يكون نهر العراق الذي تعودت هذه الطائفة وعبر أجيال من الزمن أن يغني لها ولهم أغاني الخلود والحب والأجداد، بمائه الذي فقدوا طعمه ولونه وحيويته، جاء العنوان غنيا بالرموز والعلامات، بحكم أن الغناء يسمعه الحزين والفرح، وهو يُعبر عادة على ما في النفس، ويعكس الحالة الانفعالية للفرد، كان بمقدور المخرجة مثلا آن تضع عنوانا مباشرا لفيلمها، كـ " المندائيون"، آو " المندائيون سؤال الهوية والوطن"، لكنها عناوين مباشرة، تنفر الجمهور، وتجعلهم يظنون بأنهم بصدد مشاهدة عمل، سبق وأن شاهدوا مواضيعه تليفزيونيا، من هنا يبتعدون عنه، لكن المخرجة وبحسها الجمالي، قدمت عنوانا يفتح شهية السؤال، عن الماهيّة، وفلسفة المكان والزمان.

ملصق الفيلم

أشكال السرد/ تنوع الوثيقة

جاءت طريقة سرد قصة الفيلم منتظمة ومتنوعة، ولم ترتكز المخرجة على نمط معين يأسرها في القوالب الكلاسيكية، بل ذهبت في اتجاه التكامل الفني، والبناء وفق أسس سيكولوجية وسيميولوجية، لا تترك الفرصة للمشاهد بأن يملّ، حيث نجد الجدّ في الفيلم يسرد قصة المندائيين والعائلة عن طريق شريط، حيث يتم تصوير عجلة الكاسيت القديمة بصورة كبيرة جدا، ما يخلق نوعا من الحميمية إلى الماضي، ويُولد نوستالجيا المكان والانتماء، بعدها تنتقل إلى المتدخلين، ثم بعض الصور والفيديوهات الأرشيفية، التي تظهر طريقة تعميد المندائيين بماء النهرين، لتعود من جديد إلى الحاضر، وتعيد تصوير هذه الطقوس في الدول الغربية وأنهرها، حيث شتات المندائيين، هذه المقارنة بين الماضي والحاضر، بين الأبيض والأسود والألوان، بين الألم والفرح، خلقت مقاربة جمالية وبصرية بين الضدين، ساعدت المتلقي على فهم القصة وتقبلها جماليا وفكريا، كما كان لتنوع الوثيقة الأثر البالغ في صنع هذه المقارنة، "صور، فيديو، مداخلات، جرائد قديمة، تنوع الفضاءات وتعددها" وكلها معطيات تؤكد بأن آليات الإخراج لدى سما وهّام مؤسسة، ولا تترك شيئا للصدفة، ولم تتورط في الإطناب والحشو، الذي يقتل الفيلم ويخلق تململا واضحا لدى المتلقي، واكتفت بـ39 دقيقة وهي المدة الزمنية للفيلم، قالت من خلالها الكثير والكثير.

لقطات متفرقة من الفيلم

قوة صورة الفيلم وتنوعها ولّدها تنوع كادر الفيلم، أين تم التصوير في العديد من الفضاءات، بكل من الولايات المتحدة الأمريكية، وجارتها كندا، والعراق البلد الأم، إذ كان التعاون مع مدراء تصوير اختلفت مشاربهم وخلفياتهم السينمائية، من بينهم دريد نجم، وأحمد الهلالي الذي صور مشاهد العراق، وحتى المخرجة نفسها كان لها نصيب من التصوير، وبقية الفريق المتمثل في كل من باي روز، هيثم الموسوي، منتظر الشمري، ضياء السعدي، مهند وشاح، كريستي ماكنتاير، وروشان احمد، أما الموسيقى التي رافقت العمل فهي من تأليف الموسيقار العراقي نصير شمة.

سما وهّام مخرجة و منتجة  ومصوّرة سينمائية، حاصلة على شهادة الماجستير في الإخراج من جامعة يورك الكندية في تورنتو،، إذ عملت معيدة جامعية في قسم الإخراج والتصوير، وحازت على العديد من الجوائز العالمية، من خلال  عرض أفلامها في العديد من مهرجانات الكندية والأميركية والأوروبية، أبرزها مهرجان هوت دوكس للأفلام الوثائقية، وكانت الحصيلة  12 جائزة.
ورشحت سما وهّام  في العام 2014 لجائزة أفضل مدير تصوير في حفل توزيع جوائز نقابة السينمائيين الكنديين عن فيلمها القصير ‘منحدر’ الذي عرض في مهرجان بغداد 2014.

 

قد ينال إعجابكم