نقد سينمائي

"فليساعدني الرب" صدمة الحقيقة

أمير العمري

بطلة هذا الفيلم ومحوره الرئيسي قاضية بلجيكية هي قاضية التحقيق آن غرويه Anne Gruwez التي اشتهرت في بلجيكا بالخروج عن السائد والمألوف في عملها

قبل ظهور ما يعرف بـ"برامج تليفزيون الواقع"، كان هناك رجلان في بلجيكا صنعا ثورة في عالم الفيلم التسجيلي من خلال سلسلة برامج "ستريب تيس" أي "تعري" التي استمرت لمدة عشرين عاما بدءا من عام 1985، وكانت تقدم صورا صادمة من الحياة اليومية من خلال التصوير المباشر. كان الأمر شبيها بما عرف في الستينيات بـ"سينما الحقيقة"، لكن لم يكن الهدف سياسيا أو مدفوعا بدوافع أيديولوجية، بل تقديم صور مباشرة فيها من الطرافة بقدر ما فيها من الغرابة والطزاجة لما يجري في المجتمع. كان يقف وراء إنتاج واخراج هذه السلسلة الثنائي جان ليبو وإيف إينان.

هذا الثنائي الذي قدم واحدا من أكثر البرامج التسجيلية شعبية في تاريخ التليفزيون البلجيكي يعودان اليوم ولكن بفيلم تسجيلي طويل مصنوع على غرار السلسلة القديمة ولكن من خلال موضوع أكثر غرابة وتحقيقا للصدمة. هذا الفيلم هو "فليساعدني الله" And Help Me God أو "فليساعدني الرب"، وهو تعبير يختتم به من يقسمون يمين الإخلاص في أداء الخدمة العامة خاصة من القضاة والمحلفين. وليس غريبا بالتالي أن تكون بطلة هذا الفيلم ومحوره الرئيسي قاضية بلجيكية هي قاضية التحقيق آن غرويه Anne Gruwez التي اشتهرت في بلجيكا بالخروج عن السائد والمألوف في عملها، وأصبحت من أكثر الشخصيات العامة إثارة للجدل. فهي تخلط بين الشخصي والعام، لا تمانع من التدخل في أدق الأمور الشخصية عند من تتولى التحقيق معهم، ليس دائما بغرض الوصول إلى الحقيقة في سياق القضية أو الحالة الجنائية التي تنظرها، بل بغرض إرضاء نزعة أصيلة لديها من حب الاستطلاع والاطلاع على ما خفي من جوانب طريفة في المجتمع وراء الأسوار وداخل العائلات خاصة في المجتمع البلجيكي المتعدد الثقافات والأعراق والذي يتضمن نسبة مرتفعة من المهاجرين القادمين من شمال إفريقيا، ولا مانع أيضا من أن تبدي القاضية رأيها أحيانا فيما تسمعه، بل وتوبخ أيضا من يجلس أمامها توبيخا شديدا أحيانأ، أو توجه له لوما شديدا وكأنها تلقي عليه محاضرة في الأخلاق، وقد تهدده أيضا باستخدام القوة لإرغامه مثلا على الامتثال ولكن في هدوء وبطريقة غير مباشرة، ودون أن تتجاوز حدود القانون.

هذا الفيلم الطويل (100 دقيقة) يصور ما يدور وراء الكواليس- لا أمام المحكمة- أثناء قيام آن غرويه بالتحقيق مع الخارجين على القانون داخل مكتبها، كما نراها أثناء عملها في الميدان، أي في مسرح الجريمة، تنقب وتسأل وتبحث وتحاول العثور على أدلة تدعم الدعوى الجنائية. ولاشك أن قبول هذه الشخصية الظهور في الفيلم هذا والسماح لطاقم الفيلم بالتصوير المباشر لما يجري بل وتصوير الأشخاص الذين يخضعون للاستجواب فيه قدر كبير من الجرأة بل المجازفة.

الفيلم مصنوع من وجهة نظر محايدة تماما، حيث يصبح دور الكاميرا دور المراقب من مسافة ما، واللقطات في معظمها متوسطة وقريبة،

إننا نراها وهي تعيد فتح التحقيق في قضية مقتل عاهرتين، وكيف تقضي بفتح قبر أحد المشتبه بهم في ارتكاب تلك الجريمة، لأخذ عينات من جسمه تساعد في الحصول على مادة الحامض النووي وتحليله لمضاهاته مع ما وجد في مسرح الجريمة التي يتردد حسب شهادات البعض أنها وقعت بدوافع الانتقام. وأمام الكاميرا مباشرة في مشهد مفزع، يقوم الرجال بفتح القبر وإخراج الجثة وانتزاع بعض الأسنان والأجزاء منها قبل إعادتها إلى القبر في وجود القاضية التي لا تضطرب ولا تشعر بأي غضاضة. والطريف أيضا أننا نراها وهي تطالع ملفات من الصور البشعة لضحايا القتل مع مساعدتها، تتناول الطعام بتلذذ وتتصرف كما لو كانت تستمتع بما تفعله.

إنها أيضا تتدخل في سياق التحقيق وتخرج عن الموضوع الأساسي لكي توجه أسئلة أو تعليقات مثيرة للاستغراب كما يحدث وهي تستجوب امرأة قوادة، تروي لها الكثير من الأسرار عما يحدث داخل بيت الدعارة الذي تديره، تحدثها عما يرغب فيه الرجال الذين يترددون على هذا البيت، من أشياء غريبة تمنحهم اللذة الجنسية بعيدا عن أساليب الجنس الطبيعي. وتتطرق المرأة في روايتها إلى عشرات التفاصيل بينما لا تكف القاضية عن إبداء الاهتمام الشديد وتوجيه الكثير من الأسئلة الفضولية التي لا علاقة لها بالطبع بالتحقيق، كما تبدي الكثير من الدهشة الطفولية أحيانا مما تسمعه من تفاصيل مثيرة تبدو مستمتعة بالإنصات إليها، وهي تدون على جهاز الكومبيوتر شهادة السيدة ثم تحيلها إلى القضاء وبعد أن تغادر المرأة المكتب تقول لمساعدتها إنها معجبة كثيرا بها وترى أنها ذكية وجيدة وأنها تقدم أيضا عملا جيدا، كما تبدي تعاطفها مع الفتيات اللاتي يعملن في هذا المجال (الصعب) وتقول إنهن يقدمن خدمة مقابل المال مثل أي عمل آخر!

هل يعتبر هذا التعليق مرتبا من قبل مع مخرجي الفيلم، وهل هذا الأسلوب الاستفزازي الذي يصل إلى الضغط الشديد على المتهم بحيث لا يجد المحامي أو المحامية التي تصحبه شيئا تعترض به على ما تقرره القاضية، هو أسلوب متفق عليه أم أنه بالفعل صادر بتلقائية من جانب هذه القاضية، وهل كانت صراحتها سببا في وقوعها في بعض المشاكل؟ الفيلم بالطبع لا يجيب عن مثل هذه التساؤلات، فهو مصنوع من وجهة نظر محايدة تماما، حيث يصبح دور الكاميرا دور المراقب من مسافة ما، واللقطات في معظمها متوسطة وقريبة، ولكن من دون أي تدخل من خارج الكادر من جانب المخرج ومن دون تعليق صوتي أو شرح مكتوب، فشريط الصوت المكون من تلك الحوارات بين القاضية ومساعديها من جهة وبينها وبين الذين تحقق معهم، يظل هو الأساس الوحيد الذي نعتمد عليه كمشاهدين للفيلم في تأمل ما يعرضه من أجواء وشخصيات، وبقدر غرابة الشخصيات التي تقابلها القاضية أثناء عملها، بقدر ما يكشف الفيلم عن تطرف شخصية القاضية وغرابتها أيضا، ولكن الغريب كما أشرت- هو أن تقبل بمنتهى الشجاعة التصوير المباشر دون أي اعتراض، وتحافظ على تلقائيتها طوال الوقت، علما بان تصوير الفيلم استغرق أكثر من عامين.

الفيلم صادم وغير معتاد، سواء في تفاصيله أو في اختراقه خصوصية الكثير من الشخصيات

في أحد مشاهد الفيلم تستجوب القاضية رجلا ضبط على الكاميرا وهو يسرق رجلا كان يسحب نقودا من إحدى ماكينات الصرف خارج أحد البنوك، وهي تأخذ في توبيخه على ما فعله بينما يصر هو على كونه بريئا، ويدعي أنه يعاني من المرض، ثم تستجوب رجلا متهما في جريمة قتل وتطالبه بضرورة الامتثال للحصول منه على عينة من الحامض النووي لكنه يراوغ بدعوى أن هذا ليس قانونيا، وتخبره هي بمنتهى البرود أنها يمكن أن تستدعي الحراس لإرغامه على أن يفتح فمه للحصول على العينة المطلوبة. وفي مشهد آخر تستجوب أسرة مكونة من الأم والابنة والابن، من المغاربة المقيمين في بلجيكا، والرجل متهم بارتكاب جريمة ما وقد سبق سجنه ثم عاد مؤخرا لارتكاب جريمة جديدة. لكنها لا تكتفي بأسئلة محددة حول الجريمة بل توجه الكثير من الأسئلة عن الظروف الاجتماعية والحياتية للرجل والعائلة أيضا فهي تتوجه بأسئلتها أيضا إلى أمه وشقيقته، كما لو كانتا قد أصبحتا شريكتين في الجريمة. وهي تصر على إرسال شاب آخر إلى السجن بينما يدعي أنه برئ وأنها بذلك ستقضي على مستقبله، ويكرر رغبته في مغادرة بلجيكا إلى إسبانيا حيث تنتظره أسرته هناك كما يزعم، ومع إصرارها يتوقف بعد أن أصبح مقيد اليدين قبل أن يغادر مكتبها ويقول لها مكررا قوله مرات عدة، إنه قضى من قبل عشر سنوات في السجن، ولكنه سيخرج في المرة القادمة لكي يذهب مباشرة إلى سورية وينضم إلى داعش. وهو يقسم على ذلك عدة مرات.  

 وفي أحد المشاهد الطويلة تستجوب آن غرويه وتسجل ما ترويه لها سيدة قتلت طفلها الرضيع اعتقادا منها بأنه "ابن الشيطان"، وتصف لها كيف أنها رأت في أحلامها كثيرا أن الشيطان ضاجعها وأنها حملت منه، وكانت ترى طفلها بعد ذلك وشكله يتغير، ذراعاه يتمددان ويتضخمان بطريقة غريبة، ويصبح وجهه مفزعا ولونه أزرق، وتصف بالتفصيل كيف قتلته، في البداية حاولت خنقه دون جدوى ثم حملته إلى المطبخ حيث تناولت سكينا كبيرا وطعنته في رقبته، فتدفق الدم الأسود بغزارة.. وتردد في صوت رتيب ونظرات تائهة، إنها على قناعة بأنها قامت بعمل جليل من أجل الإنسانية بقتل طفلها لأنه ابن الشيطان الذي كان سيحمل الشر إلى العالم. إنها قصة شبيهة بقصص أفلام الإثارة تبدو كما لو كانت مستمدة من فيلم "طفل روزماري" لبولانسكي. والطريف أن القاضية تنصت وتتفاعل مع الرواية التي تسمعها دون أي اعتراض، بل تبدو أحيانا وكأنها تفسر وتكمل وتشرح ما تريد السيدة قوله، وتجيبها بأنها تفهم تماما ما تقصده، فهي تستمتع بالقصة.

لاشك في جرأة هذا الفيلم وتميزه، ولكن يجب أن يتمتع المشاهد ببعض الصبر أمام الكثير من المشاهد الطويلة المرهقة التي تعتمد بشكل كبير على الحوار

الفيلم صادم وغير معتاد، سواء في تفاصيله أو في اختراقه خصوصية الكثير من الشخصيات التي يتم التحقيق معها والتي لا يتطلع أحد منها إلى الكاميرا كما لو كانت الكاميرا سرية أو غير موجودة، هنا يمكن التساؤل عن مدى قانونية الحصول بالصوت والصورة على مثل هذه التفاصيل الشخصية التي تعتبر في بلدان أخرى انتهاكا لخصوصية من يتم التحقيق معهم.

القاضية آن غرويه تتصرف كصاحبة سلطة، وفي الوقت نفسه، كسيدة عادية لا تختلف عن غيرها أي كامرأة عادية، بل إنها تمرح وتمزح وتعلق وتكشف أيضا عن مشاعرها الشخصية وعن سلاطة لسانها أحيانا، وتبدو شديدة الاعتزاز بذاتها، وعندما يحاول طاقم تليفزيوني الحديث معها في أحد المواقع الخارجية وهي بصدد زيارة مكان ارتكاب جريمة ما، تبتسم ويتألق وجهها كما لو كانت تشتهي الظهور الإعلامي، لكنها تتذكر أنه غير مسموح لها كقاضية بالحديث إلى الإعلام فتعتذر. لكنها رغم ذلك تكشف الكثير في هذا الفيلم، عما يدور من وراء الكواليس من تفاصيل عملها وأسلوبها في التعامل مع الآخرين بل ولا تخفي أيضا نظرتها العنصرية إزاء من تستجوبهم من الأجانب أو تحديدا من العرب والمسلمين، رغم أنها تتستر وتتذرع بالمزاح. لاشك في جرأة هذا الفيلم وتميزه، ولكن يجب أن يتمتع المشاهد ببعض الصبر أمام الكثير من المشاهد الطويلة المرهقة التي تعتمد بشكل كبير على الحوار، رغم محاولة المخرجين الانتقال أحيانا إلى الشوارع وتقديم صورة لمدينة بروكسل في النهار والليل.

يعرض هذا الفيلم في الدورة الـ61 من مهرجان لندن السينمائي.

قد ينال إعجابكم