نقد سينمائي

فنادق على خطّ النار

محمد موسى

"مايفلاور" و "كمودور" في بيروت، "الرشيد" في بغداد، "الديرة" في غزة، "هوليداي إن" في سراييفو، "الحياة" في بلغراد، "أوكرانيا" في كييف. هذه بعض الفنادق التي تحولّت بسبب تمركز الصحفيين الأجانب فيها أثناء الحروب التي عصفت بتلك المدن، إلى تذكارات دائمة لأزمان عنيفة، عندما اقترب الموت كثيراً من عدسات الصحافة، حتى بدت الفنادق تلك وكأنها هي نفسها على خطوط الجبهات الأمامية، وتحولّت نوافذ بعضها إلى الإطلالة الوحيدة للإعلام وقتها على ما يجري خارج الفنادق. يُقَلِب الفيلم التسجيلي "هوتيل ميشين" (Hotel Machine) للمخرج الفرنسي إيمانويل ليشا، والذي عُرض أخيراً  في مهرجان سينما الحقيقة في فرنسا، في ذكريات الحروب التي عاصرتها بعض من الفنادق المذكورة، ويبحث في "أوقات السلام" عن أشباح الذين عبروا تلك الأمكنة، ويستعيد بعضاً من لحظاتها الفارقة.

في مونتاج موازي، يفتتح الفيلم زمنه بمشاهد متميزة للحياة اليومية لبعض فنادق الحروب التي زارها، فيصوِّر عاملات وعمال ينظفون مرايا تلك الفنادق. ويدخلون إلى الغرف التي استعادت وظيفتها الأصلية كنزل للمسافرين. لا يستعجل الفيلم الوصول إلى ثيمة الحرب، ولا يغرق المخرج عمله بالمشاهد الأرشيفية، ويترك كاميراه تتنقل دون شروحات بين الفنادق الشهيرة، فيصور مشهداً لعامل الاستقبال في فندق "الديرة" في غزة" وهو يرد بالإنكليزية على تساؤلات زبون بشأن إجراءات الأمن في الفندق، ثم يعقبه بمشهد لبهو فندق في العاصمة الأوكرانية كييف، يعبره بشر مختلفون، قبل أن ينتقل إلى شرفة فندق "مايفلاور" في بيروت، ليصوِّر من هناك الحياة اليومية في مدينة بدت حينها تستيقظ على مهل، لتستقبل صباحاً جديداً.

وحتى عندما بدأ الفيلم باستعادة ذكريات الحروب التي كانت الفنادق شاهدة عليها، ابتعد عن المقاربات الشائعة، والمقابلات المباشرة، واتجّه إلى تسجيل الحياة اليومية في هذه الفنادق، متذكراُ بين الحين والآخر مع العاملين فيها ما مرَّ عليهم وعلى مكان عملهم. كالمشهد الذي يصوِّر عاملين فلسطينيين وهما يتذكران إحدى حروب مدينة غزة العديدة، وكيف طبخا السمك للإعلاميين الأجانب وقتها، والمشهد الآخر الذي تروي فيه عاملة صربية في منتصف العمر ذكريات الحرب لزميلتها الشابة التي لم تكن تعمل في الفندق حينها. أو ذلك الذي يستعيد فيه موظف صربي في قاعة الاجتماعات في الفندق، قائمة الذين حضروا في أحد المؤتمرات الصحفية في القاعة ذاتها. "هنا جلست كريستيان آمانبور"، يشير الموظف إلى زاوية في القاعة، حيث جلست مراسلة قناة "سي.إن.إن" المعروفة.

بدا الفيلم مأخوذاً بعلاقة الصحافيين بالحروب الحديثة، وأسباب تجمعهم أحياناً في أمكنة معدودة أثناء تغطياتهم لتلك النزاعات المسلحة العنيفة. يغوص الفيلم عبر شهادات إعلاميين وعاملين في تلك الفنادق في الظاهرة العامة ويحللها نفسياً، إذ أن تجمعات الإعلاميين في فنادق معينة، يغدو أحياناً الوسيلة الوحيدة للنجاة، وأحياناً أخرى يتحول إلى أسلوب حياة والنافذة الوحيدة لهؤلاء لإدامة علاقاتهم الاجتماعية مع العالم الخارجي. تتشكل بين أوساط الصحفيين علاقات عميقة أثناء عملهم في تغطية الحروب، ويتحول الفندق إلى عالم خاص للإعلاميين، أدمن الكثير منهم عملهم المتطلب، ولم يعودوا قادرين على إقامة علاقات سوية خارجه. تقدم مراسلة بريطانية تكره هذه التجمعات شهادة صادمة، تنتقص فيها من قيمة عمل زملاء لها، من الذين اختاروا أن يتحصنوا بفنادق محميّة، ولم يعايشوا بقدر كافي ما يحدث في الخارج.

لن تكون استعادة الأداء الإعلامي في الحروب المعاصرة كاملة، دون المرور على وظيفة "المنسق" (Fixer) التي خلقتها الحاجة إلى أشخاص من المدن نفسها لمساعدة الصحفيين الغرباء. يعثر الفيلم التسجيلي على منسقين من جنسيات مختلفة ويتركهم يقدمون شهادتهم عن عملهم الذي يتلخص بتسهيل الأمور للصحفيين الأجانب، وترتيب مقابلات لهم مع شخصيات نافذة أو مواطنين عاديين، وتأمين حماية هؤلاء الصحافيين في جولاتهم الخارجية. يقلب أحد المنسقين في الفيلم البطاقات الصحافية الخاصة للذين عملوا معه، وتلتقط كاميرا الفيلم شعارات مؤسسات إعلامية غربية شهيرة. فيما تختزن نظرات ذلك المنسق، ماضياً عنيفاً كان شاهداً عليه.

وإذ بدا أحياناً أن البورتريه الذي رسمه الفيلم التسجيلي هذا لصحفيّ الحروب، تشوبه العدائية والنقد، إلا أن الفيلم يعود ويوازن ذلك، عندما يمرّ في ربعه الأخير على تجارب خاصة تكشف عن إنسانية طافحة للكثير من هؤلاء الصحفيين في أوقات عصيبة من عملهم، وعندما وصلت الحرب فعلياً إلى باحات الفنادق، التي كانت تستقبل أحياناً جرحى مدنيين من العنف المسلح الذي كان يجري في الخارج. ينقل الفيلم شهادات وصور أرشيفية لصحفيين أجانب وهم يتحولون إلى مسعفين، في لحظات زالت فيها الفوارق بين الأجنبي وابن البلد، ولم يُكترث فيها للقوانين الإعلامية المهنية التي تؤكد على ضرورة إبقاء مسافة عاطفية بين الصحفي والأحداث الخارجية التي يغطيها.

تجتهد الكثير من الأفلام التسجيلية في مقاومة إغراء سهولة المقابلة التقليدية وأهميتها، والبحث عن مقاربات جديدة تتخلص من جمود الحديث المباشر للكاميرا. في هذا الاتجاه، يذهب فيلم "هوتيل ميشين" إلى حدود بعيدة في سعيه للتخلص من ثقل المقابلات المباشرة. فيقدم هذه الأخيرة في الشاشات الصغيرة للمواقع التي صور فيها. فتنقل شاشة الهاتف الذكي الذي يحمله أحد "المنسقين" الذين تحدثوا للفيلم، مقابلة مع صحافية بريطانية، وسيتحول تلفزيون غرفة الفندق الأوكراني إلى شاشة تنقل مشاهد أرشيفية لما حدث أثناء الثورة هناك. هذه المقاربة المبتكرة في التعامل مع الجزء الأرشيفي من الفيلم، وعندما توضع إلى جانب مشهدياته الفنية الجميلة التي بحثت في صور الفنادق عن جمال اليومي الذي تثقله ذكريات الماضي، تضيف إلى أهمية هذا الفيلم قيمة تأسيسية ما.

قد ينال إعجابكم