نقد سينمائي

"فوضوي أمريكي" يتصفح كتابه المَلعون!

قيس قاسم

في نهاية الستينيات من القرن الماضي كتب شاب أمريكي يدعى "وليم باول" وهو في سن التاسعة عشر من العمر كتاباً بعنوان؛ "أناركيست كوكبوك" عبر فيه عن غضبه من حكومة بلاده وسخطه على حربها في فيتنام وموقفه النابذ للتمييز العرقي ومن وجود الفوارق الطبقية الحادة في المجتمع الأمريكي، وضَمَن فصولا منه طرق زراعة المخدرات وصناعة القنابل والمتفجرات منزلياً ولم يخطر على باله أن كتابه، الذي طبع منه قرابة مليوني نسخة، سيصبح مرجعاً ودليلاً لدعاة العنف في حسم خلافاتهم وصراعاتهم السياسية وسبباً غير مباشر أيضاً في ارتكاب مجازر ضد مدنيين اعتمد منفذوها على وصفاته في صنع أسلحتهم وقنابلهم، ولم تتوقف لعنة الكتاب بعد مرور أكثر من أربعة عقود على صدوره فقد ظل يُطبع ويُوزع عبر مواقع الإنترنت ما أبقى الأسئلة المشروعة حول خطورته وموقف صاحبه منه بعد هجره السياسة وتفرغه للتعليم ولشؤون عائلته، قائمة، انتبه إلى أهمية توثيقها سينمائياً المخرج "تشارلي سيسكل" فشرع في فيلمه American Anarchist

في التنقيب عن تاريخ الكتاب وظروف كتابته واقترح أن يتضمن مشروعه مقاربة جدية لموضوع شائك يتعلق ب"الفكرة المجردة" وتطبيقاتها وحجم مسؤولية مُطلقها حين تكون "سبباً" لأفعال شنيعة؟.

"الفوضوي الأمريكي" هيكله السردي مبني على حوارات مباشرة جرت بين المخرج ومؤلف الكتاب قبل عام واحد من وفاته، تم تسجيلها في بيته الواقع في إحدى القرى الفرنسية الهادئة فالرجل ترك بلاده منذ عقود ويكره العودة إليها وحتى إلى وطنه الثاني بريطانيا، التي عاش سنوات طفولته فيها وعن هذا الموضوع تحدث كثيراً وأحال بعض مواقفه وتصوراته عن العالم إليها. التصعيد الدرامي للمتن الحكائي للفيلم أريد له أن يأتي من خلال رفع مستوى الأسئلة المطروحه عليه ـ وبعض منها على زوجته ـ ومن مقدار "جرعاتها" التصعيدية.

المخرج "تشارلي سيسكل" بنى هيكل فيلمه على حوارات مباشرة جرت بين المخرج ومؤلف الكتاب قبل عام واحد من وفاته

كان واضحاً طيلة زمن الفيلم موقف مخرجه من "المُستجوب" فهو لم يرغب وليس له الحق أصلاً في محاكمته على ما فعله كتابه، بل أراد مساعدته على مكاشفة ذاته وإعلان موقفه من فعل مرت عليه عقود وتشكلت خلالها مسافة فاصلة بينه وبين منجزه تمكنه من إبداء رأيه فيه بهدوء والغريب أن "وليم باول" بدا خلالها كمن كان في انتظار شخص ما يطلب منه ذلك، لأنه وطيلة المقابلات لم يَخفِ حيرته من مآلات كتابة لم يعِ خطورتها حين كان شاباً يافعاً وفي سنوات النضج صار صعباً عليه التنصل منه بالكامل وهنا تكمن عقدة الفيلم وروعته! تكمن في قدرة صاحبه على أخذنا في مسارات شخصية وعامة شديدة الصلة بواحد من أخطر موضوعات عصرنا؛ العنف ومبررات اللجوء اليه، عندما يعجز "المُضطَهد" عن مجابهة "المُضطِهد" بطرق سلمية وهل يحق له بعد إدراك عبثية السير في ذلك الطريق من السكوت وعدم إعلان موقف نقدي منه؟!.

للتأسيس على دوافع الكتابة يجمع الوثائقي مجموعة الأسئلة الافتتاحية الموجهة لمؤلفه مع الخامات البصرية الموثقة للمخاض السياسي الكبير في ستينيات الولايات المتحدة؛ حيث حرب فيتنام وارتفاع موجات معارضتها في الشارع والمواقف الرافضة لسياسة التمييز ضد السود ولاعدالة سياسات حكوماتها الاجتماعية والاقتصادية ومجابهة المعارضين لها بقوة أجهزة الشرطة. تجربة الشاب "باول" وخيبة أمله في توصيل صوته سلمياً دفعته للكتابة بغضب والذهاب إلى أبعد مدى في كراهيته لحكومة الرئيس "نيكسون" فراح ودون اطلاع أحد يُسطر أفكاره في مؤَلف أنجزه خلال أربعة أشهر معتمداً في الفصول الخاصة بطرق صناعة الأسلحة والقنابل منزلياً على مصادر عسكرية متوفرة في المكتبات العامة!. خرج الكتاب عام 1970 وتضمن تنبيها لصغار السن والقاصرين عن الإدراك من خطورة الإقدام على تطبيق محتوياته!.

تضمن الكتاب طرق زراعة المخدرات وصناعة القنابل والمتفجرات منزلياً وطبع منه قرابة مليوني نسخة، وأصبح مرجعاً ودليلاً لدعاة العنف في حسم خلافاتهم وصراعاتهم السياسية.

لكن الكتاب انتشر وبدلاً من أن يكون مرجعاً "للفوضويين الثوريين" فحسب استغله آخرون لينفذوا مخططات ومجازر مختلفة الدوافع. ستوقظ مجزرة ثانوية "كولومباين" عام 1990 وراح ضحيتها عشرات الطلبة الأبرياء موضوع الكتاب بقوة بعد عثور رجال الشرطة على نسخة منه في بيت الجاني وسيُعاد تأكيدها في فيلم المخرج "مايكل مور" عن نفس الحدث. سيلح صانع الوثائقي في عرض أمثلة إضافية كثيرة أمام محدثه تؤكد اعتماد منفذي هجمات مسلحة في الولايات المتحدة الأمريكية وخارجها وطيلة سنوات على كتابه ولتعزيز القوة البصرية لفيلمه كان يربط الأسئلة بأحداث مسجلة على أشرطة فيديو تقوي من حججه لكنها لا تذهب إلى حد حصره في الزاوية لأنه كان يريد الاستماع إلى رأي صانع "رأي" عام أدرك كما تجلي تعابير وجهه في اللقطات المقربة عن نفوره مما أفضت إليه مسيرة كتابه، لكنه في الوقت نفسه كان يقول كلاماً يثير معه جدلاً حول حجم مشاركة منظر العنف في الجرائم المرتكبة من قبل المقتنعين بصحة أفكاره ويشبه دوره مثل دور عمال مصانع الأسلحة؛ فهل هم مسؤولون عما ترتكب بها من جرائم؟.

منطق عقلاني يشترط كما يلح المخرج "تشارلي سيسكل" تسجيل موقف مقابل له يتنصل خلاله من طريقة استغلاله وذلك بوقف طباعته. سيأخذ ذلك الجدل مساحته وسيظهر ندم المؤلف ومحاولته عدة مرات دعوة الجمهور ومواقع إنترنت مثل "أمازون" لوقف توزيعه إلى جانب كتابته مقالاً صحفياً يدعو فيه إلى الكف عن استخدام محتوياته لأغراض لا تتوافق مع المباديء التي تضمنها والتي كانت تدعو في وقتها إلى مجابهة عنف الدولة بالعنف ولكنه اليوم تراجع عن تلك الدعوات وآمن بخذلان نجاعة أسلوبها!. لقد جلب الكتاب له المشاكل وفي الوقت نفسه يصعب عليه التنصل منه لهذا يحاول نسيانه ولا يخفي ندمه على ما آلت إليه مضامينه من قناعات قوية بالأسلوب العنفي للاحتجاج وجدواه. لا يترك وثائقي مهم يعرف صانعه ماذا يريد منه الجانب الشخصي من حكاية بطله. فيرجع معه إلى طفولته وعرض العوامل التي ساعدت على تشكيل وعيه الرافض. واحدة من أسوأ تجارب طفولته تتمثل بإدخال والده له مدارس بريطانيا عالية المستوى كونه كان يشغل منصب المتحدث الرسمي باسم رئيس منظمة الأمم المتحدة.

لم تتوقف لعنة الكتاب بعد مرور أكثر من أربعة عقود على صدوره فقد ظل يُطبع ويُوزع عبر مواقع الإنترنت ما أبقى الأسئلة المشروعة حول خطورته.

كانت مدارس بريطانيا في الخمسينيات مشحونة بالعنف وعادية لجوء أساتذتها لمعاقبة طلبتهم جسديا ونفسياً. ترك الطالب الأمريكي المولد المدرسة وعاد إلى نيويورك وهناك وفي سنوات مراهقته زجته الظروف في معمعان الأحداث الثورية المعارضة للحكومة الأمريكية. سيعلن الصبي الناقم كراهيته العيش في البلدين ويمضي قرابة أربعة عقود بعيداً عنهما، يجد في العالم الآخر راحته وهو يمارس مهنته كمعلم للطلبة من ذوي الاحتياجات الخاصة يقدم المساعدات لبلدان فقيرة ورغم ذلك واجهه تاريخه وكتابه الملعون هناك وأعاق لمرات كثيرة مسيرته التعليمية.

فمن المفارقات الحادة أن يكون مؤلف كتاب العنف مدرساً تربوياً وموجها للطلبة!. للتاريخ منطقه وعليه أن يتفهم ذلك وبالفعل كان هو متفهما له لكنه كان بحاجة لمن يدفعه لعمل شيء يوقف نزفه. ساعدت الحوارات على بلورة الجانب النادم فيه وقللت من حجم مصداته التبريرية بل يبدو ومع الوقت أنه قد أزاحها جانباً، فبدا على استعداد لعمل المزيد من أجل الحد من انتشار الكتاب اللعنة. لا ينتهي الوثائقي نهاية واعدة غير أنه يفلح في فتح نافذة للندم ويضع مرآة كبيرة أمام رجل بلغ الستينيات من العمر نضج ويريد نسيان ماض لا يكف عن مهاجمته وباسم كتابه ارتكبت جرائم ليس من السهل عليه تجاهلها فمنذ أن نشر الكتاب صار كل ما فيه ملكاً للعامة ووجب على صاحبه وضع حد لأضراره. سيواجه في خضم إجاباته وحوارته مشكلة حق الملكية التي قدمها للناشر وأصبح بموجبها عاجزاً عن التحرك بحرية لكنه لا يغلق النوافذ تهرباً بل يقبل المضي في البحث عن حلول تخفف من ندمه وشعوره بالمشاركة في أفعال يرفضها اليوم ويدعو إلى عكسها فيما الوثائقي أراد وقبل كل شيء عرض الكتاب بوصفه مصدراً لسجال لم يتوقف حول فهم التاريخ والشخصيات الصانعة لمقاطع منه وحرصه توافقاً مع طبيعته السينمائية على توثيق التحولات والتغيرات الإنسانية.

فالكتاب قد تم طبعه وما زال ينشر دون إرادة صاحبه لكن ندمه على الفعل المؤدي للأذى يعكس شعوراً عالياً عنده بالمسؤولية والحرص على تجنب تبعات لم ينتبه الثوري الفوضوي فيه إليها وقت الشروع في كتابته فقوة اندفاعه وقناعاته بامتلاكه الحقيقة حجبت رؤية ما سيؤول إليه كتاب العنف، والمثير في موقف مؤلفه والمدعاة في الوقت ذاته للتعاطف معه في محنته الأخلاقية هو أنه ورغم إدراكه للنتائج الكارثية لم يتنكر لمخلوقه بل ظل يعترف بقوة صلته به وبقوة الأحداث والوقائع التي دفعته لكتابته فبدا كالقابل بلعناته، التي ظلت تطارده حتى قبل أشهر قليلة من وفاته وآخر من أوقظها مخرج ذكي جاء محملاً بأسئلة أراد عبرها الغور في أعماقه وكشف حقيقة مشاعر ومواقفه يبدو أن الرجل كان يتمنى البوح بها والإعلان صراحة عن ندمه من فعل جاء في سياق تاريخي منطقي وانتهى بعد تراكم تجارب وتشكل وعي جديد أدرك خطورة الأفكار المتشددة وإمكانية تعدد قراءتها حتى بعد حين!.   خرج الكتاب عام 1970 وتضمن تنبيها لصغار السن والقاصرين عن الإدراك من خطورة الإقدام على تطبيق محتوياته!. لكن الكتاب انتشر وبدلاً من أن يكون مرجعاً "للفوضويين الثوريين" فحسب استغله آخرون لينفذوا مخططات ومجازر مختلفة الدوافع.

قد ينال إعجابكم

متابعات

فينسيا 74: جوائز مُستحقة

في مفاجأة مُستحقة، فاز بجائزة أفضل ممثل، الفلسطيني "كامل الباشا"، عن دور المهندس "ياسر"، في فيلم المخرج اللبناني زياد...