نقد سينمائي

فيلم استغرق 44 عاما

أمير العمري

كاسترو يلقي خطابه أمام الجمعية العامة

من أفضل الأفلام الوثائقية التي شاهدتها مؤخرا فيلم "كوبا والمصور" Cuba and the cameraman للمخرج الأمريكي جون ألبرت John Alpert الذي أخرج وأنتج وصور عددا كبيرا من الأفلام الوثائقية، فاز الكثير منها بجوائز عديدة. وألبرت في الأصل صحفي استقصائي ومصور ومراسل تلفزيوني، قام بتغطية الأحداث السياسية الساخنة في فيتنام وكمبوديا وإيران ونيكاراغوا والفلبين وكوبا والصين.

أما فيلم "كوبا والمصور" فهو فيلمه الخاص الأكثر قربا إلى قلبه، وإنجازه الفريد الذي لا يشبه غيره. وقد بدأ في تصوير مادته عام 1972 وكان وقتها في الرابعة والعشرين من عمره، جاء من نيويورك إلى كوبا للمرة الأولى، وكان قد مضى عقد كامل منذ أن فرضت الولايات المتحدة الحصار الاقتصادي على الجزيرة الصغيرة في أعقاب انتصار الثورة الكوبية ووصول كاسترو إلى السلطة.

كان "جون"- الذي يتردد اسمه كثيرا في الفيلم، يريد أن يعرف ما الذي يحدث في هذا البلد الصغير القريب من الولايات المتحدة، وكان يُنظر إليه ويتم تصويره في الإعلام الأمريكي، كمصدر خطر داهم على الأمريكيين. وكانت صورة زعيمه الأسطوري فيديل كاسترو، تظهره كرجل خطير.. مثير للمتاعب.. محرض على العنف.. ديكتاتور يرفضه شعبه. لكن صورة كوبا وكاسترو في عيني جون ألبرت ستتغير بشكل كبير بعد أن يذهب إلى كوبا ليرى بنفسه، وهناك سيقع في حب هذا البلد الجميل وأناسه الطيبين، فيظل يتردد عليه طيلة العقود الخمسة التالية.  

صور جون ألبرت فيلم "كوبا والمصور" على مدار ما يقرب من خمسين سنة، وهو نتاج لمونتاج بارع ومؤثر، لمواد صورت على فترات متقطعة، باستخدام نحو 17 نوعا مختلفا من كاميرات الفيديو، وكما يعكس الفيلم التطورات السياسية والاجتماعية التي وقعت في كوبا طوال هذه الفترة، فإنه يجسد بشكل عملي، التطورات التقنية الي لحقت بكاميرات الفيديو. وكما أن الفيلم يصور انعكاس الأوضاع في كوبا على قطاعات كبيرة من الناس، فإنه يقدم أيضا صورة متغيرة لكاسترو وهو يتقدم تدريجيا من الشباب إلى الكهولة.

جون ألبرت مع كاسترو

لحظة إعلام الغياب

يبدأ الفيلم بجون داخل سيارة تسير في شوارع هافانا الخالية بينما نستمع على شريط الصوت لصوت رجل (غالبا صوت راؤول كاسترو) يبث للشعب الكوبي نبأ وفاة فيدل كاسترو. لا غرابة إذن أن تكون الشوارع قد خلت من البشر. ولكن بعد فترة يلحق جون ومساعدوه بالحشد الكبير الذي تجمع للتعبير عن حزنهم على غياب زعيمهم الراحل الكبير.

"فيدل.. ستظل في قلوبنا إلى الأبد.. فيدل سيكون دائما مع شعبنا".. هذا ما تردده النساء أمام كاميرا جون ألبرت قبل أن يظهر جون بنفسه ليخاطبنا قائلا: أجيال كثيرة من الكوبيين الذين ينعون كاسترو لم يعرفوا قط كوبا من دون كاسترو.. عندما بدأت المجيء إلى هنا لم تكن الهواتف المحمولة قد اخترعت بعد.. كنت في أوائل العشرينات من عمري.. وظللت أعود إلى هنا لخمسة عقود.. وارتبطت بصداقات مع الجميع.. لقد أردت أن أروي قصة كوبا".

على هذه العبارات يظهر جون وهو يصافح الكثير من الكبار والأطفال في الشوارع. إنهم يعرفونه جميعا. ثم يظهر مع الشخصيات المحدودة التي سيدور حولها فيلمه، وسيظل ينتقل فيما بينها طوال زمن الفيلم الذي يقرب من الساعتين.  يظهر أولا كاسترو وهو يضع السيجار في فمه في عادته التي سيحافظ عليها في كل العصور، يمرح ويمزج ويواجه كاميرا جون.. قبل أن نعود إلى بداية القصة، إلى عصر الأبيض والأسود.

يروي جون ألبرت بصوته قصته مع كوبا، ويبدأها بالعودة إلى نيويورك حينما كانت كاميرا الفيديو التي ظهرت في أوائل السبعينيات، من النوع الثقيل الذي لا يمكن حمله، وكان وقتها يقوم بتصوير إضراب سائقي التاكسي في نيويورك. وكيف كان بعضهم ينظر بريبة وتشكك إلى تلك الكاميرا الهائلة التي كان يضعها في صندوق يدفعه أحدهم أمامه.. كان يصور أيضا احتجاجات الفقراء المهمشين من السود الذين يطالبون بمنازل تليق بالبشر، ويكشف هذا النوع من القضايا الاجتماعية عن الاهتمامات الفكرية لصانع الفيلم وتكون مدخلا كافيا لفهم اهتمامه بالثورة الكوبية ومشروعها الاجتماعي.

يستخدم جون ألبرت الكثير من الوثائق المصورة ومنها لقطات لكاسترو وهو يسير وسط الجماهير، ويعلق عليها بقوله: "سمعنا أن كاسترو يحقق من خلال ثورته في كوبا ما نطالب بتحقيقه هنا في نيويورك". وتظهر لقطات أخرى من الحياة الجديدة في كوبا، ويستمر صوت جون يتحدث عن التعليم المجاني حتى مستوى الجامعة، والعلاج المجاني، وبناء المساكن للجميع، قبل أن ننتقل إلى وثيقة أخرى مصورة لكاسترو وهو يخطب في حشود جماهيرية كبيرة: إننا نكافح من أجل تحرير عمالنا من الخضوع لسيطرة الرأسماليين الأمريكيين.. ولكنهم لا يتحملون قيام ثورتنا الاشتراكية تحت أنف الولايات المتحدة".

 ثم ننتقل إلى الرئيس جون كنيدي وهو يخطب في حشد كبير من اللاجئين الكوبيين في ميامي، ويقول إنهم خُدعوا بعد أن وعدتهم الثورة الكوبية بإنهاء الاستغلال الاقتصادي، لكنهم حصلوا على دولة بوليسية. ولكني أعدكم بأن تصبح كوبا مجددا دولة حرة".

المخرج جون البرت يحمل الكاميرا وسط أصدقائه الكوبيين

تستمر هذه المقدمة الضرورية المدعومة بالوثائق المصورة النادرة، منها لقطات لسفن حربية وزوارق أمريكية تتجه في أعقاب فشل الغزو الشهير (أو عملية خليج الخنازير) لفرض الحصار البحري على كوبا، ثم لقطات للكوبيين الذين فضلوا الخروج بمئات الآلاف عام 1972 إلى الولايات المتحدة واستقروا في ميامي وهي المدينة الأمريكية الأكثر قربا من كوبا.

يذهب جون إلى منطقة ريفية حيث يلتقي بثلاثة إخوة.. متقدمين نسبيا في العمر، يقومون بأعمال شاقة في قطعة من الأرض، يمتلكون بعض الماشية: ثوران وبقرة. يتسامر معهم، يطلع على أحوالهم، وعلى حياتهم في تلك المنطقة، والأشقاء الثلاثة يعيشون مع شقيقتهم، جميعهم غير متزوجين، يعملون بصرامة وقوة في الأرض، يزرعون ويحصدون ويقومون بتنظيف الأراضي المجاورة لحساب الحكومة. هؤلاء البسطاء الثلاثة الذين يمثلون كوبا الحقيقية، يشعرون بالسعادة والرضاء وسيصبحون عبر الفيلم بمثابة مرآة تعكس تطور وتدهور الأحوال في كوبا عبر السنين، فجون سيتابعهم ويظل يعود إليهم كلما جاء إلى كوبا، حيث نرى تأثير مرور الزمن عليهم، يلهو معهم ويتناول الشراب، ويتنافس مع أكبرهم سنا "جريجوريو"، في مصارعة الذراع ويهزمه الرجل دائما حتى بعد أن يبلغ التسعين من عمره، إلى أن نجده قرب النهاية وقد أصبح عاجزا عن الكلام بعد استئصال حنجرته لإنقاذه من السرطان. سيعود جون إلى كوبا فيما بعد وهو يحمل معه جهازا يساعد على النطق يقوم الطبيب بتركيبه لكي يصبح بوسع جريجوريو مخاطبة شقيقه وشقيقته قبل أن نعلم في النهاية بوفاة الثلاثة وتبقى شقيقتهم التي يختتم بها الفيلم.

هذه التفاصيل الإنسانية الممتعة نراها مجزأة عبر الحقب المختلفة على مدار الفيلم في مشاهد مصورة بتلقائية وذكاء، فجون لا يخشى من توجيه الأسئلة الصعبة يضعها في سياق بسيط، والكوبيون الثلاثة لا يخشون التعبير الحر عن آرائهم: في البداية كانوا سعداء، ومع تزايد المشاكل خاصة بعد سقوط الحليف الأول لكوبا أي الاتحاد السوفيتي في أوائل التسعينيات، تتدهور الأحوال وتقل المواد الغذائية، يسطو اللصوص على حظيرة الأشقاء، يسرقون الماشية القليلة قطعة قطعة، ويذبحونها ليأكلوها. هذا التدهور يرصده المخرج أيضا في القصص الأخرى الموازية لقصة الأشقاء الثلاثة. لكن ينبغي أن نتوقف أولا مع القصة المحورية في الفيلم خارج القصص الثلاث: قصة لقاء جون بكاسترو ونجاحه في أن يصبح أول صحفي أمريكي يحصل على مقابلة مع الزعيم الكوبي.

مرة أخرى جون يصارع شقيقة الاخوة الثلاثة التي بقيت بعد وفاتهم جميعا

يذهب ألبرت لتصوير وقائع المؤتمر الأول للحزب الشيوعي الكوبي في عام 1976 والاحتفال بعيد الميلاد الخمسين لكاسترو. يلقي كاسترو خطابا قويا يستغرق 12 ساعة. ويظهر جون مع زوجته (اليابانية الأصل) وهي في الوقت نفسه مساعدته، وأمامهما عربة من العربات التي يوضع فيها الأطفال الرضع، ولكنهما وضعا فيها الكاميرا الثقيلة ومعدات الصوت، ويروي جون كيف كانت هذه المعدات الثقيلة السبب في جذب اهتمام كاسترو وبداية العلاقة الوثيقة بينهما. نرى كاسترو والسيجار الأبدي في فمه، يتطلع في حب استطلاع وهو وسط جماعة من الناس، نحو هذا المشهد العجيب للأجهزة الموضوعة في عربة الأطفال.. يقترب ويسأل عن هذا "الشئ".. ينحني ويرفع أحد الأجهزة.. يبتسم ويضحك ويداعب جون وزوجته.. ويتمتم في براءة (إنه ثقيل بالفعل) يطلب منه جون توجيه رسالة للشعب الأمريكي فيوجه رسالة صداقة.

ستتاح الفرصة لجون فيما بعد لإجراء مقابلة مع كاسترو عندما كان في الطائرة التي تنقله من كوبا إلى نيويورك في 1979 لإلقاء خطابه الشهير أمام الجمعية العامة للأمم المحدة. جون يصور مباشرة داخل الطائرة (كان كاسترو وقتها في الثالثة والخمسين لكنه بدا شابا مليئا بالحيوية والمرح) .. إنه يضحك كطفل، ويداعب جون، ويمنحنا صورة شديدة الاختلاف لكاسترو عما هومألوف وشائع. وبعد أن ينتهي من خطابه في الأمم المتحدة، يعود إلى محل إقامته في في نيويورك، وهناك يرى زوجة جون فيسألها عنه، فتقول إنه في مقر محطة التليفزيون.. بعد قليل يظهر جون فيسأله كاسترو بود الأصدقاء" أين كنت؟ يقول جون إنه كان يتشاجر مع محطة إن بي سي، فيسأله كاسترو: لماذا هل رفضوا بث صوري؟ يجيبه بأنهم أرادوا استبعاد الأجزاء الجيدة منها، فيمازحه كاسترو قائلا: يجب أن تبيع المادة إلى محطة أخرى.. أليس لديكم مبدأ المنافسة هنا؟

جون يطلب منه أن يطلعه على مقر إقامته، فيصحبه كاسترو بكل بساطة ويريه المطبخ الصغير المتواضع، وغرفة الجلوس، وغرفة نومه. يسأله جون: هل ينام فيدل؟ فيقول له نعم بالطبع.. أنام ولكن ليس كثيرا، ثم يستلقي أمامه على الفراش ويمازحه قائلا إنه لا ينام بالطبع وهو في كامل ملابسه هكذا.. وعندما يسأله جون عن القميص الواقي من الرصاص الذي يرتديه، تتسع ابتسامة كاسترو.. يفك أزرار سترته ليكشف لنا صدره عاريا أمام الكاميرا ليرى الجميع أنه لا يرتدي شيئا!

بعد 6 ساعات قضاها في نيويورك يغادر كاسترو عائدا إلى بلاده ومعه جون على الطائرة، ويدور الحوار التالي:

- ما رأيك في نيويورك وهي مثل كوبا أي حوالي 8 ملايين شخص؟

- لو كنت حاكم نيويورك لكان أول قرار لي أن أستقيل (ويضحك كثيرا)..

- لماذا؟

لأن هذه مدينة لا يمكن أن تحكمها.. كما أن عليها ديونا كثيرة.

صورة تاريخية تجمع بين كاسترو وعبد الناصر

يسجل جون مبارة الرجبي التي يلعبها أول منتخب وطني أمريكي في كوبا منذ الثورة، ثم يرصد الانفراجة التي تجعل كاسترو يسمح للمهاجرين الكوبيين في أمريكا بالعودة لزيارة أقاربهم، ويصور لحظة وصول عدد كبير من هؤلاء وكيفية اللقاء مع الأقارب والأهل بعد غياب 18 عاما، لكن كاسترو أيضا يفتح الباب أمام كل من يريدون الرحيل عن كوبا، ونرى السفن الأمريكية تأتي لتلتقطهم من مضيق مارييل..  يقول رجل إنه تم إطلاق سراح الكثير من المسجونين والمرضى العقليين وطلب منهم المغادرة أيضا إلى أمريكا. وفي لقطات نادرة نشاهد حشدا كبيرا للمناهضين لهجرة الكوبيين أمام مبنى البعثة الأمريكية وهم يحتجون على الكوبيين الذين يهرعون لدخول المبنى لطلب اللجوء.. وللمرة الأولى كما يقول لنا جون، نرى اشتباكات عنيفة بين الشرطة والمتظاهرين.

يتابع المخرج قصة فتاة التقاها عندما قام بزيارة إحدى مدارس الأطفال في أوائل السبعينيات وكانت في السادسة من عمرها وعندما سألها ماذا تريد أن تكون مستقبلا، قالت إنها تريد أن تصبح ممرضة. سيعود جون للبحث عنها بعد مرور السنين، ليجد أنها تزوجت وهي في الرابعة عشرة وتركت الدراسة وأنجبت طفلين. ويشترك جون مع ابنها الصغير في لعبة الكريكيت في الشارع.

وفي عام 1989 مع سقوط جدار برلين ثم سقوط الاتحاد السوفيتي تبدأ المصاعب في كوبا. يلقي كاسترو خطابا في 1992 يعترف بوجود مصاعب ويطالب بالانفتاح على السياحة كمصدر للدخل.. يرصد جون توقف الكثير من المصانع، وفراغ الأسواق من السلع الغذائية، وتوزيع المواد الغذائية بكميات قليلة للغاية، واصطفاف الناس طوابير للحصول على كمية محدودة من الدقيق والأرز، كما يرصد الاصطفاف للحصول على وقود السيارات. هنا يعثر جون على بطله الثالث: لويس وهو شاب أسود من سكان الأحياء الفقيرة، يستقبله في منزله، يعرفه على أشقائه الخمسة وأمه وشقيقته وجميعهم يقيمون في شقة ضيقة.. الكهرباء تنقطع 4 ساعات يوميا، والمياه لا تصل أصلا، وتجارة الهيروين انتشرت بين الشباب وازدهرت تجارة السوق السوداء، والشرطة تأتي ولكن يمكن أن تغض الطرف إذا حصلت على نصيبها.

بعد سنوات يعود جون ليجد أن صديقه لويس يقضي عقوبة في السجن منذ 4 سنوات.. ويجد أحوال الأشقاء الثلاثة وقد بلغت حدا مأساويا، وأن الزرعة جفت وجلس الأشقاء دون عمل. وقد تدفق السياح على هافانا وارتفعت الأسعار، وانتشرت السوق السوداء، ويكتشف أن كاريدد هاجرت إلى أمريكا وتركت ابنها الذي كبر وابنتها التي تزوجت وأنجبت طفلة.

في عيد الميلاد الثمانين لكاسترو، يتغيب كاسترو عن الاحتفال بعد أن انتظره الجميع، يأتي فقط شقيقه راؤول. يطلب جون مقابلة كاسترو مرارا لكنه لا يتلقى ردا. وأخيرا وبعد أن يبلغ كاسترو التسعين من عمره يوافق مساعدوه على المقابلة ولكن من دون كاميرا تليفزيونية. نرى فقط مجموعة من الصور للرجلين معا بعد أن أصبح كاسترو شيخا هرما يكاد لا يعي تماما ما يدور حوله، وإن كان ينظر بود إلى جون ويضع يده في يده. هذا الرجل العظيم الذي هز العالم أصبح الآن عاجزا عن الحديث.. يتطلع كالأطفال الرضع إلى الدنيا وهي تشحب من حوله.

جون يصور الشوارع الخالية يوم وفاة كاسترو

في فيلم "كوبا والمصور" الكثير من الذكريات الشخصية، لكنه أيضا تقرير واف يتمتع بالحيوية والجاذبية والجرأة عن كوبا كما لم يعرفها أحد. والمدهش أن جون كان يتمتع بحرية كبيرة في التصوير، وفي توجيه الأسئلة، كما تركت له مساحة كبيرة للحركة في كوبا ودخول بيوت الناس والاطلاع أيضا على محتويات الثلاجة في كل بيت، بحيث أصبحت الثلاجة "موتيفة" ثابتة في الفيلم، ورمزا لتجسيد التغيرات التي حدثت في المجتمع، فهي تفرغ حين تشتد الظروف، ثم تمتلئ بعد أن تتغير الأوضاع فيما بعد، في الألفية الثالثة.

صحيح أن الفيلم يقدم صورة قريبة رومانسية لكاسترو، قد تجعل المشاهدين يتعاطفون معه، ولكن من الذي ينكر أنه كان لدى كاسترو مشروع شامل لتغيير الحياة في بلد فقير كان يخضع بالكامل للاحتكارات الأمريكية قبل الثورة. ومن الذي ينكر أن كاسترو كان شخصية مرحة، محبة للحياة، وكان يتمتع بشعبية طاغية بين أبناء شعبه؟ ومن جهة أخرى، يقدم الفيلم بشجاعة- نقدا شديدا لما تسببت فيه أخطاء الأيديولوجيا، والثمن الذي دفعه الجميع نتيجة الجمود السياسي.

عندما كان راؤول يعلن وفاة كاسترو في 25 نوفمبر 2016، كان جون ألبرت هناك، يسجل تلك اللحظات التاريخية ليعود بالذاكرة مجددا إلى الوراء وهو يستعيد مداعبات كاسترو له في الطائرة، وابتسامته العريضة كطفل كبير، ثم يستعيد كلمات كاسترو عندما سأله: ألا تخشى الموت؟

قال كاسترو: "لا أحد يموت قبل ميعاده. أعرف أنني سأموت يوما ما.. متى؟ لا أعرف..". كان هذا التصريح عن الموت في الطائرة قبل أن تسمح السلطات الأمريكية لكاسترو بالهبوط.. والآن بعد أن جرت مياه كثيرة في الأنهار، يتجمع الكوبيون الذين أصبحوا يحملون الهواتف يصورون جنازة كاسترو، قبل أن يشرق فجر جديد على كوبا والعالم.

 

 

 

قد ينال إعجابكم

متابعات

المخرج الخفيّ

في كل كارثة إنسانيّة، ما عليهم إلا أخذ تصريحات المسئولين قولًا واحدًا وفردها بنشابة مناسبة لتصير فيلمًا وطنيًّا يلعب...
حوارات

الأبديّة في مصنع هندي

هل فكرت يومًا كيف وصلت إليك قطعة القماش الفريدة هذه؟ تعرف على يوميات عمال هنود منسيين يشتغلون في أحد المصانع الهندية...
متابعات

فينسيا 74: جوائز مُستحقة

في مفاجأة مُستحقة، فاز بجائزة أفضل ممثل، الفلسطيني "كامل الباشا"، عن دور المهندس "ياسر"، في فيلم المخرج اللبناني زياد...