نقد سينمائي

فيلم "لافنغ" تعبير عن العنصرية دون مبالغات

أمير العمري 

هناك شئ ما في الفيلم الأميركي "لافنغ" Loving للمخرج جيف نيكولز، يثير انتباه أي متفرج معتاد على مشاهدة الأفلام التي تناقش موضوع العنصرية والتعصب العرقي في الولايات المتحدة. فهذا الفيلم يختلف كلية عن سائر ما ظهر من أفلام غيره حول نفس الموضوع، ومقارنة بسيطة مع فيلم "مملكة متحدة" (الذي سبق أن تناولناه على صفحات "سينما العرب") يوضح تماما ما نود قوله هنا. 

الموضوع بين الفيلمين متشابه إلى حد كبير، فكلاهما يروي قصة حب جمعت بين شخصين من لونين مختلفين: في "مملكة متحدة" بين رجل أفريقي أسود، وفتاة انكليزية بيضاء، وفي "لافنغ" بين رجل أمريكي أبيض وفتاة سوداء، أو بالأحرى "ملونة". وفي الفيلمين تتطور قصة الحب الى الزواج، وما ينتج عن ذلك من تداعيات تتحول فيما بعد إلى مشكلة "سياسية". وفي كلا الفيلمين تنتهي القصة بالحل السعيد بعد معاناة تستغرق سنوات.

 

حق الاختيار 

رغم كل هذه التشابهات إلا أن "لافنغ" يختلف كثيرا عن "مملكة متحدة، فبينما يقوم بناء الفيلم الثاني على دراما تقليدية ملتهبة، تفيض بالمشاعر، تتداعى فيها الأحداث صاخبة مدوية، ترتفع خلالها الأصوات، دفاع عن "الحق في الاختيار" وانتصارا لفكرة التباين الإنساني كمكون حقيقي راسخ وطبيعي في دنيانا، يميل الفيلم الثاني بأسلوبه ولغته وطريقته في السرد وأداء ممثليه، إلى المواراة والمداراة، إلى تجنب الصخب والصوت المرتفع والدراما العنيفة الملتهبة، مفضلا الخفوت والهمس، التطلع الخافت بالنظرات المعبرة، العرض التدريجي الرصين للوقائع والأحداث كما وقعت في حياة البطلين دون الوقوع في إغراء المشهيات المألوفة التي تفضلها هوليوود عادة. 

وشأن "مملكة متحدة" يقوم فيلم "لافنغ" على قصة حقيقية بدأت أولى حلقاتها عام 1958 في ولاية فيرجينيا الجنوبية الأميركية التي كانت خاضعة منذ عام 1691  لقوانين صارمة تحظر الاختلاط الجنسي والزواج بين البيض والسود، بدعوى الحفاظ على نقاء النوع أو الجنس، واستنادا- كما يرد في الفيلم- إلى تفسير ديني مسيحي يرى أن الفصل بين العناصر، هو قرار رباني، خلقت بمقتضاه شعوب بيضاء وأخرى ملونة أو سوداء، وكل منها يعيش في عالمه ودنياه بمعزل عن الآخر، وإنه "لو شاء الرب لجعل البشر جميعا على شكل واحد ولون واحد"!

"ريتشارد لافنغ" (يمين) وإلى جانبه الفتاة السمراء "ميلدريد"

يقع "ريتشارد لافنغ" وهو شاب أبيض أشقر أقرب في ملامحه إلى ما يعرف طبيا بـ "الألبينو" (أو عباد الشمس– ما يطلق عليه بعض العرب!) في غرام فتاة سمراء داكنة هي "ميلدريد"، تخبره في أول مشاهد الفيلم أنها حامل.. فيقرر دون تردد أن يتزوجها. لكن ليس من الممكن اتمام الزواج في هذه البلدة من ريف فيرجينيا، فيرحل الإثنان إلى واشنطن حيث يتم الزواج على يدي قس داخل كنيسة. ويعود الإثنان إلى بيت الزوجية الصغير الموحش، حيث يعلق على الجدار وثيقة الزواج كما لو كان يريد أن تكون الوثيقة شاهدا على أنه لا يرتكب الخطيئة أو الإثم بمعاشرته للفتاة التي استجابت أسرتها وخاصة والدها الطيب لقرارها الزواج من ريتشارد رغم تخوف الأب من العواقب. 

سرعان ما تنزل العواقب مباشرة بل في نفس الليلة، حينما يهبط مأمور الشرطة ونائبه وحراسه المسلحين بالبنادق ويقتحمون المنزل في منتصف الليل، ويقبضون على ريتشارد وميلدريد، فطبقا للقانون ارتكب الاثنان جريمة بزواجهما المختلط الجنسين. يودع الاثنان في الحبس المؤقت انتظارا للمحاكمة. في الصباح يتدخل المحامي فيطلق سراح ريتشارد بكفالة دون الفتاة التي تبقى في السجن. ويتوصل المحامي مع القاضي الى صفقة، بمقتضاها يعترف الاثنان بارتكابهما جريمة، وتفادي عقوبة السجن لخمس سنوات، مقابل مغادرة ولاية فيرجينيا والبقاء خارجها لمدة 25 عاما.  

الدراما المحكومة 

هذه المأساة الإنسانية يقدمها المخرج جيف نيكولز بأسلوب يتعمد أن يجعله باردا، أي يبرد الدراما، يجعلها خافتة، يركز على النظرات وعلى طريقة العيش وأسلوب الحياة التي يخوضها الإثنان.. دون بطولة ودون ادعاءات.. كما كانا في الواقع. إنها دراما مقصود أن تبدو "عادية" تماما في تفاصيلها، رغم أن الحدث الرئيسي نفسه غير عادي بأي معيار. سينتقل الاثنان ويعيشان في واشنطن بعيدا عن الأسرة والأهل والأصدقاء، ستنجب ميلدريد ثلاثة اطفال من ريتشارد، سيظل حبه لها يكبر ولا يتراجع أبدا رغم الخوف والقلق والشعور المستمر بالتهديد الذي يكتفي نيكولز بتصويره في مشهد واحد دال، يعتبر من المشاهد القليلة التي يخرج فيها عن أسلوبه "المحكوم"، عندما يقود ريتشارد السيارة إلى بلدته القديمة في فيرجينيا فيشعر أن هناك سيارة تتبعه، ويتوقع المشاهد بالطبع أن تقع مواجهة مع ثلة من العنصريين أو شيئا من هذا القبيل، لكن شيئا من هذا لا يحدث. يهبط هو من السيارة أمام المنزل، يقف مرتجفا من الفزع، ينتظر وصول السيارة التي تطارده أو يتصورها هكذا، لكن السيارة لا تظهر.. تخرج ميلدريد من المنزل تسأله عما به، لكنه يطلب منها دون أن يستدير أن تبقى داخل المنزل.

ميلدريد في الفيلم

هذا الأسلوب المقتصد في السرد، في خلق مشهد من مجموعة لقطات شبه صامتة، يقول الكثير. وطبقا لهذا الأسلوب فموضوع الكراهية العنصرية الذي هو أساس الفيلم، يتبدى من خلال النظرات (مثلا نظرات مأمور الشرطة إلى ريتشارد).. ورغم أن أم ريتشارد التي تعمل مولدة، هي التي تقوم بتوليد الطفل الأول لابنها من ميلدريد إلا أنها تنتهز فرصة وجوده بالقرب منها لكي تسر إليه في عبارة أقرب إلى الهمس: ما كان ينبغي أن تتزوج هذه الفتاة؟ وهي تقصد أنها ستجلب له الكثير من المشاكل التي كان في غنى عنها. 

ستمر السنون، ونلاحظ نحن مرور الزمن من خلال ما يتطلع إليه ريتشارد وميلدريد أحيانا عبر شاشة التليفزيون.. وأهمها بالطبع، صعود حركة الحقوق المدنية في أوائل الستينات، وما يتخمض عنها من ظهور جمعيات لمناهضة القوانين العنصرية في ولايات الجنوب وسيأتي مصور موفد من مجلة "لايف" التي كانت شهيرة وقتها، ليقيم بعض الوقت مع الزوجين المعزولين المحكوم عليهما بهذا الحكم الغريب بالنفي، لكي يلتقط صورا تلقائية لهما دون حتى أن ينتبها له في معظم الأحيان. هذه الصور والقصة التي تصاحبها ستلفت أنظار محام شاب باحث عن الشهرة موفد من اتحاد الدفاع عن الحقوق المدنية، ليتبنى قضية ريتشارد وميلدريد مع محام آخر مكلف من مكتب روبرت كنيدي، يصعدان بالقضية إلى المحكمة الدستورية العليا التي تقضي بحكمها التاريخي باسقاط قوانين فيرجينيا العنصرية. ويتغير التاريخ. 

لقطة من الفيلم لريتشارد وتظهر في الخلف والدته

الرباط الأساسي 

هناك دقة مثيرة للإعجاب في هذا الفيلم، فيما يتعلق بتصميم واختيار الأماكن، بالانتقالات السلسة من الداخل إلى الخارج، بالتدقيق في كل تفاصيل الفترة، بالاهتمام بالملابس، بطرز السيارات، بتصفيفات الشعر، بل وحتى بطريقة صياغة الحوار. لكن الحوار قد يكون اقل كثيرا مما يتوقع وينتظر المشاهدون، فريتشارد وميلدريد لا يتحدثان كثيرا، ورغم وجود الكثير من المشاهد التي تجمعهما في الفراش إلا أن مشاهد ممارسة الحب تغيب.. فالمقصود ليس التركيز على العلاقة "الحسية" فيما بينهما، بل على ذلك الرباط الاساسي الذي يجمع بينهما ويجعلهما شريكين في الحياة بكل ما تعنيه كلمة الشراكة في الحب وفي العيش وفي تربية الأطفال. 

وربما يكون من أكثر المشاهد دلالة على أسلوب نيكولز الذي يميل إلى تفادي تصوير المشاعر العالية أو الانفعالات التي قد تسقط فيلمه في الميلودراما، ذلك المشهد الذي تصاب فيه ابنة الزوجين عندما تصدمها سيارة (يتم القطع قبل اصطدام السيارة بجسدها مباشرة). ننتقل إلى المستشفى في لقطة مقتضبة.. يستمر ريتشارد في عمله الى غروب الشمس، دون أن يعلم شيا عما وقع.. يعود للمنزل.. يتطلع حوله. يجد أن كل شئ هادئ في الداخل.. ينادي على ميلدريد.. تجيبه من حجرة داخلية تخبره بأن الابنة تعرضت لحادث.. يدخل يجد ابنته ترقد في فراشها.. يطمئن عليها. ليس هناك صراخ ولا نحيب أو اتهامات، ولا أصوات مرتفعة.. الموضوع ينتهي ببساطة لننتقل إلى مشهد آخر.

 إن ريتشارد وميلدريد ليسا من نجوم المجتمع، ولا يتعامل معهما الفيلم على أساس أنهما أصبحا من "المشاهير" بسبب قضيتهما، بل يظل الفيلم مخلصا للواقع، الحقيقة أن ريتشارد عامل بناء بسيط يجد ويجتهد ويتعب كثيرا في عمله (هناك مشاهد كثيرة نراه فيها يعمل حتى المساء) وميلدريد زوجة جيدة تنظف الصحون في حوض المطبخ، كما تقضي وقتا تداعب أطفالها، تشعر بحنين الى أهلها وبلدتها، وتقرر بشجاعة أن تعود وليحدث ما يحدث فلم يعد يخيفها شئ. وعندما تستقبل خبر قرار المحكمة العليا عبر شاشة التليفزيون، تأتي ابتسامتها العريضة. يتطلع إليها ريتشارد من بعيد. ويفهم ما حدث. 

الدراما والتمثيل 

التمثيل عنصر أساسي في هذه الدراما المتقنة الموحية التي تتجاوز كثيرا في قوتها، كل ما ظهر من أفلام حول الموضوع. فلدينا الممثل الأسترالي جويل إدجيرتون في دور ريتشارد، الذي يبدو رغم قوته الجسمانية، منحنيا، مقطب الوجه، يتطلع بعينيه شبه المغمضتين، في نوع من الخوف والوجل والتردد، لكنه رغم ذلك، يمضي بهدوء وثقة في علاقته الهادئة مع زوجته التي يحبها ولا يمكنه أن يرضخ لأي ضغوط لكي يتركها. إنه يرفض أيضا أن يصبح في بؤرة الأضواء، وعندما يلح عليه المحامي أن يحضر جلسة المحكمة العليا يرفض.. فهو بتكوينه الريفي البسيط يرفض هذه المظاهر الاستعراضية. بل ويتشكك أيضا في ألاعيب المحامين والقضاء. إنه يدرك شيئا واحدا فقط: أنه لم يرتكب أي عمل من شأنه أن يزعج الآخرين ناهيك عن أن يكون جريمة. هذا أداء سلس وسهل وبسيط لكته يحتاج إلى مهارة خاصة في التحكم، وفي المحافظة على الأسلوب والنظرة وايقاع الحركة في كل المشاهد. وهو ما نجح فيه إدجيرتون تحت قيادة جيف نيكولز.

الممثل الأسترالي جويل إدجيرتون والإثيوبية الأيرلندية روث نيغا

أما ميلدريد فقد أدت دورها بنوع من الاستمتاع والرقة والجاذبية التي لا تنسى الممثلة الايثوبية- الأيرلندية روث نيغا، التي صمدت بتمكن تحسد عليه في اللقطات القريبة التي لم تستطع كاميرا المصور آدم ستون أن تقاوم جمال تعبيرات وجهها الهادئة. وقد أجادت بوجه خاص في المشاهد اللتي تجمعها بأسرتها وخاصة شقيقتها التي انفعلت مرة واحدة في الفيلم عندما اتهمت ريتشارد بأنه السبب في هذا الانفصال بين ميلدريد وبينها.. وكذلك أجادت نيغا في تجسيد علاقة ميلدريد بأبنائها الثلاثة.  

صورة فوتوغرافية هي التي تبقى من تلك الصور التي التقطها للزوجين مصور مجلة "لايف".. عندما يسند ريتشارد رأسه على ساقي زوجته وهو مضجع على الأريكة يشاهد معها التليفزيون. هذه الصورة تظهر بالطبع على غلاف المجلة وهي التي تتحول في اللقطة الأخيرة من الفيلم بعد نزول العناوين النهائية، لتصبح اللقطة الحقيقية لريتشارد وميلدريد الحقيقيين.

 

 

قد ينال إعجابكم