نقد سينمائي

فيلم “رووم” بين الغرفة والحجرة

أحمد حسونة

يتناول فيلم "رووم" أو الحجرة للمخرج "ليني إبراهمسون" قضية الخطف و الاحتجاز القصري، و تأثيره على المحتجز بأبعاد إنسانية و فلسفية جديدة، لم نرها من قبل على الشاشة الكبيرة.

وقد حاز الفيلم المقتبس عن رواية بنفس الإسم "لإيمي دونوجهو|" على أحسن أوسكار للممثلة بري لانسون عن دورها الرائع بالفيلم، بالإضافة إلى ثلاثة ترشيحات أخرى للأوسكار وهي أحسن فيلم وأحسن إخراج، و أحسن سيناريو مقتبس.

المخرج "ليني إبراهمسون"

يدور الفيلم حول الأزمة النفسية و الجسدية التي تتعرض لها امرأة نتيجة اختطافها لمدة سبع سنوات في حجرة لا تستطيع الفكاك منها، أنجبت خلالها ابنها جاك، الذي يمثل كل شيء لها في الوجود، ثم تنجح الأم أخيرا عن طريق ابنها الهروب من الحجرة، ليتم القبض على الخاطف، ويبدأ كلا من الأم و الابن رحلة التواصل مع العالم الخارجي، واكتشاف الأم علاقتها مع ابنها مرة أخرى.

اعتمد الأسلوب السردي للفيلم على الكشف التدريجي للأحداث التي وضعت الأم والابن في هذا الموقف الغريب، وكيفية تعامل كلا منهما مع الواقع، بطريقة مختلفة، وتنكشف الأحداث تدريجيا مع الفصل الدرامي الأول بالفيلم، ويتضح أن الأم تم اختطافها منذ سبع سنوات، و أن الطفل لم يبرح الغرفة على الإطلاق، ثم نفاجئ مع منتصف الفيلم بأن الأم تنتمي لعائلة غنية قادرة أن تعوض الحرمان الذي تعرضت له الأم ومعها الابن، وبنهاية الفصل الدرامي الثاني للفيلم، تكتشف الأم مدى أنانيتها بالاحتفاظ بابنها جاك بدلا من أن تحاول إخراجه من الأسر، ويدفعها هذا الشعور لمحاولة الانتحار.

الخبرة الإدراكية

عايشت الأم واقعا مغايرا و مؤلما خلف جدران هذه الحجرة، كأي شخص طبيعي، بينما ابنها الذي ولد بالحجرة، لا يعلم شيئا عن العالم، فكل ما يراه في التلفزيون يعتقده واقعي حتى رسوم الكارتون.

 و لأن الطفل“جاك”  ذو ذكاء حاد وخيال خصب، يمنح الحياة للأشياء الجامدة بالغرفة، فيطلق تحية الصباح على الكرسي و الطاولة و الثلاجة إلخ من الأشياء المحيطة به، ويحاول التواصل مع الأحياء مثل الفأر، ومع  الخاطف “نيك العجوز”، في الوقت الذي تحاول الأم أن تمنعه دائما من التواصل مع الأخر لخوفها عليه.

الأم وابنها "جاك"

الاستحواذ الجسدي و النفسي

في مقابلة تلفزيونية معها، تسأل المذيعة الأم عن السبب الذي لم يجعلها تطلب من الخاطف أن يترك ابنها، لتكتشف رغبتها الدفينة أن تعزله عن العالم، والاستحواذ عليه، شعورها أيضا بأنها غير سعيدة بخروجها من الحجرة كأنها أصيبت بشئ شبيه بمتلازمة  ستوكهولم، فأصبحت تفضل الأسر بدلا من الحرية، تلك الحالة تضعها في أزمة نفسية عنيفة، تدفعها إلى محاولة الانتحار.

غرفة أم حجرة؟

يشعر جاك بالغربة في هذا العالم الكبير، بل يشعر بأن الغرفة كانت تمتد إلى مالا نهاية، و كانت والدته أمامه طوال الوقت، و هنا نجد تباين بين جاك و والدته في إدراك كلا منهما للمكان الذي تم احتجازهما فيه، فهو يمثل لجاك العالم كله بما يحتويه من أشياء يتفاعل معها، والفضاء الخارجي يحيط به، أما بالنسبة للأم فهو المكان الذي تم احتجازها فيه، وحرمانها من التفاعل مع العالم الخارجي. وتحمل اللغة العربية مفردتين لكلمة “رووم” الإنجليزية، وهما “غرفة” و“حجرة”، فلفظ “غرفة” يعبر عن محتوي الشئ و هو يماثل إدراك جاك للمكان، بينما لفظ “حجرة” يماثل إدراك الأم حيث الحوائط  تفصلها و تحجزها عن العالم الخارجي.

أساطير جاك

وضعية جاك في الفيلم مثل وضعية الإنسان البدائي بمعرفته المحدودة، و محاولة تكوينه لعالم غير مرئي يربطه بالعالم المرئي الذي يعيش فيه ،حيث يخلق تفاعلا بينهما، وسياق سردي لرؤيته للعالم، يظهر ذلك في المشهد الأول بالفيلم عندما يحكي جاك مشهد مجيئه إلى العالم، بأنه قذف من السماء إلى الغرفة من نافذة السقف، و كانت والدته مثل الزومبي (كائن ميت، و حي في نفس الوقت) تبكي و تتفرج على التلفزيون، ثم ركلها من الداخل، فقذفته إلى الخارج، و قطعت الأم الحبل السري ورحبت به.

الطفل "جاك"

هذا التبسيط و عدم المنطقية في أشياء مثل مجيئه من السماء ثم دخوله في رحم الأم  يعكس محاولات بدائية للربط بين الأشياء ليصل إلي قصة مقبولة لديه، تفسر مجيئه إلي العالم، و احتفاء والدته به، فقد أخرجها من البؤس و حالة الحي الميت إلي الحياة مرة أخري، كأن كلا منهما أعطي الحياة للأخر، و ليست هي  فقط. فهناك حبل سري خفي يربط الاثنين بقوة علي المستوي النفسي، بديلا عن الحبل السري المادي الذي أنقطع عند الولادة.

هذه الحالة التبادلية في منح الحياة والقوة للاستمرار، تظهر في إعطاء الأم ضرسها إلي ولدها ليحتفظ بقطعة منها ليستمد القوة، وبدوره يقوم هو الآخر بقص شعره الذي في إعتقاده يستمد قوته منه كشمشون ، ليهديه لوالدته بعد محاولتها للانتحار لتتعافي، ويبدع قصة خيالية أخري بأن الأم تسرعت في السفر إلي العالم الخارجي بدون أن تصطحبه، فمنعت بواسطة كائنات فضائية من الذهاب و ألقوا بها مرة أخري إلي الأرض حيث تحطمت ليعبر عن حزنه لمحاولة الأم تركه في هذا العالم، و تحطمها نتيجة نسيانها له. وتمثل الكائنات الفضائية لجاك القوة الخفية المسيطرة علي الكون والتي تلعب دورا حيويا في الجمع بينهما.

يتم تأكيد البعد الأسطوري والتخيلي من خلال قراءة الأم الرواية الخيالية الشهيرة “أليس في بلاد العجائب” لأبنها جاك، والتي تدور عن أليس التي سقطت في جحر أرنب لتذهب إلي عالم خيالي غريب. هذا العالم الذي سقطت فيه الأم بالتأكيد ليس عالما مثيرا، إنما عالم مؤذي وغير سوي بالنسبة لها.

مشهد من الفيلم للأم وابنها جاك وهي تضمه أثناء نومهما

التماثل و التباين في السرد البصري بالفيلم

يظهر التماثل والتباين في السرد البصري علي عدة مستويات بداية من كتابة اسم الفيلم "رووم" علي الشاشة بحجم صغير في إطار يكاد يستوعب الكلمة ليعبر عن حالة الاحتجاز و الحصار التي تمر بها الأم و ابنها، و علاقة  الغرفة بالعالم الخارجي الشاسع.

فمن غرفة فقيرة للغاية تقيم بها أم و ابنها الذي لم يرى العالم الخارجي، شعره طويل للغاية يبدو كفتاة، وأم لا تخرج على الإطلاق، يزورهما ليلا رجل يسمونه نيك العجوز، تقوم قبلها بوضع ابنها في الدولاب حتى لا يتواصل معه، فتخلق من الدولاب حجرة داخل حجرة لتفصل الابن عن عالم الغرفة الأكبر، الذي يحاول تارة أن يتحدث بصوت عالي حتى لا يسمع ما يدور، و تارة أخرى يتلصص من فتحات الدولاب.

يتغير إدراك الطفل للعالم عندما تدعي الأم أنه مات و تلفه في سجادة ليخرج به نيك العجوز ليدفنه، فمن "طاقة" نور في  سقف الحجرة  إلى سماء شاسعة لا يحدها شيئا، يتلقاها جاك بدهشة عندما يخرج من السجادة بالسيارة، ثم يستيقظ في المستشفي بعد أن فقد وعيه ليجد سقف مضاء بلمبات صناعية، ولكن الحوائط شفافة، زجاجية تجعله يعيش في وسط العالم ليسأل والدته "هل انتقلنا إلى كوكب آخر؟

"رووم" قوة مذهلة من الرعب والأمل

النافذة الأخري بالنسبة لجاك هي التلفزيون، و الذي يتعامل مع الأشياء التي تظهر عليه بأنها حقيقية و لكن الأم توضح له بأن ما يراه على التلفزيون قد "يمثل" أشياء واقعية أو فترات أخرى تاريخية أو  يمثل الخيال في حالة الرسوم المتحركة.

لعبت الموسيقي أيضا دورا هاما للتأكيد على هذا التباين و التماثل في السرد البصري، و كمحرك قوي للعواطف ومعبرة عن تساؤلات وإتساع أفق الطفل الخيالي، وعن الآلام التي مرت بها الأم وابنها، لينتهي الفيلم بكادر كلاسيكي واسع  يرتفع إلى أعلى يكشف المكان كله، تدعمه الموسيقى في كروشندو لنرى الأم والابن يتركان الغرفة/الحجرة بعد أن طلب الابن زيارة الغرفة للمرة الأخيرة، ويتحركان في العمق بعيدا عن الكوخ إعلانا عن إندماجهما في الحياة مرة أخرى.

قد ينال إعجابكم